العمل الخيري ينشط بين المسلمين في الولايات المتحدة خلال شهر رمضان

واشنطن في 22 مارس /قنا/ يستعد المسلمون في الولايات المتحدة لاستقبال الشهر الفضيل بالعديد من البرامج الخيرية والإنسانية التي أساسها تقديم يد العون والمساعدة للمحتاجين من ناحية، وتعزيز قيم التضامن وروح التكافل بين المسلمين من ناحية أخرى.

ورغم التحديات التي واجهت المنظمات الخيرية والإنسانية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن العمل الخيري والإنساني للمسلمين في الولايات المتحدة لم ينقطع، بل امتد عطاء المسلمين في الولايات المتحدة لخارجها. وأصبح العمل الخيري في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية أهم الصفات التي يحرص أفراد الجاليات العربية والمسلمة على إظهارها لتقوية روح الإسلام كمظهر بارز للتضامن والرعاية الاجتماعية، حيث يتوجه المسلمون بشكل فعال نحو إحداث تأثير إيجابي في المجتمع الأمريكي.

وفي الولايات المتحدة، يتجسد شهر رمضان ليس فقط كشهر للصيام والعبادة، بل أيضا كفترة للعمل الخيري والإنساني. وتتبنى الجاليات المسلمة هناك مفهوم “التكافل الاجتماعي” بروح رمضانية، حيث يتجاوز نشاطهم الديني جدران المساجد ليصل إلى الشوارع والمحتاجين.

ويعتبر الإفطار الجماعي من أبرز مظاهر العمل الخيري في رمضان الولايات المتحدة، حيث تنظم الجمعيات الإسلامية وجبات إفطار للصائمين، وتفتح أبوابها لغير المسلمين أيضا، في إطار تعزيز التفاهم الثقافي.

وهنا يقول محمد العمري، مدير الجمعية الإسلامية في نيويورك: “نسعى لجعل شهر رمضان فرصة للتقريب بين الثقافات”، مضيفا: “نحن نقدم وجبات الإفطار للجميع، مسلمين كانوا أم لا، ونعمل على توفير الطعام للمحتاجين في مجتمعاتنا”.. قائلا: “رمضان يذكرنا بأهمية التعاطف والعمل من أجل خير الآخرين”.

وتابع: “رمضان لا يقتصر فقط على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يشكل أيضا فرصة للمسلمين لبذل العطاء والمساهمة في تحسين حياة الآخرين، وشأنهم كشأن المسلمين حول العالم تنشط الأعمال الخيرية في رمضان بغية الأجر العظيم لعمل الخير في هذا الشهر الفضيل، وفي هذا الاتجاه نرى زيادة كبيرة في أعمال الخير وجمع التبرعات لتوفير الطعام والدواء للمحتاجين. ويخصص الكثير من المسلمين بعض وقتهم كمتطوعين في المراكز الإسلامية والمساجد والجاليات ليتطوعوا للعمل في هذه الأنشطة بدءا من التطوع في المطابخ لتحضير وجبات الطعام للفقراء، وزيارة المرضى وغيرها من الطرق الإبداعية التي يبتكرها الشباب لمساعدة المحتاجين وانتهاء بتوفير الأموال لمشاريع البنية التحتية الإسلامية في أمريكا مثل المساجد والمراكز الإسلامية وغيرها”.

بدوره، أشاد الشيخ عبدالمجيد يوسف، إمام المجمع الإسلامي بمدينة هاي بوينت بولاية نورث كارولينا، بتلاحم وتضامن أفراد المجتمع الإسلامي بينهم، وخاصة في شهر رمضان الفضيل.

وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء القطرية “قنا”: “المسلمون هنا يساعد بعضهم البعض ونشعر بالطاقة الإيجابية بينهم وهذا يجسد روح التضامن بيننا كمسلمين. ويعتبر شهر رمضان بوابة وفرصة للمسلمين لمساعدة بعضهم البعض وكذلك مساعدة المحتاجين حتى خارج الولايات المتحدة. ونحن متحمسون لحلول شهر رمضان ونتطلع له لأنه شهر الخير والفرص أيضا”.

