عمّان في 12 يناير2026 /العُمانية/ يروي موقع
“آيلة” جنوب الأردن قصة مدينة أسهمت في صياغة تاريخ المنطقة، ومثّلت
حلقة وصل بين القارات والثقافات نظراً لوقوعها على مفترق طرق العالم القديم، والتي
تتمتع بموقع استراتيجي في رأس خليج العقبة، حيث التقت فيها طرق البر القادمة من
الحجاز والشام ومصر مع طرق البحر المتجهة نحو البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبهذا
كانت محطة للتبادل التجاري والحضاري.
وارتبط اسم “آيلة” بتاريخ عريق سبق الفتح
الإسلامي، إذ عرفت في المصادر القديمة باعتبارها مدينة ساحلية مزدهرة خلال العصور
النبطية والرومانية والبيزنطية، ومع دخولها تحت راية الإسلام في القرن السابع
للميلاد، تحولت بشكل جذري سواء على صعيد بنيتها العمرانية أو وظيفتيها السياسية
والاقتصادية، وخلال ذلك شهدت حراكاً كبيراً جعل منها واحدة من أهم المدن الإسلامية
على البحر الأحمر.
ونظراً لموقع المدينة في أقصى جنوب الأردن فقد أصبحت
نقطة تماسّ بين البر والبحر؛ ما جعلها بوابة بحرية للجزيرة العربية وبلاد الشام،
وقد أسهم ذلك في ازدهارها كميناء حيوي يستقبل السفن التجارية القادمة من موانئ
البحر الأحمر، وينقل البضائع إلى الداخل عبر القوافل البرية.
وبيّنت الحفريات والتنقيبات الأثرية التي أجريت في
الموقع أن “آيلة” كانت تتسم بنمط عمراني يعكس الوعي الإسلامي الحضاري
المبكر، إذ شيدت المدينة على شكل مستطيل محاط بسور متين تدعمه أبراج دفاعية ولها
عدد من البوابات الرئيسة، وقد عثر في وسط المدينة على بقايا المسجد الجامع الذي
شكّل محور الحياة الدينية والاجتماعية، وكانت تحيط به الأسواق والمرافق العامة،
كما ضمّت العديد من الأحياء السكنية التي بنيت بشكل منظم وتمتعت بشبكة من الشوارع
المتقاطعة، إضافة إلى منشآت خدمية مثل الخزانات المائية والمستودعات.
وتظهر بقايا الأبنية اليوم أن المواد التي تم
استخدامها في إعمار المدينة كانت من المواد المتوفرة في البيئة المحلية، كالطوب
والحجر المرجاني، إضافة إلى تقنيات معمارية تتناسب مع البيئة الساحلية والمناخ
الحار الذي يسود المنطقة خلال فصل الصيف.
وقدمت “آيلة” نموذج المدينة الدينية
والإدارية إلى جانب كونها مركزاً تجارياً مهماً وحلقة وصل بين تجارة التوابل
والأقمشة والعطور القادمة من الهند واليمن وشرق أفريقيا، وبين أسواق الشام ومصر،
وهذا النشاط أثرى التجارة المحلية، حيث توفرت فرص العمل للسكان في مجالات الملاحة
وصناعة السفن والتخزين والتبادل التجاري، وبحسب الباحثين فقد كانت المدينة تفرض
الرسوم الجمركية على البضائع القادمة إليها، وهذا جعل منها مورداً مالياً للدولة
الإسلامية الناشئة.
كما كانت المدينة ملتقى للعلماء والفقهاء من كل مكان،
وأسهمت في نقل المعرفة والأفكار بين مختلف أقاليم العالم الإسلامي، وقد استخدم
المسجد المبني فيها كمركز للتعلم وحلقة للوعظ والإرشاد، وتؤكد المصادر التاريخية
أن المدينة قدمت نموذجاً يحتذى به في التعايش، حيث ضمّت في مراحلها الأولى سكاناً
من خلفيات دينية مختلفة عاشوا في إطار من التسامح في ظل النظام الإسلامي الذي كفل
الحقوق ومنح الحريات.
وتشكل مدينة “آيلة” الإسلامية اليوم موقعاً
أثرياً ذا أهمية كبيرة، إذ يعد شاهداً على بدايات التخطيط الحضري الإسلامي، وقد
أسهمت أعمال التنقيب والدراسات الحديثة في إعادة الاعتبار للمدينة، وفتح آفاق
جديدة للاستفادة منها في مجالات البحث العلمي والسياحة الثقافية والتراثية.
/العُمانية/ النشرة الثقافية/
شيخة الشحية