في الذكرى 76 للنكبة.. غزة تضع العالم بمواجهة سؤال “الدمار والسلام”

عمان 14 ايار (بترا) بشرى نيروخ- بعد ستة وسبعين عاما من نكبة فلسطين عام 1948، تستعر حرب إبادة للبشر والحياة يشنها الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة ليل نهار منذ سبعة شهور متواصلة بكل ما يمتلك من أسلحة فتاكة، وفي الضفة الغربية يشن حربا موازية بتسريع وتصعيد بناء المستوطنات وهدم بيوت الفلسطينيين أصحاب الأرض وسط استهداف المدنيين بالقتل والاعتقال وتقطيع تواصل الأرض في ظل سياسة القمع والتنكيل التي تمارسها دولة الاحتلال.
في غزة، تشير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى أن ما لا يقل عن 70 بالمئة من سكان قطاع غزة معرضون لخطر المجاعة؛ مؤكدة أن القطاع يعتبر الآن من أكثر المناطق مجاعة في العالم في حين يرى
محللون ومراقبون في أحاديث لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) في الذكرى 76 للنكبة الفلسطينية التي تصادف غدا الأربعاء، أن النكبة لم تنته عام 1948، معتبرين أن الفلسطينيين يعيشون اليوم في قطاع غزة “النكبة الثانية”.
وعلى الجانب الشرقي من فلسطين، يقف الاردن ملكا وحكومة وشعبا والحال يؤكد “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى”، فرأس الدولة جلالة الملك عبدالله الثاني يبذل جهودا استثنائية ودؤوبة على مستوى الإقليم والعالم وكل الهيئات والمنظمات، لترسيخ حق الفلسطينيين بدولتهم والاعتراف بها دوليا كعضو كاملة العضوية في الأمم المتحدة، بموازاة توجيهاته لتقديم المساعدات الإنسانية والطبية والإنزالات الجوية المستمرة لقطاع غزة.
فالأردن، كما يؤكد هؤلاء المحللون والمراقبون، لم يتخل يوما عن واجبه وموقفه والتزاماته وإنسانيته وسياسته تجاه القضية الفلسطينية قبل نكبة عام 48 ولغاية الآن، ويعد موقفه حجر الزاوية في الجهود الإقليمية والدولية من أجل تحقيق السلام والعدالة في الشرق الأوسط، مشيرين الى أن الدور الاستراتيجي للأردن في دعم القضية الفلسطينية يعد ارتباطا وثيقا بمكانته وتاريخه وموقعه الجغرافي والسياسي في قلب الصراع العربي – الإسرائيلي، ويعتبر القضية الفلسطينية هي قضيته الإستراتيجية الأولى سواء في السياسة الخارجية أو حتى الداخلية.
الجهاز المركزي الإحصائي الفلسطيني يقول في بيان له عبر موقعه الإلكتروني بهذه المناسبة، إن النكبة جسدت ولا تزال التطهير العرقي بأبشع صوره، نظراً لما صاحبها من طرد لشعب بأكمله وإحلال جماعات وأفراد من شتى بقاع العالم مكانه، حيث تم تشريد ما يزيد على مليون فلسطيني من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948.
فمن بين مليون و 400 ألف فلسطيني كانوا يقيمون في 1300 قرية ومدينة فلسطينية عام 1948 تم تهجير مليون منهم إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة فضلاً عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي أخضعت لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948 حيث سيطر الاحتلال الإسرائيلي على 774 قرية ومدينة فلسطينية، 531 منها دُمِّرَت بالكامل، فيما تم إخضاع المتبقية لكيان الاحتلال وقوانينه، وصاحب عملية التطهير هذه اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني، وحاليا لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يمارس أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني ما تزال تتصاعد بوتيرة إجرامية خلال العدوان الحالي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول الماضي.
وأشار الجهاز إلى أنه بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين والعرب منذ النكبة عام 1948 وحتى اليوم (داخل وخارج فلسطين) تجاوز 134 ألف شهيد، ومنذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000 وحتى نهاية نيسان للعام الحالي بلغ عدد الشهداء نحو 46500 شهيد، فيما بلغ عدد الشهداء منذ بدء العدوان على غزة وحتى الأول من أيار الحالي نحو 35 ألفا منهم حوالي 15 ألف طفل وحوالي 10 آلاف امرأة، إلى جانب أكثر من 141 صحفياً، فيما يعتبر أكثر من 7000 في عداد المفقودين معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً لسجلات وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، ارتقى منذ بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة 492 شهيداً.