وقالت مسؤولة المركز الإسلامي في ولاية فيرجينيا السيدة هاجر أحمد في تصريح لوكالة الأنباء القطرية “قنا”: “يشعر الإنسان براحة وسعادة عندما يكون له دور في إحداث تأثير إيجابي في حياة الآخرين، ورمضان يعتبر الوقت المثالي لتكريس جهودنا لتعزيز العمل الخيري وتحفيز القيم الإنسانية في المجتمع”.

وأضافت هاجر: “بالنسبة لي كأحد أفراد الجالية المسلمة أحرص أنا وأولادي على المشاركة في حملات جمع التبرعات لتوفير الطعام والمساعدة المالية للفقراء والمحتاجين. كما أتطوع في المشاريع الاجتماعية والمطابخ الخيرية لتوفير وجبات إفطار للمحتاجين. ويعزز هذا العمل الجماعي روح التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع المسلم ويظهر الجانب الإنساني والمحبة في قلوبنا كما يشجع أولادي على تعلم قيم الإسلام الحميدة، خاصة ونحن هنا في الغرب، حيث نواجه العديد من التحديات في ترسيخ تعاليم ديننا الحنيف لدى أبنائنا”.

وتابعت: “تحرص المراكز الإسلامية على تنظيم برامج توعية حول أهمية العطاء في رمضان، ويتضمن ذلك تنظيم محاضرات عامة وورش عمل تعليمية للشباب حول مبادئ العطاء والمساعدة قبل فترة من رمضان؛ بهدف تنفيذها في الشهر الكريم”، مضيفة: “وعلى الرغم من التحديات، مثل القيود المالية والحاجة إلى موارد بشرية، تستمر الجمعيات الإسلامية في الولايات المتحدة بتقديم مثال يحتذى به في العمل الخيري والإنساني. يظهر رمضان في الولايات المتحدة بوصفه شهرا يجسد العطاء والتكافل الاجتماعي، مع التأكيد على الدور الفعال الذي يمكن أن يلعبه الفرد في تحسين مجتمعه”.

وأكدت على أهمية تعزيز روح التضامن في إظهار الجوانب الإنسانية للإسلام، وبناء جسور التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع المسلم وتعزيز العلاقات الاجتماعية بشكل عام، مشيرة إلى أن بعض المراكز الإسلامية تقدم خدمات طبية واستشارات للمجتمع، ويشمل ذلك الفحوصات الصحية المجانية والمشورة النفسية، خاصة للأسر ذات الدخل المحدود.

وحول ذلك يقول الدكتور أمير صلاح، وهو طبيب يعمل في مركز صحي إسلامي في ميامي في تصريح لـ “قنا”: “ندرك أهمية الصحة والعافية، ونسعى لتوفير خدمات طبية لمن لا يستطيعون تحمل تكاليفها”.

من جانبها، شددت الدكتورة منى خان على أهمية صحة المسلم في رمضان، قائلة: “خلال رمضان يلتزم المسلمون بالصيام والعبادة، ونحن ندرك التحديات الصحية التي قد تطرأ خلال هذا الشهر؛ لذلك نسعى لتقديم خدمات صحية متخصصة وهو أمر ضروري لدعم المجتمع المسلم في مواجهة هذه التحديات، وذلك في إطار العمل الإنساني للجالية المسلمة في الولايات المتحدة”.

وأضافت الدكتورة منى خان: “نسعى جاهدين لتوفير الاستشارات الطبية والفحوصات الروتينية، مع التركيز على الصحة النفسية والغذائية. إن توفير الدعم الصحي خلال رمضان يعزز العافية الشاملة للمسلمين، مما يساهم في تمكينهم من الاستمتاع بفضائل هذا الشهر الكريم بصحة جيدة وروحانية مستقرة”.

وعن أهمية العمل الخيري والإنساني في شهر رمضان بالولايات المتحدة، أشار رئيس المركز الإسلامي في مدينة الاميدا بولاية كاليفورنيا، الشيخ عبدالله أحمد الحجري إلى أهمية التبرعات الموجهة لبناء المساجد ودعم المبادرات الإنسانية.

