ثقافة / حرفة صناعة الأفلام تطغى على المشهد الثقافي الأردني

4 شباط 2017

ثقافة / حرفة صناعة الأفلام تطغى على المشهد الثقافي الأردني

طاقات شابة ترنو إلى الإبداع والإبتكار

عمان 29 كانون الثاني – بترا – ناجح حسن – حققت صناعة الأفلام الأردنية في السنوات العشرة الأخيرة الكثير من الإنجازات، حيث قدّمت تنوعاً لافتاً في حقل الإبداع السينمائي بشقيه الروائي والتسجيلي والتحريكي أثرى الحياة الثقافية ومنحها الألق على الصعيدين المحلي والدولي.

 وجالت أفلام أردنية أنجزها مخرجون أغلبيتهم من الشباب والشابات على مهرجانات عربية ودولية ظفر البعض منها بجوائز رفيعة ونال البعض الآخر استحسان النقاد واعجاب عشاق السينما كما تجسّد في الفيلم الروائي الطويل “ذيب” للمخرج ناجي ابو نوار والذي صوّر فيه مغامرة صحراوية تدور في البادية الاردنية ابان العام 1916.

وتتلخص حكاية الفيلم الذي نافس على جائزة الاوسكار العام الفائت حول الفتى البدوي ذيب وشقيقه حسين اللذين يتركان مضارب قبيلتهما في رحلة محفوفة بالمخاطر مع بدء تحولات سياسية عصيبة تشهدها المنطقة والعالم، حينها تقع على الفتى مسؤوليات جسام خاصة عندما يتعلق الأمر باصراره أن يعيش أمام كل هذا التطاحن والعنف والقسوة الآتية من الصراعات التي تنشب بين مجموعات من الناس المتنافرين في رؤاهم، فهناك عساكر العثمانيين والجنود البريطانيين وثوّار وهناك أيضا عصابات قطاع الطرق، وكل ذلك يسري في مناخات وتضاريس البيئة الصحراوية الصعبة.

أمام تلك التحديات يأتي اصرار الفتى ذيب على ان يصل الى نهاية رحلته الشاقة باطمئنان وثقة بعد ان يكون فهم ما يجري حوله من مخاطر تجول باحساسه العفوي في ولوج عتبة الرجولة ودراية الفروقات بين معاني الثقة والغدر والإنتقام.

يحسب للمخرج وكاتب الفيلم أبو نوار، انه اختار موضوع فيلمه الحائز على جائزة افضل مخرج في قسم (آفاق جديدة) في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بدورة العام 2015، من بين تلك القصص والحكايات المتداولة في الموروث الشفهي للبيئة البدوية، وصاغ من تلك الأشعار والقصائد النبطية المفعمة بالأمل والصبر والتحدي فيلماً سينمائياً يفيض بمفردات وعناصر من اللغة البصرية الآسرة.

 وعلى غرار فيلم “ذيب” حضرت مجموعة الأفلام الأردنية الطويلة التي سبقته في الإنتاج وهي: “كابتن ابو رائد” لأمين مطالقة، “الجمعة الأخيرة” ليحي العبدالله، “شراكسة” لمحي الدين قندور، “لما ضحكت موناليزا” لفادي حداد، “على مدى البصر” لأصيل منصور، “الفرق 7 ساعات” لديما عمرو، “مدن ترانزيت” لمحمد الحشكي، “المنعطف” لرفقي عساف واحدثها الفيلم الروائي الطويل “انشالله استفدت” لمحمود المساد .. مثلما كانت هناك العديد من الافلام القصيرة والتسجيلية المتفاوتة الطول كما في إشتغالات أفلام: “مدينتي” لعبد السلام الحاج، “الببغاء” لدارين سلام وأمجد الرشيد، “طرفة” لماجدة الكباريتي، “خارج الاسوار” لاحمد الرمحي، “بهية ومحمود” لزيد ابو حمدان، “نمو” لطارق الريماوي، “لسة عايشة” لأسماء بسيسو ، “ان كنت تقصد قتلي” لوداد شفاقوج،  إلى جوار عشرات الأفلام التي عرضت بنجاح في أرجاء المعمورة.