وقدرت الخسائر الأولية المباشرة لعدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بنحو 30 مليار دولار وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي، إذ تضرر نحو 89 ألف مبنى منها 104 مبان تابعة للأمم المتحدة، فضلا عن المصادرة المستمرة للأراضي.
وتشير البيانات أن 90 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 23 شهراً والنساء الحوامل يواجهون نقصا حاداً في المواد الغذائية، حيث فقد أكثر من 30 فلسطينياً حياتهم بسبب الجوع والجفاف معظمهم من الأطفال، كما يعاني قطاع غزة من أزمة حادة في الحصول على مياه الشرب.
وبلغ عدد السكان في فلسطين التاريخية عام 1914 نحو 690 ألف نسمة، شكلت نسبة اليهود 8 بالمئة فقط ، وفي العام 1948 بلغ عدد السكان أكثر من مليونين نسبة اليهود منهم حوالي 31.5 بالمئة فقط، حيث تدفق بين عامي 1932 و1939 أكبر عدد من المهاجرين اليهود، وبلغ عددهم 225 ألفا، وتدفق بين عامي 1940 و1947 أكثر من 93 ألف يهودي، وبهذا تكون فلسطين استقبلت بين عامي 1932 و1947 ما يقرب من 318 ألف يهودي، ومنذ العام 1948 وحتى العام 2023 تدفق أكثر من 3.3 مليون يهودي.
وعلى الرغم من تهجير نحو مليون فلسطيني في العام 1948 وأكثر من 200 ألف فلسطيني بعد حرب حزيران 1967، إلا أن عدد الفلسطينيين الإجمالي في العالم بلغ 14.63 مليون نسمة في نهاية العام 2023، ما يشير إلى تضاعف عدد الفلسطينيين نحو 10 مرات منذ نكبة 1948، يقيم 5.55 مليون منهم فـي الضفة وغزة، ونحو 1.75 مليون في أراضي 1948، فيما بلغ عدد الفلسطينيين في الدول العربية نحو 6.56 مليون فلسطيني، ونحو 772 ألفاً في الدول الأجنبية، وبذلك يبلغ عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية حوالي 7.3 مليون فلسطيني في حين يقدر عدد اليهود نحو 7.2 مليون مع نهاية العام 2023، ما يعني أن عدد الفلسطينيين يزيد على عدد اليهود في فلسطين التاريخية. وبناء على هذه المعطيات، فإن الفلسطينيين يشكلون 50.3 بالمئة من السكان المقيمين في فلسطين التاريخية، فيما يشكل اليهود ما نسبته 49.7 بالمئة من مجموع السكان، ويستغل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 85 بالمئة من المساحة الكلية لفلسطين التاريخية (27000 كم2).
