النشرة الثقافية للوكالة الموريتانية للانباء

18 اذار 2022

النشرة الثقافية

للوكالة الموريتانية للأنباء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

المحظرة الموريتانية.. حاضنة لثقافة البلد على مر العصور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

نواكشوط – في 19 مارس / (و م أ) – (فانا)

 

لقد ظلت المحظرة الموريتانية عبر التاريخ هي صاحبة المنة  الحضارية الكبرى على عموم التراب، فعبر قرون كان للمحظرة إشعاع علمي معرفي يغطي الصعيد الشنقيطي و يمتد إلى قاصيات البلدان العربية الإسلامية فأعقب بذلك في نفوس الكثير من الناس علوما و سلوكا.

كما أبقت المحظرة على أديم مناطق الاقتراب و الاغتراب بصمات بارزة أسهمت بفعالية في تحصين الفرد و التمكين له في الأرض، فهي التي نشرت الإسلام و الإحسان و أكملت تأطير الأجيال و تكوين الرجال، فبثت سفراء الذكر الحسن من علماء و أدباء في مختلف أنحاء العالم، و بها انتظمت شنقيط  في مصاف الخطوط الأمامية للمجتمعات ذات التأثير الإيجابي على مستوى العالم.

و لازالت المحظرة تمثل مكانة السلم و الأمان، حاملة خصائص الاعتدال و الوسطية، و البعيدة كل البعد عن كل أنواع التطرف و الغلو،  حيث يمكن وصفها بأنها ” جامعة شعبية متنقلة تلقينية فردية التعلم طوعية الممارسة”.

لقد وضع علماء هذا القطر تحت عماد أخبيتهم المتنقلة و في محاريب حواضرهم العامرة قسطاسا مستقيما للعلم الشرعي على أرضية صلبة من هدي القرون المزكاة تتفجر ينابيعها بصريح العلم السني و تتحطم على صخورها المذاهب الغربية الوافدة.

لقد كان للمحاظر حظها الوافر في تعهدات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد و لد الشيخ الغزواني، حيث تعهد بتشجيع و دعم المحاظر، و خير مثال على الوفاء بهذا التعهد  “جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية”، إضافة إلى عدة إنجازات كبرى لصالح المحاظر في موريتانيا.

حيث أطلقت هذه الجائزة، بتعليمات من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد و لد الشيخ الغزواني، خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 27 محرم 1442 للهجرة الموافق، 16 ديسمبر 2020، و تقرر من حينها تنظيمها سنويا، و الإعلان عنها في كل سنة يأتي تزامنا مع شهر المولد النبوي الشريف، و قد وضعت شروط و محددات يلزم أن تتوفر في الراغبين في المشاركة، كما تعتبر هي الجائزة الرئاسية الأولى في التاريخ الموريتاني لحفظ و فهم المتون المحظرية.

وتسعى هذه الجائزة إلى بعث التنافس الإيجابي بين طلبة العلم في حفظ و فهم المتون المحظرية التي عرف بها علماء  شنقيط في أصقاع المعمورة، ولهذا الغرض يستحق  الفائز لقب “العالم”.

وتجرى هذه المسابقة في المتون الكبرى المدرسة في المحاظر كمختصر خليل، و ألفية بن مالك، و احمرار بن بون، و الصحيحين في الحديث، و الشاطبية في القراءات، و لامية الأفعال في الصرف، و السلم في المنطق، و المنهج في القواعد، و غزوات البدوي في السيرة النبوية، و عقود الجمان في علم البلاغة.

كما تراعي المسابقة اختلاف بعض المحاظر في تدريس بعض المتون في بعض العلوم فجاءت بأسئلة تخييرية يمكن لمن درس المتن المتوفر في محظرته من تلك المتون الإجابة عليها من خلاله.

وتهدف هذه الجائزة، إلى تشجيع طلاب المحظرة على القراءة والتميز والحفاظ على خصوصية البلد وتميزه في مجال التعليم المحظري وضمان استدامة منهج طلاب المحظرة في حفظ وتدريس المتون واستدامة الألق الثقافي والإشعاع الحضاري للبلاد الذي تعتبر الموسوعية العلمية أساسه المكين، والسعي لاكتشاف القدرات والطاقات العلمية الشابة التي تعتبر كنزا ثمينا تحتاجه الأمة للحفاظ على ألقها وأمنها الروحي علاوة على خلق فضاء للتنافس بين الشباب على أساس المعرفة والإتقان.

 

وتعتبر هذه الجائزة أصدق دليل على الاهتمام و العناية المباشرة من فخامة الرئيس بهذا الصرح العلمي الرائد، فهي ذات حمل تحفيزي من خلال إذكاء جذوة المنافسة بين الطلاب.

لقد اعتمد طلبة المحظرة لترسيخ مفاهيهم جملة من المبادئ، من بينها التركيز على الحفظ، فكان حفظ المتون العلمية دأب طلبة العلم في هذه البلاد، و شح الأذهان بوضعها بشكل منتظم على محك الاختبار بعرض غوامض المسائل و المطارحة في شأنها، و هو ما يربي ملكة الفهم و الاستيعاب لدى الطالب و يقوي عارضته العلمية و يخرجه من أسر الجمود و التقليد الأعمى، و يفتح أمامه آفاق التجديد و الإبداع في جو من الالتزام و التمسك بالمبادئ الأساسية، إضافة إلى  إفراد كل متن على حدة، فشأن أغلب طلبة المحظرة و خصوصا نوابغهم المتجردين لطلب العلم أن يفردوا كل فن بالدراسة لفترة تناسبه، و أن يخصوا كل متن بحصة من الزمان يتفرغون فيها  لحفظه و مدارسته شيئا فشيئا، ثم ينتقلون إلى المتن الموالي من الفن بنفس الأسلوب حتى يذللوا صعب ذلك الفن و يمتطوا صهوات متونه إلى فن آخر.

 

و بخصوص  أسلوب الدراسة في المحظرة، يقول الدكتور محمد المختار ولد أباه، في كتابه تاريخ النحو العربي، و هو العلامة الذي تم  توشيحه من طرف  فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بوسام كوماندور في نظام الاستحقاق الوطني، خلال فعاليات النسخة الثانية من جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية  تثمينا للدور العلمي البارز الذي قام به، حيث يقول :  ” محاضر بلاد شنقيط ظاهرة غير مألوفة إذ كيف تتصور جامعة يدرس فيها بتعمق و إتقان جميع العلوم الإسلامية من علوم القرآن و التوحيد و السيرة النبوية و الفقه و أصوله و قواعده، وعلوم اللغة من نحو و صرف و بلاغة و أدب، و في أغلب الأحيان يقوم عالم واحد بتدريس هذه المواد على مدى أكثر من اثنتي عشرة ساعة في اليوم الواحد، أما الطلبة فإنهم كما يقول  أحدهم: 

تلاميذ شتى ألف الدهر بينهم********** لهم همم قصوى أجل من الدهر

يبيتون لا كن لديهم سوى الهوى*******و لا من سرير غير أرمدة غبر

يتعاقبون في الصباح على شيخ المحظرة جماعات أو فرادى لتلقي دروسه الشفوية متنقلا من مادة دون أن يضطرب إلقاؤه نتيجة لاختلاف الفنون التي يقرئها”.

لقد احتفظت المحاظر الموريتانية بالمنهج التربوي الذي عهد إليها المعلمون الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى للمحاظر الموريتانية.