الأزمة الاسبانية – الامريكية بين الحسابات السياسية وتشابك المصالح الاقتصادية

الأزمة الاسبانية – الامريكية بين الحسابات السياسية وتشابك المصالح الاقتصاديةمن هنادي وطفة (تقرير)مدريد – 7 – 3 (كونا) — تشهد العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة تصعيدا غير مسبوق على خلفية رفض مدريد السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها في الهجمات على إيران وامتناعها قبل ذلك عن رفع الإنفاق الدفاعي إلى المستويات التي يطالب بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو).وبلغت الازمة ذروتها عندما هدد ترامب يوم الثلاثاء الماضي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا واصفا إياها ب “الشريك المريع” مشيرا إلى انه طلب من وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ان “يوقف كل التعاملات مع إسبانيا” في خطوة نادرة تعكس التوتر المتزايد بين البلدين.من جانبه أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن إسبانيا تتمسك بشعار “لا للحرب” مشددا على أن العلاقات التجارية بين البلدين تحكمها الاتفاقات التجارية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي.بدورها أكدت المفوضية الأوروبية وعدد من الحلفاء الأوروبيين تضامنهم الكامل مع مدريد لافتين إلى ان السياسة التجارية اختصاص حصري للاتحاد وأن أي نزاع يجب أن يدار ضمن أطر مؤسسية مشتركة ومنظمة التجارة العالمية.وعلى الرغم من ذلك الدعم فقد أثارت تصريحات ترامب تلك وانتقاداته اللاحقة لإسبانيا وقيادتها السياسية شيئا من القلق في الأوساط التجارية والاقتصادية الإسبانية ما دفع بعض الشركات إلى الترقب قبل عقد صفقات مهمة.وتعد الولايات المتحدة شريكا تجاريا مهما لإسبانيا على الرغم من أن حجم التبادل التجاري الثنائي يعكس اختلالا متزايدا في الميزان التجاري لصالح أمريكا وقد بلغت الصادرات الاسبانية 7ر16 مليار يورو (4ر19 مليار دولار) في عام 2025 بتراجع قدره ثمانية في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه وهو ما يمثل 3ر4 في المئة من الصادرات الإسبانية.من جانبها بلغت الواردات قرابة 2ر30 مليار يورو (35 مليار دولار) في عام 2025 بنمو قدره سبعة في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه مشكلة 8ر6 في المئة من إجمالي الواردات علما بان الغاز الطبيعي المسال يشكل قرابة ثلث قيمة الواردات الأمريكية إلى إسبانيا التي تعد نقطة دخول أساسي للمادة الخام إلى أوروبا.وبحسب غرفة التجارة الأمريكية فإن الولايات المتحدة تمتلك استثمارات بقيمة 130 مليار يورو (8ر150 مليار دولار) في إسبانيا لتكون بذلك المستثمر الأجنبي الرائد فيها أما أبرز شركاتها العاملة في الأراضي الإسبانية فهي (أمازون) التي أعلنت قبل أيام استثمارا جديدا بقيمة 18 مليار يورو (نحو 21 مليار دولار) في مراكز بيانات في إسبانيا.أما الشركات الاسبانية العاملة في الولايات المتحدة والأكثر عرضة للخطر في حال قرر ترامب المضي قدما في تهديداته فهي شركات الطاقة ومنها (ريبسول) و(إنديسا) و(ايبدرولا) و(ناتورجي) والبنوك الاسبانية وشركات البنى التحتية وعليه فإن أي قطيعة ستؤثر على آلاف الوظائف ومليارات الدولارات من الاستثمارات المتبادلة.أما القطاعات الاسبانية التي قد تتعرض للآثار السلبية للقرار فمنها قطاع الأغذية الذي بلغت صادراته إلى الولايات المتحدة ثلاثة مليارات يورو (5ر3 مليار دولار) في عام 2025 ويتصدرها زيت الزيتون حيث تعد إسبانيا ثاني أكبر المصدرين إلى أمريكا بعد إيطاليا وبلغت صادراتها في العام الماضي قرابة 800 مليون يورو (928 مليار دولار).