(طرابلس) اللبنانية ..المدينة المملوكية “عاصمة الثقافة العربية لعام 2024”

(طرابلس) اللبنانية ..المدينة المملوكية “عاصمة الثقافة العربية لعام 2024” من ايوب خداج (تقرير)بيروت – 3 – 7 (كونا) — سلط اختيار مدينة (طرابلس) “عاصمة الثقافة العربية لعام 2024” الضوء على المدينة التي تعتبر “عاصمة لبنان الثانية” والغنية بإرثها العمراني والثقافي والتاريخي الرابض على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط.وقد اعلن في ال24 من مايو الماضي عن مدينة (طرابلس) “عاصمة الثقافة العربية لعام 2024” باختيارها من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) لما تحتضنه من آثار ومعالم ثقافية زاخرة ومتنوعة.ويعد اختيار المدينة فرصة لتعزيز امكاناتها والاهتمام بها لدورها الاقتصادي الكبير لبنانيا مع وجود مرفئها الحيوي ومعالمها المستقطبة للزوار والسياح اضافة الى مصانعها.كما يساعد هذا الاعلان في العمل على ابراز اهميتها العربية ارثا عمرانيا تاريخيا واقتصاديا مع مرفئها كبوابة للشرق تتموضع على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط.وقال رئيس (لجنة الآثار والتراث والسياحة) في (بلدية طرابلس) البروفيسور المعماري خالد تدمري لوكالة الانباء الكويتية (كونا) ان “طرابلس اكبر مدينة تاريخية على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط مساحة لما تكتنزه من معالم وتضم مدينتين قديمتين هما طرابلس المملوكية ومدينة الميناء”.واضاف تدمري “ان المدينة ضاربة في التاريخ وأول تأسيس عمراني لها حدث في عهد الفينيقيين وكانت عبارة عن اول اتحاد تجاري في التاريخ اسسه الفينيقيون عام 1500 قبل الميلاد آنذاك لتفادي النزاع بين مدينتي (صور) و(صيدا) الساحليتين (جنوب لبنان) وجزيرة (ارواد) امام الساحل السوري (شمال لبنان) لتنافسهم في تجارة البحر الامر الذي دفع الى تأسيس سوق تجاري للمدن الثلاث في طرابلس اليوم ومن هنا اكتسبت اسمها “تريبوليس”.وتابع “نطلق على المدينة لقب المتحف الحي لانها نابضة بالحياة اذ ان سكانها يتفاعلون فيها حتى يومنا هذا وتحمل محلاتهم ونفوسهم اسماء مملوكية” اضافة الى ان عددا كبيرا من الأبنية التاريخة مازالت مأهولة بالسكان”. واشار الى ان لائحة الاثار للمدينة تسجل وجود ما يزيد على 180 معلما اثريا الى جانب الاثار الموجودة في مدينة (الميناء) من مساجد وكنائس وحمامات وسبل مياه وزوايا وغيرها يضاف اليها آلاف البيوت والازقة والحارات والابواب التي تشكل النسيج العمراني للمدينة التي اسسها المماليك عام 1289 منذ تحريرها من الافرنج.ولفت تدمري الى القيمة العمرانية ل (طرابلس) بفضل تشييد المماليك عمرانا متماسكا لمقاومة الاعتداءات التي تأتيهم من البحر من الافرنج من جهة ولمقاومة الزلازل التي كانت تتعرض لها تلك المنطقة من جهة اخرى.ورأى ان (طرابلس) “تنفرد ببنائها عن بقية المدن المملوكية فهي وان كانت تلقب بالعاصمة الثانية للمماليك بعد القاهرة وكما هو حال دمشق وحلب والقدس لكنها المدينة المملوكية الفريدة المتكاملة بين المدن جميعا”.وقال تدمري ان المدينة “تتميز بالاكتفاء الذاتي فلديها البحر وخلفها جبال الضنية والارز ووادي قاديشا وهي تمتد شمالا باتجاه سهل عكار ولديها محمية جزر النخيل التي تنفرد بها عن باقي المدن الساحلية اللبنانية”.وأضاف ان المدينة تضم اكبر معرض دولي على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط بناه اشهر المهندسين في العالم وهو البرازيلي اوسكا ديماير الذي بنى عاصمة البرازيل (برازيليا) وقد سجل هذا الموقع الذي تبلغ مساحته مليون متر مربع على لائحة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) للتراث العالمي.ولفت الى انها تمتلك مرفأ يعد من احد اهم المرافئ والذي يعول عليه عند اعمار سوريا لقربه من تركيا واوروبا كما يضم محطة تكرير النفط الذي كان يأتي مدينة (كركوك) العراقية وهي اخر نقطة على طريق الحرير القديم اضافة الى خط سكة الحديد الذي يصل طرابلس بحمص السورية وصولا الى حلب والمتوقف حاليا عن العمل. وأشار تدمري الى وجود العديد من الاثار المدفونة تحت الميناء التي تدل على الحقبات الفينيقية واليونانية والرومانية ثم البيزنطية وبعدها الفتح العربي الاسلامي من العهدين الاموي والعباسي وصولا الى الفاطمي.