أين وصل الحال في “نبع غزال”؟!

الأغوار (الفارسية) 4-7-2024 وفا- الحارث الحصني  تدحرجت، مؤخرًا، كرة الاستعمار سريعًا في الفارسية بالأغوار الشمالية، حتى وصلت لمرحلة لا يمكن إيقافها، كما قيل عنها. وبالعودة إلى الأشهر التسعة الماضية حتى اليوم، كان المستعمرون يقتحمون يوميًا المنطقة قرب خيام المواطنين في “نبع غزال”، إحدى المسميات المعروفة شعبيا بين السكان في الفارسية. “كانوا يجلسون وحدهم على بعد عشرين مترا من خيامنا، وعندما يجلبون مواشيهم كانوا ملاصقين لخيامنا”. قال المواطن لؤي دراغمة. ودراغمة هو رب أسرة عندها أطفال كُتب عليهم أن يكونوا في مواجهة مباشرة مع عدد من المستعمرين المتطرفين. وينتمي هؤلاء المستعمرين ذوي اللباس المتسخ الفوضوي وجدائل الشعر، لمنظمات استعمارية متطرفة أشهرها “فتية التلال” النشطة بشكل كبير في الأغوار الفلسطينية. لكن، في سؤال منطقي يجب طرحه للحصول على إجابة واضحة وأكثر نقلا للواقع، على ألسنة المواطنين. أين وصل الحال في الفارسية؟!. عند سماع شهادات المواطنين، ومشاهدة مقاطع الفيديو المبثوثة من المنطقة، يمكن التأكيد أن الإجابة أكثر قسوة مما هو متوقع. وبينما كان التصور لدى المواطنين أن وجود عدد محدود من المستعمرين على بعد عشرات الأمتار من خيامهم، وهم يحتسون مشروبات ساخنة وباردة، هو الأمر الأكثر فظاعة، تبين أن ذلك لا يعني شيئا مقابل ما حدث أمس. ناشطون ومهتمون بانتهاكات الاحتلال والمستعمرين في الأغوار، يجمعون أن تواجد المستعمرين بين خيام الفلسطينيين “حرفيا”، هو مرحلة جديدة من مراحل تفريغ الأرض من سكانها الحقيقين والاستيلاء عليها. لكن، ما تفاصيل ما جرى؟!. مساء أمس الأربعاء، وبينما يتهيأ المواطنون لاستقبال ظلام جديد في واحدة من المناطق الساخنة في الأغوار الشمالية، اقتحم لفيف من المستعمرين التجمع السكاني المعروف بين العامة باسم “نبع غزال”. “جاؤوا بواسطة مركبات جبلية “تراكترون”، وطردوا الأطفال من أمام إحدى الخيام السكنية وجلسوا مكانهم”. قال المواطن دراغمة. “كأنهم في خيامهم (..)، من يراهم لا يميز من هم أصحاب الأرض.” وحديث الناس هناك ممزوج بصدمة يصعب تجاوزها. ومقاطع الفيديو التي وصلت لـمراسل “وفا” تظهر عربدة واستفزاز لم يحدث من قبل. وأضاف دراغمة: “أخرجوا معدات لصنع الشاي وجلسوا تحت ظل الشجرة”. بالنسبة للمواطنين في واحدة من تجمعات الشريط الشرقي للضفة الغربية، فقد أمضوا ساعة ونصف من الخوف والرعب. والخوف ليس وليد اليوم. إنه نظام حياة أصبح يكبر مع مرور الأيام. في التقرير الشهري عن شهر أيار/مايو الماضي، الذي أعدته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد سجل 221 اعتداء للمستعمرين في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، سبعة منها في طوباس والأغوار الشمالية. ومع استمرار إطلاق وزيري الاحتلال الأشد تطرفا في الحكومة الإسرائيلية اليمينية بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، تصريحات عن التوسع الاستعماري في الضفة الغربية، تزداد شهية المستعمرين لمزيد من العربدة. فليس تذوق كأس من الشاي المعد على نار الفارسية المقصود بحد ذاته، إنما بالنسبة للمواطنين بات الأمر أكثر وضوحًا. ويتحدث المواطنون بنبرة حزينة عما وصل إليه الحال في الفارسية، وقالوا: “وصلنا لمرحلة مؤسفة”. وصادقت حكومة الاحتلال، قبل أسبوع، على شرعنة خمس بؤر استعمارية في الضفة الغربية، والدفع بمخططات لبناء آلاف الوحدات الاستعمارية الجديدة في أنحاء الضفة، ردا على توجه