وسيتأثر ايضا قطاع صناعة السيارات وقطع الغيار إذ انه على الرغم من أن ألمانيا وفرنسا من أكبر الشركاء الأوروبيين في هذا القطاع فإن الشركات الإسبانية جزء من سلاسل الإمداد الأوروبية الموجهة للسوق الأمريكية بالإضافة إلى سوق الكيماويات والمنتجات الصيدلانية والصلب والمنتجات الصناعية المتوسطة.وفي ظل هذا التشابك الاقتصادي تظهر حساسية عدد من الشركات الكبرى تجاه أي تصعيد محتمل وفي ضوء ذلك قررت التعاونية الإسبانية (ديكوب) الرائدة عالميا في انتاج زيت الزيتون والتي تحظى بحضور قوي في السوق الأمريكية تعليق خططها للاستحواذ على كامل رأسمال شركة (بومبيان) الأمريكية لزيت الزيتون والتي تمتلك 50 في المئة من أسهمها.وأشارت (ديكوب) إلى انها ان قررت تعليق خططها نظرا لأن ظروف السوق الأمريكية ستتغير بشكل كبير في حال فرضت الحكومة الأمريكية أي نوع من الرسوم الجمركية على المنتجات الإسبانية.وأعلن بنك (سانتاندير) أكبر البنوك الإسبانية تأجيل صفقة ضخمة تتجاوز قيمتها 3ر10 مليارات يورو (قرابة 12 مليار دولار) للاستحواذ على بنك (ويبتسر) لاسيما ان إتمام الصفقة يحتاج إلى موافقة السلطات الأمريكية مشيرا إلى ان ذلك التراجع يرتبط ارتباطا مباشرا بحالة عدم اليقين التي تحيط بالعلاقات التجارية بين البلدين.وتعود جذور هذا التوتر إلى خلاف سابق بين مدريد وواشنطن في يونيو الماضي عندما أكد سانشيز ان إسبانيا لن ترفع سقف إنفاقها الدفاعي ضمن التزاماتها في (ناتو) إلى خمسة في المئة من انتاجها المحلي معتبرا ذلك “غير منطقي وغير ضروري” في الوقت الذي أكد فيه ان بلاده رفعت انفاقها من 9ر0 في المئة في عام 2018 إلى 1ر2 في المئة في 2025.من جهة أخرى لا يقتصر الموقف الاسباني على حسابات حكومية حيث ان شعار “لا للحرب” يعكس اعتبارات داخلية من صميم الشارع الإسباني ومن سمة متأصلة في الثقافة السياسية الإسبانية إضافة إلى الآراء السلبية للشعب الإسباني حيال سياسات ترامب وفق ما أظهرته استطلاعات للرأي أجريت في الفترة الماضية.وقد أظهر استطلاع أجراه مركز البحوث الاجتماعية الاسباني (ثيس) في فبراير الماضي ان 5ر76 في المئة من الاسبان يمتلكون رأيا سلبيا أو سلبيا جدا تجاه ترامب فيما يرى 5ر79 في المئة منهم ان الرئيس الأمريكي “تهديد للسلام العالمي” ويرتفع ذلك إلى 94 في المئة و97 في المئة لدى ناخبي اليسار واليسار المتطرف على الترتيب.أما بالنسبة للمكاسب السياسية المحتملة للزعيم الاشتراكي سانشيز فإن مؤشرات الرأي العام والتجارب السياسية السابقة توحي بأن المواجهة مع ترامب قد تمنحه فرصة لتعزيز قاعدته الانتخابية واستقطاب شريحة من الناخبين المتحمسين بل قد يشكل هذا الظرف فرصة مواتيه للدعوة إلى انتخابات مبكرة في توقيت يخدم مصالحه على غرار ما حدث في تجارب سياسية بدول مثل كندا أو الدنمارك.وعلى الرغم من إشارة ترامب إلى امتلاكه صلاحية فرض حظر كامل على العلاقات التجارية مع إسبانيا فإنه لم يحدد خطة لتنفيذه في حين ان وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو أكد ان لإسبانيا خيارين لمواجهة ذلك التهديد يتجسد الأول في استجابة مشتركة للاتحاد الأوروبي فيما يقوم الثاني على البحث عن أسواق بديلة للمنتجات الإسبانية لاسيما في تكتل دول أمريكا الجنوبية (ميركوسور).ومع حدة التصريحات والتهديدات فإن تشابك المصالح الاقتصادية بين مدريد وواشنطن وارتباط التجارة الإسبانية بالإطار الأوروبي يجعلان من خيار القطيعة الشاملة احتمالا ضعيفا وبالغ التعقيد حتى إن ظل التوتر السياسي قائما. (النهاية)ه ن د / م ع ح ع