بلغت الكثافة السكانية في دولة فلسطين في نهاية العام 2023 حوالي 921 فرد/ كم2 بواقع 582 فرد/كم2 في الضفة الغربية و6,185 فرد/كم2 في قطاع غزة، علماً بأن 66% من سكان قطاع غزة هم من اللاجئين، حيث تسبب تدفق اللاجئين إلى تحويل قطاع غزة لأكثر بقاع العالم اكتظاظاً بالسكان، وخاصة بعد نزوح مئات الآلاف من السكان إلى محافظة رفح، يعيش أكثر من 1.5 مليون إنسان في مساحة لا تتعدى 65 كم2 تحت تهديد الموت قصفا.
مدير عام دائرة الشؤون الفلسطينية المهندس رفيق خرفان، قال: “تتزامن ذكرى النكبة لهذا العام مع الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي راح ضحيتها آلاف الشهداء من نساء وأطفال ورجال لتضيف إلى وجعنا وجعا جديدا حيث تمادت إسرائيل في عدوانها الغاشم على غزة متحدية القوانين الدولية بارتكابها أبشع جرائم الحروب بحق المدنيين العزل”.
وأشار خرفان الى جهود جلالة الملك عبدالله الثاني من أجل وقف الحرب على غزة ومساعيه الدؤوبة من خلال جولاته حول العالم من أجل إحقاق الحق الفلسطيني إضافة الى توجيهاته بإمداد غزة بالمساعدات الإنسانية اللازمة وإرسال مستشفى ميداني إلى خانيونس وآخر إلى نابلس والانزالات الجوية على غزة، والتي بلغ عددها 93 إنزالا جويا، فضلا عن الإنزالات المشتركة التي تمت بالتعاون مع دول أخرى.
وأكّد خرفان موقف الأردن الثابت والراسخ ملكا وحكومة وشعبا حيال القضية الفلسطينية، مستذكرا البطولات والتضحيات التي بذلت في الدفاع عن فلسطين.
وأشار الى أن القضية الفلسطينية والقدس ومقدساتها ستبقى في قلب ووجدان جلالة الملك وأول اهتماماته كما هي عند جميع الأردنيين، لأنها قضية الشرفاء والأحرار.
رئيس لجنة فلسطين النيابية المهندس فراس العجارمة، قال تمر ذكرى النكبة هذه المرة والنكبة الجديدة ماثلة أمامنا في غزة على مرأى ومشهد من العالم ومشاهد القتل والدمار والنزوح تعيد للأذهان النكبة الأولى بكل تفاصيلها، مشيرا إلى أن هذا الشعب المظلوم عانى على مدار العقود الثمانية الماضية من كل أنواع التنكيل والقتل والتشريد ومصادرة الأراضي، مشيرا الى أن الاحتلال الاسرائيلي ما يزال يضرب بعرض الحائط مقررات الشرعية الدولية، ويصر على قضم الأرض الفلسطينية.
الباحث والكاتب في الشأن الفلسطيني وعضو الهيئة الإدارية لجمعية يوم القدس نواف الزرو، قال:” في حين تصادف الذكرى السادسة والسبعون للنكبة الفلسطينية غدا، وبعد مرور نحو ثمانية شهور على الحرب الإبادية الصهيونية الشاملة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أصبحت الصورة الشاملة أوضح من أي وقت مضى وخلاصتها: أن الشعب الفلسطيني موجود وقوي وباق على الرغم من الأهوال التي تسبب بها العدوان الصهيوني.