القيادة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق شعبنا، بالإضافة إلى اعتراف عدد من دول العالم بالدولة الفلسطينية. ويستغل المستعمرون هذه الأيام توجه جل المواطنين من الفارسية إلى طوباس بعد انتهاء موسمهم الزراعي فيها. وبينما أصبحت خيام الكثير من سكان المنطقة خاوية بعد دخول فصل الحر فلكيا، وجدت عائلة دراغمة نفسها في موقف صعب، يمكن نشره عبر الفضاء الالكتروني. ولؤي شاب من سليل عائلة اهتمت منذ عشرات السنين بتربية الماشية، وأصبحت واحدة من العائلات المعروفة في المنطقة في تلك المهنة، قال إنهم منذ أشهر يواجهون الأمر ذاته ولو كان على درجة أقل. واليوم أصبح الرجل (40 عاما)، يحمل في عقليته خبرة لا بأس بها في التعامل مع هكذا حوادث. “إنه آخر حصون الفارسية المتبقية على أقل تقدير حتى تشرين الأول/أكتوبر المقبل”. في آخر محطات عربدة المستعمرين في التجمع الذي يبعد مسافة لا تتعدى مئة متر عن الشارع العام، مساء أمس، كان حوالي ثلاثين مواطنا غالبتهم من الأطفال والنساء يواجهون خطرًا حقيقيًا لا يمكن التغافل عنه. ولسوء حظ هذا التجمع الواقع ضمن نطاق جغرافي محدود، فإنه في الجهة المقابلة شرقًا، تقع مستعمرة “روتم”، على قمة جبل يكشف ما حولها. وهذا يعني الكثير لتلك العائلات. وقال المواطن مراد دراغمة (47 عاما): “بينما يحتسي المستعمرون الشاي بين خيامنا، كان حارس المستعمرة يراقب الحدث (..)، إنهم يتأهبون لكل ردات الفعل من المواطنين أو المتضامنين معهم”. ويركن المواطنون في عدة تجمعات إلى وجود المتضامنين معهم، والذي واقعيا أصبح وجودهم لا يعني شيئًا كثيرًا، أمام طوفان العربدة الذي يقوده فتية من المستعمرين المتطرفين، خصوصًا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، التاريخ الذي بدأت فيه إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، عدوانا وإبادة جماعية ضد أبناء شعبنا في قطاع غزة. والفارسية تجمع فلسطيني يمتهن سكانه مهنتي الرعي والزراعة بشقيها، يزيد عددهم وينقص بين الفترة والأخرى بناء على تنقلات المواطنين فيها. وفي 25 حزيران/يونيو الماضي، عقد مجلس الأمن الدولي، الاجتماع الربع سنوي بشأن تنفيذ القرار 2334، المؤرخ في 23 كانون الأول/ديسمبر (2016) الذي طالب بإنهاء جميع الأنشطة الاستعمارية الإسرائيلية. وأجمع أعضاء المجلس في كلماتهم على وجوب وقف الأنشطة الاستعمارية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لأنها تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وعقبة كبيرة أمام تحقيق حل الدولتين. وأدانت عدة دول ومنظمات عربية وأجنبية، شرعنة حكومة الاحتلال خمس بؤر استعمارية والإعلان عن آلاف الوحدات الاستعمارية الجديدة في الضفة الغربية المحتلة. وأمس الأربعاء، أكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، أنه “يجب أن تتوقف المحاولات (الإسرائيلية) المستمرة الرامية إلى تثبيت الوقائع على الأرض والتي قد تؤدي إلى الضم الفعلي” للضفة الغربية. وشدد على أن “سياسة إسرائيل في بناء المستعمرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة تشكل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي، وتؤدي إلى تفاقم التوترات، وتقويض الجهود الرامية إلى تحقيق حل الدولتين”. وقال بوريل: “تماشيا مع موقفه المشترك طويل الأمد وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لن يعترف الاتحاد الأوروبي بالتغييرات في حدود عام 1967 ما لم يتفق الطرفان على ذلك”. ــــ ع.ف