 إتكأت عمليات انجاز تلك الأعمال على جهود الشباب الأردني وإمكاناتهم البسيطة الذين يمتلكهم الطموح في تقديم ألوان من القصص والحكايات في أفلام محلية، بغية التعبير عن رؤى وأفكار من داخل تفاصيل الحياة اليومية، كما ناقشت جميعها جملة من العلاقات الآتية من داخل نسيج ثقافة المجتمع الأردني وتنوع مكوناته.

وسلك صانعوها أساليب سينمائية متفاوتة، وفيها رسموا بحذق ومهارات إبداعية ملامح رئيسة لشخوص في مواقف مليئة بمواقف درامية تمزج بين الخيال والواقع على نحو لا يخلو من مفردات التشويق والدعابة لغايات تصوير وقائع أفراد وجماعات، متسلحين بأحاسيس جمالية ورؤى فكرية نابضة بهموم وتطلعات بيئتهم الإجتماعية والسياسية والثقافية.

 أنجز البعض من تلك الأفلام عبر جهود ذاتية لصانعيها والبعض الآخر منها تحقق من خلال الدعم المادي والمعنوي التي وفرتها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام سواء من خلال صندوق تمويل الافلام التابع للهيئة او عبر برنامج تدريبي على صناعة الأفلام بالهيئة يعمل على تشجيع الشباب الأردني على خوض غمار هذا الحقل الإبداعي في مسعى لتطوير الإنتاج السينمائي المحلي والنهوض به.

وبفعل تنامي صناعة الأفلام الأردنية، رأى القائمون على تنشيط هذا الفعل الثقافي، ضرورة العمل على إيصال هذه الإشتغالات السمعية البصرية إلى قطاعات واسعة من المجتمع المحلي، وإبراز دورها كأداة للتواصل والمعرفة، لهذا نظمت أكثر من إحتفالية دورية بالأفلام الأردنية، أشرفت عليها وساهمت فيها كل من: الهيئة الملكية الأردنية للأفلام ولجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان ومديرية الفنون بوزارة الثقافة وجامعات ومراكز ثقافية وامانة العاصمة، بالإضافة إلى مبادرات مؤسسات وأفراد في القطاعين الخاص والعام، جرى من خلالها تنظيم مسابقة لصناعة الأفلام الأردنية على هامش مهرجان الفيلم العربي الفرنسي ومهرجان الفيلم الأوروبي.

ومن بين المهرجانات التي تعقد سنويا بعمان للإحتفاء بعالم صناعة الأفلام المحلية هناك: مهرجان الفيلم الاردني ومهرجان كرامة لحقوق ومهرجان، مثلما كانت هناك دورة ناجحة لمهرجان الأردن لأفلام الصور المتحركة نظمت في فضاءات جامعة الأميرة سميّة للتكنولوجيا، ويضم المشهد الثقافي الأردني أيضا احتفالية سنوية لأسبوع فيلم الطفل، مثلما احتفى مهرجان جرش للثقافة والفنون بالعديد من المواهب الاردنية في مجال صناعة الافلام وذلك من خلال قسم “بشاير” أحد أبرز برامج المهرجان، عدا عن العروض التي تحتفي بمحطات من تاريخ وتجارب السينما الأردنية ومنجزها الجديد، وهو ما أتاح الفرصة للمهتمين والنشء الجديد مشاهدة أفلام هادفة وترفيهية أطلعتهم على آفاق جديدة في تنمية قدراتهم ورفع مستوى ذائقتهم بالفن السينمائي في تلقي رؤى وخطاب مفردات وعناصر اللغة السمعية البصرية للفيلم وما تتيحه من فرص للتعبير والحوار الهاديء .