وهذا ما أكدته الكاتبة والمحللة الصحفية الإسرائيلية المناهضة لسياسات الاحتلال عميره هاس في صحيفة هآرتس حينما خاطبت قادة الاحتلال قائلة: “لا تحاولوا كسر إرادة شعب رضع الصمود مع حليب الأمهات”، ومثل ذلك قال رئيس الشاباك السابق عامي أيلون في لقاء مع الصحيفة الصحيفة ذاتها: حين أكد أن “من يتوقع أنه باغتيال يحيى السنوار سيستلم الفلسطينيون فهو لا يعرف الفلسطينيين. يخطئ من يعتقد أن الفلسطينيين ليسوا شعباً، وأنه إذا سمحنا لهم بالازدهار الاقتصادي سيتخلّون عن حلم الاستقلال”.
ويضيف الزرو، نوثق وبمنتهى الوضوح والثقة والإيمان، أن الجيل الفلسطيني الجديد المقاتل هو جيل المستحيل الذي قلب كل الحسابات، وخلخل الأمن الصهيوني، وأربك المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية بكاملها، ويقود القضية الفلسطينية نحو أفق حقيقي للتحرير والخلاص من براثن الاحتلال المجرم.

هذا ما أكدته الكاتبة الإسرائيلية عميره هاس في صحيفة هآرتس: “إن المواجهات المستمرة في الأراضي الفلسطينية، يقف خلفها جيل جديد من الفتيان والشبان الفلسطينيين الذين فقدوا كل أمل في اتفاق أوسلو ” ومثل ذلك قال الكاتب الإسرائيلي المناهض لسياسات الاحتلال العنصرية ضد الفلسطينيين جدعون ليفي الذي قال “يبدو أنّ طينة الفلسطينيين تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا عليهم الغانيات وبنات الهوى، وقلنا ستمرّ بضع سنوات وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجّر انتفاضة 87. اعتقلناهم وقلنا سنربّيهم في السجون وبعد سنوات، وبعد أنْ ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم، ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها ثم حاصرناهم وأنشأنا الجدران والأسلاك الشائكة وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض والأنفاق”.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة مؤتة الدكتور وليد العويمر قال في الذكرى 76 للنكبة نعيش أبشع وأكبر مأساة ومجزرة إسرائيلية في التاريخ الحديث ضد الشعب الفلسطيني منذ نكبة 48 مشيرا الى أن بين النكبتين الأولى عام 1948 والثانية عام 2023 عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين وملايين من المهجرين والنازحين تحت التهديد.

وأكد عويمر أن التقارب الجغرافي والديموغرافي بين الشعبين الأردني والفلسطيني لعب دورا أساسيا في أن يكون الأردن حاضرا في القضية الفلسطينية في كل مراحلها وتطوراتها، مشيرا الى أن ارتباط الأردن بالقضية الفلسطينية هو ارتباط عضوي واستراتيجي.

الباحث والمؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي، بين أن تاريخ النكبة مستمرة؛ فالشعب الفلسطيني يتشرد من جديد، وأرض عربية يتم احتلالها ، ومزيد من الشهداء، ويستمر سيناريو التنديد، ونلجأ للقرارات الدولية من مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية بلا جدوى.

وأضاف: تمضي أكثر من سبعة عقود على النكبة التي تضخمت الآن، ووصلنا إلى مرحلة إصرار العدو على تنفيذ المشروع الصهيوني، متسائلا “هل ما يحصل الآن هو نهاية المشروع الصهيوني وحلول لعنة العقد الثامن على اليهود أم أنه مجرد مزيد من الوقت وأهراق مزيد من الدماء واحتلال أرض جديدة وتشريد آخر للفلسطينيين؟”.

وأوضح أنه لا يمكن الفصل بين أسباب وحوادث ونتائج المعارك، ففي جميعها المعتدي واحد والضحية واحدة، ومن هم في مدرجات المشاهدين واحد، ومن يقف خلف المشهد وأصابعه في النار واحد، لكن ستكون هناك نهاية، وسيناريو النهاية ذو دلالات قاسية والتوقعات حوله مأساوية، ولكن لا مجال لاستمرار الغطرسة الصهيونية، ولا مجال لأن تبقى الطائرة والصاروخ وحاملة الطائرات سيدة الموقف، فقد أثبتت المقاومة أنها لا تموت وتقوى كل يوم، حتى كل مغادر للأرض، أو في الأرض فهو مشروع مقاومة قادم.
وأكد أننا وبرؤية أردنية نجد أنفسنا قلبا واحدا مع غزة، فنحن في وسط ميدان المعركة نقدم العلاج للمصابين من خلال مستشفيين في غزة وخان يونس، ونرسل المساعدات جوا في رحلات شبه يومية، وتتدفق القوافل بشاحنات إلى قلب القطاع، ونستقبل مرضى من عزة في مستشفياتنا، ويهب الأردنيون في جمع التبرعات والمساعدات وإرسالها إلى غزة، وفقا للمجالي.
ولفت إلى أنه منذ بدء العدوان لم تتوقف السياسة الأردنية عن نشاطها على مختلف الأصعدة في العالم بالتنديد بالعدوان وطلب وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ومنع التهجير، حيث يبذل جلالة الملك عبدالله الثاني جهودا استثنائية مع زعماء العالم وكل الهيئات والمنظمات من إجل إحقاق حق شعب فقد كل حقوقه الإنسانية بعد عدوان همجي زادت أيامه على مئتين.
وقال، يكفي أن الأردن بقيادته الهاشمية وجيشه الباسل ما زال يضرب أروع الأمثلة في كيفية نصرة الأخ بمصداقية وثبات.
–(بترا)

ب ن/ اح

14/05/2024 16:46:27