وقال في تصريح لوكالة الأنباء القطرية “قنا”: “يعتبر هذا الشهر الفضيل فرصة للتفكير في مدى إسهامنا في تطوير المجتمع وتحسين ظروف الحياة للجميع من خلال التبرع لبناء المساجد، حيث نسعى لتوفير أماكن للصلاة وتعزيز الروحانية في المجتمع، كما نؤكد على أهمية دعم المحتاجين والمشاركة في المبادرات الإنسانية التي تعمل على تحسين الظروف المعيشية للفقراء والمحتاجين. وفي هذا الإطار يعتبر الإفطار الجماعي فرصة لتعزيز التواصل بين المسلمين في عموم الولايات المتحدة الأمريكية وتعزيز روح المحبة والتآخي. ولا شك أن هذه الأعمال تجسد قيمنا الإسلامية وتعكس التزامنا بتحقيق الخير في حياتنا اليومية”.

ونوه الحجري إلى أن العمل الخيري في رمضان واجب على المسلم، قائلا: “نحن هنا في الولايات المتحدة نحرص على تعليم أبنائنا هذه القيم، ولا نتركه حصرا على التعليم في المدارس والمجتمع، خاصة وأن المجتمع الأمريكي بشكل عام هو معطاء، وسنويا في بداية موسم الأعياد تقوم الشركات الأمريكية والمواطنون بالتبرع في يوم معروف باسم Giving Tuesday “ثلاثاء العطاء”، حيث وصل إجمالي التبرعات في العام الماضي إلى حوالي 3.1 مليار دولار يتبرع من خلالها الأمريكيون بمليارات الدولارات للجمعيات الخيرية والإنسانية”.

وأضاف أن “عطاء الجمعيات الخيرية الأمريكية يمتد لخارج الولايات المتحدة، لذلك نحن في الجاليات المسلمة نعمل على تعزيز هذه القيم بشكل أكبر لدى أبنائنا، وفي كثير من الأحيان نقوم بتنظيم حملات تبرع للمسلمين خارج الولايات المتحدة، لذلك تجد عطاء المسلمين الأمريكيين يمتد للخارج. وهذا العام جميعنا يعرف المأساة الإنسانية في غزة ومعاناة الناس جراء الحرب، لذلك، ومنذ بداية الحرب بدأت العديد من المنظمات الخيرية في جمع المساعدات لإرسالها لأهالي غزة، وأتوقع خلال الشهر الفضيل أن نرى عطاء المنظمات الخيرية في أمريكا من خلال المزيد من الحملات التي تحث المسلمين على تقديم يد العون لإخوانهم في غزة”.

وتابع: “تتجسد روح التعاون والتضامن بين المنظمات المسلمة وغير المسلمة بشكل واضح خلال شهر رمضان في الولايات المتحدة، ويظهر هذا التعاون التفاهم المتبادل والاحترام المشترك بين الجماعات المختلفة”، مضيفا: “تتعاون الجمعيات الإسلامية مع منظمات غير ربحية أخرى لتوسيع نطاق عملها الخيري. تشمل هذه الشراكات توزيع الطعام والملابس وتقديم الخدمات الصحية للمحتاجين”.

ونوهت سارة جمال، ناشطة في مجال العمل الخيري بأهمية توسيع دائرة النشاط خلال الشهر الفضيل قائلة: “هدفنا هو الوصول إلى أكبر عدد من المحتاجين، بغض النظر عن ديانتهم أو خلفياتهم الثقافية”، مضيفة “نعمل مع عدة منظمات محلية لتقديم أفضل مساعدة ممكنة”.

وقالت “في بعض المناطق نجد هذا التعاون كبيرا بين المنظمات المسلمة وغير المسلمة لتنظيم فعاليات إنسانية وخيرية مشتركة، مثل جمع التبرعات لتقديم المساعدة للمحتاجين، سواء كانوا من المسلمين أو غيرهم. يبرز هذا التعاون المشترك رسالة قوية عن وحدة المجتمع وقدرته على التكاتف لتحقيق الخير في مختلف جوانب الحياة. ويعكس هذا التعاون الإيجابي روح التسامح والتعايش في المجتمع الأمريكي، حيث يعمل الجميع بتناغم لتعزيز الخير والفهم المتبادل في هذا الشهر المبارك. ومن خلال العمل الجماعي والتبرعات السخية، يرى المجتمع الأمريكي التأثير الإيجابي الذي يتركه المسلمون خلال هذا الشهر المبارك. إن رمضان في أمريكا يعكس صورة جميلة للتنوع الثقافي والروح الإنسانية، حيث يتلاقى الخير من جميع الاتجاهات ليمتزج في نسيج المجتمع الأمريكي بشكل إيجابي ومستدام”.