وبهذا الصدد، قالت مديرة الإعلام والاتصال في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام ندى دوماني لوكالة الأنباء الأردنية (بترا): ان الهيئة الى جانب الدور الذي تضطلع فيه بإرساء دعامة أردنية في مجال الإستثمار بعالم صناعة الأفلام  من خلال جذب عمليات تصوير الأفلام العائدة لشركات الإنتاج الكبرى بالعالم إلى المملكة، الاّ انها اهتمت ووجهت نشاطاتها ايضا الى الثقافة السينمائية وتنشيطها بالمجتمع المحلي حيث عملت على توفير مراكز ونوادي افلام شبابية خارج العاصمة كنافذة ترفيهية وتثقيفية استكمالا لمشروعات اخرى تقوم بها الهيئة على غرار باص الأفلام للصغار الذي يجول المحافظات، فضلا عن تقديم العروض والبرامج واشغال الورش المشتركة حول صناعة الافلام للشباب والفتيان لتعريف المشاركين بالعناصر الأساسية لهذا الحقل الابداعي.

 على صعيد اخر، اشار الناقد والباحث السينمائي عدنان مدانات الذي يرأس لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان إلى أهمية التثقيف والتنشيط السينمائي في المجتمع، مبيناً ان اللجنة تاسست قبل عقدين ونيف من الزمان، واخذت على عاتقها إثراء الذائقة السينمائية من خلال عرض مجاميع من الأفلام العربية والعالمية ذات الأساليب السردية المتنوعة والمختلفة عما هو دارج من أفلام بالصالات التجارية والآتية من تيارات واتجاهات السينما الجديدة في بلدان أسيوية وأوروبية وإفريقية ولاتينية.

وأشار مدانات إلى أن جهود ومبادرات اللجنة جاءت بهدف تعزيز ثقافة وتذوق لغة السينما، وتحفيز الشباب الأردني على فهم مباديء العمل السينمائي وإشراكهم مع صناع أفلام محليين وعرب وأجانب في نقاش تفاعلي عقب العرض، مبيناً ان سلسلة تلك الفعاليات التي تنظمها اللجنة، غدت من بين المواسم اللافتة في الحياة الثقافية الأردنية، لما تتسم به من إبداعات درامية وجمالية وفكرية راقية، حظيت بأسئلة وحوارات المتلقي المحلي والتي غالبا ما تدور حول تجارب وقضايا وتيارات سينمائية في اشتباكها المحموم مع آلام وآمال افراد موزعين في ثقافات إنسانية متعددة.

 حديثاً ومع تزايد أعداد خريجي المعاهد والكليات التي تدرس فنون وتقنيات السمعي البصري بالمملكة، وما أتاحته ثورة التكنولوجيا والتواصل الحديث من سهولة في تصوير الأفلام بكاميرا الفيديو الرقمية، إنتعشت فرص هؤلاء الشباب والشابات في تحقيق إنجازات فيلمية من خلال الإتكاء على نصوص أردنية تحكي عن جوانب من السيرة الذاتية لقامات إبداعية في تاريخ الثقافة الأردنية منها: سيرة الشاعر الأردني الراحل مصطفى وهبي التل (عرار)، وعازف آلة الربابة والمغني الشعبي عبده موسى، كما جرت محاولات لأفلمة العديد من القصص والروايات لأبرز الكتاب الأردنيين مثل: رواية (دفاتر الطوفان) لسميحة خريس، رواية (سلطانة) للراحل غالب هلسا، ورواية (انت منذ اليوم) للراحل تيسير السبول، وسواها كثير..

يرجع ظهور أول فيلم سينمائي اردني الى العام 1959 وهو من النوع الروائي الطويل حمل عنوان “صراع في جرش”، حققه مجموعة من الشباب الهواة العام 1959، وبعد أربعة أعوام، ظهر الفيلم الروائي الطويل الثاني تحت مسمى “وطني حبيبي” للأخوين عبدالله ومحمود كعوش.

وقدّم القسم السينمائي في وزارة الإعلام خلال ستينيات القرن الفائت جملة من الأفلام التسجيلية القصيرة، إلى أن جاءت حقبة السبعينيات بالفيلمين الروائيين الطويلين من إنتاج التلفزيون الأردني هما: “الشحاذ” لمحمد عزيزية و”الأفعى” لجلال طعمة.