وأوضح ان “فرادتها تعود الى احتفاظ كامل شوارعها وأزقتها وأحيائها ومحلاتها ومنازلها بالطابع المملوكي للعمارة بينما في المدن الاخرى لم يبق الا المباني الكبيرة وذلك لان بناء المدن الاخرى كان بالطوب الاحمر المصنوع من الرمل والذي يتفتت سريعا بينما تم بناء طرابلس بكاملها بالحجارة الرملية والكلسية الصلبة وبنظام العقود الحجرية المتماسكة وبتلاصق الابنية مع بعضها ما جعلها تصمد الى يومنا هذا ككتلة معمارية ضخمة”.وبين ان (طرابلس) تعد “مدينة العمارة وفنونها في لبنان وبإمكان الزائر لها من خلال جولة قصيرة فيها ان يستعرض رحلة زمنية تضم الطرز المعمارية المختلفة الحقبات الزمنية من الشرقي الى الغربي وصولا الى الحقبة العثمانية”.وتمتلك طرابلس موقعا جغرافيا بالغ الاهمية فهي المدينة الساحلية المرتبطة بجبال الارز عبر (نهر قاديشا) المعروف داخل المدينة باسم (نهر ابوعلي) حيث كانت الاخشاب من شجر الارز تنقل عبر النهر الى المدينة ليتم تصنيعها في بناء السفن وغيرها ونقلها الى الخارج.وللمدينة مكانة علمية وثقافية فهي تضم بحسب تدمري اكثر من 30 مدرسة تشكل مجمعا تعليميا ما منحها لقب “مدينة العلم والعلماء” الذي التصق بالمدينة منذ العهد الفاطمي وقد انشئت حينها مكتبة (دار العلم) وهي واحدة من اكبر المكتبات في العالم كانت تضم اكثر من 3 ملايين كتاب ومخطوط وقد تعرضت للتدمير مع الاحتلال الافرنجي. من جهتها قالت المشرفة على مشروع (إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس) الدكتورة جمانة بغدادي في تصريح مماثل ل (كونا) ان المدينة “تضم الى جانب ارثها العمراني والتاريخي والثقافي قيمة اقتصادية كبيرة بفضل موقعها الجغرافي وهو الامر الذي دفع الرحالة ابن بطوطة في القرن الثامن للهجرة وال14 ميلادي للقول هي إحدى قواعد الشام وبلدانها الضخام”.وأضافت ان “المماليك قاموا ببناء طرابلس بعد انتصارهم على الصليبيين على يد السلطان المنصور قلاوون ومعها اندثرت المدينة الفينيقية القديمة لتقوم بعد ذلك المدينة المحدثة بالقرب من قلعة طرابلس على بعد ميلين من المدينة القديمة المدمرة في واد يعرف بوادي الكنائس على ضفتي نهر قاديشا (أبوعلي) وذلك لهدف عسكري هو حماية المدينة الجديدة من هجمات الأساطيل البحرية”.وأوضحت بغدادي ان أول بناء تم تشييده كان (الجامع الكبير) الذي أطلق عليه اسم (الجامع المنصوري الكبير) نسبة للسلطان المنصور قلاوون واقيم له أربعة أبواب كل منها يطل على حي من أحياء المدينة الجديدة.وبينت ان الهندسة المعمارية الفريدة جعلت من المدينة “قلعة منيعة بأبنيتها وأزقتها المترابطة” فالمدينة القديمة هي مدينة مملوكية صرفة بعمرانها ونظام بنائها وبتأسيس جوامعها ومختلف ابنيتها.وعن اهمية الموقع الجغرافي لفتت بغدادي الى اهمية مرفأ طرابلس “الذي تحول في القرن الأول الهجري بعد أن فتحها معاوية بن أبي سفيان الى قاعدة للتصدي للحملات والغزوات البيزنطية ومصنع للسفن وتجهيزها بالسلاح لقربها من جبال الأرز”.وأوضحت ان هذا الموقع جعلها تلعب دورا كبيرا في فتوحات العرب البحرية اضافة الى دورها كقوة رادعة للدفاع عن ساحل الشام حيث “استعصت المدينة على أباطرة الدولة البيزنطية”.وشرحت ان امتلاك طرابلس ارثا ثقافيا مهما يتمثل في العشرات من سجلات المحكمة الشرعية العائدة للحقبة العثمانية من عام 1666 الى 1920 ويزيد عددها على المئة وهي ذات قيمة تاريخية وتراثية ووثائقية.واشارت الى ان هذه السجلات تقدم “معينا ثريا” من المعطيات التاريخية والسياسية والعسكرية والعمرانية والاقتصادية والثقافية الموثقة والرسمية خلال حقبة طويلة من العصر العثماني عن مدينة طرابلس نفسها وعن معظم ساحل بلاد الشام ايضا بإعتبار أن طرابلس كانت عاصمة الولاية العثمانية على هذا الساحل.(النهاية)ا ي ب / ض ح