الفنان التشكيلي علي الجهوري: للنحات العُماني قدرة على إعادة صياغة المفاهيم الفنية المعاصرة

مسقط في 9 مارس 2026 / العُمانية/ يرى الفنان التشكيلي العُماني على بن سعيد الجهوري بأن البيئة العُمانية تزخر بتنوع يسهم في ثراء الذاكرة البصرية للفنان العُماني، بما تحمله من دلالات وإيحاءات وأفكار ينتقل من خلالها من مجرد توظيف للخامة في النحت إلى إعادة التفكير في ماهية الخامة ودلالتها كونها ذاكرة وليست مجرد مادة.ويشير التشكيلي والنحات الجهوري، الذي شارك في معارض وأعمال فنية متعددة في سلطنة عُمان وخارجها بما فيها المؤتمرات الفنية الدولية والحاصل على مجموعة من الجوائز المحلية أيضًا أنالحجر والخشب العُماني يحمل ذاكرة المكان الذي يرتبط بالزمن وآثار تحولات طبيعية عبر ملايين السنين يستلهمها الفنان من آثار الشقوق والملامس والكتل ولون الخامة ويُعد ذلك انتماءً بصريًا للبيئة.وأضاف في سياق حديثه لوكالة الأنباء العُمانية أن للنحات العُماني قدرة على إعادة صياغة المفاهيم المعاصرة والمزاوجة بينها كالفراغ والتفكيك والتجريد وخامات البيئة المحلية من خلال مجموعة من المعالجات والتقنيات مثل آثار الأدوات وكسر الحجر وتنعيمه وترك الفراغات في الكتل القادرة على التعبير عن مختلف القضايا الإنسانية والكونية لا مجرد رمزية تراثية.وأكد أنه ضمن سياق الفن المعاصر يصبح الفراغ عنصرًا مهمًا في تشكيل المعنى مشاركًا الكتلة في قراءاتها فكرة وليست مجرد وزن، تحمل دلالات الصمت والضغط والعزلة والسلطة ، عندها يتحول المنجز النحتي إلى خطاب بصري ، يسهم في إشراك المتلقي فيتحرك حول العمل ويكتشف الفراغ ويصبح بذلك تجربة مكانية ومساحة تفكير في الوجود بين الداخل والخارج ويحمل عديدًا من الدلالات الجمالية والتعبيرية .ويذهب الجهوري ليشير إلى ما يتعلق بالهوية الثقافية والتوافق مع الحداثة، وإيجاد توازن في منحوتاته بين استحضار الذاكرة البصرية العُمانية والرغبة في الوصول إلى آفاق تجريدية عالمية ويؤكد أن أصالة الفنان تنبع من هويته، فالهوية من منظوري الفني ليست مجرد زخرفة سطحية أو استعارة شكلية مستوحاة من رموز قديمة أو تقليدية. فهي حسب تعبيره بنية قائمة على الإحساس واستحضار الذاكرة البصرية العُمانية وإعادة صياغتها وإخراجها بأسلوب معاصر يروي من خلال العمارة العُمانية وتضاريسها الطبيعية وخطوط الزخرفة على الأبواب والخناجر ونقوشها مفردات يمكن تحليلها وتفكيكها إلى خط وكتلة وفراغ وإيقاع وتوازن فتتحول الهوية من موضوع إلى نظام بصري.ويوضح: يمكن القول إن كل تجربة صادقة في عمقها المحلي تحمل رمزية عالمية حين تتعامل مع مفاهيم ودلالات مثل الصمت والعزلة والتوازن والهشاشة والقوة والاستقرار وغيرها، فأنا أتجول في مساحة إنسانية عامة حتى لو كانت المادة والملمس والظل نابعة من بيئة وثقافة عُمانية خالصة.وأضاف: من منطلق الهوية والممارسة التطبيقية في مجال النحت يمكن أن تكون الهوية عقبة في وجه الفنان إذا اعتبرها واجبًا ظاهرًا في جميع أعماله وأختزلها في عناصر زخرفية أو شكلية ثابته، وعلى النقيض من ذلك يمكن أن تكون الهوية قيمة ومنطلق نحو المستقبل إذا استوعبها النحات وأعاد صياغتها وتنظيمها وفقا لفكرته ورسالته؛ فالنحات الذي يخشى فقدان هويته قد ينغلق داخلها أو يتنكر لها فيفقد جذوره وتاريخه. أما النحات الذي يستوعبها ويتجدد في طرحها فيجعلها مادة وخامة للتجريب والتجديد والتطوير والممارسة.وفي شأن انعكاس طبيعة “عُمان” على تقنياته في النحت والتشكيل، ومدى إسهام البيئة المحلية في تشكيل هوية فنية جمعية يقول الجهوري: لطالما كانت البيئة بتفاصيلها وتضاريسها منبعًا لهوية الفنان التشكيلي والنحات العُماني، فمنذ سنوات الطفولة كانت ولا زالت جبال سلطنة عُمان لها حضورها الكثيف في أعمال الفنانين بمختلف مجالاتهم يتعلمون منها القوة الصامتة في الكتلة، ومفهوم الاختزال من خلال خطوطها وتنوعها والتوازن من بين ثنايا الكتل والارتفاعات، كما ينساب البحر بحركته ما بين هدوء وتفريغ ينعكس بين تقنيات الفنان ضمن خطوط لينة وفراغات داخلية تشبه حركة الأمواج وتجاويفها تصنع العمق والسطح في تضاد بين الداخل والخارج .وأوضح: لقد أسهمت البيئة العُمانية في صناعة هوية فنية جمعية وتشكيل حساسية بصرية مشتركة بين كثير من الفنانين وإن اختلفت الأساليب، فالهوية الجمعية لا تعني التشابه وفق قالب أو أسلوب، بل هي مناخ بصري ونفسي، ففي بعض الأحيان تجد فنانًا تجريديًا وآخر تعبيريًا لكن كلاهما يحمل أثرًا من بيئته وخصائصها. كما أن للهوية الفنية الجمعية أثر يربط التجارب المختلفة بخيط رفيع غير مرئي من الحساسية اتجاه المكان. إن النحات العُماني يتأثر بالطبيعة وتفاصيلها فينحت أثرها في داخله. ويشير الجهوري إلى الفن كصناعة إبداعية واقتصاد معرفي في سلطنة عُمان: جاءت رؤيةُ عمان 2040 لتؤكد على الإنتاج الفني والإبداعي ضمن نظام ثقافي واقتصادي متكامل قائم على بناء المؤسسات الإبداعية والتي تحتضن في أساسها مبادرات فنية وإبداعية فردية تركز على بناء هوية بصرية وطنية معاصرة، وتحويل المعارض الفنية إلى منصات اقتصادية احترافية بغرض تسويق الأعمال الفنية واقتنائها من مستثمرين ودور عرض ومؤسسات سياحية ورسمية.وأكد بقوله: النحت المعاصر يمكن أن يرفد المدن بمنحوتات تعزز قيم الهوية البصرية. ويربط الفن بالتنمية العمرانية من خلال التصميم الصناعي والسياحة الثقافية والصناعات الإبداعية، وهذا التكامل يوفر قيمة اقتصادية مستدامة. فالفنان يمتلك أدوات الإبداع وأدوات الإدارة ويصبح بذلك شريكًا حقيقيًا في التنمية.ولأن للجهوري تجربة خاصة تتعلق بالتقاطع المباشر بين الفن والتقنية والابتكار، يشير إلى إمكانية أن يقوم الفن الابتكار التقني بخدمة العمل الفني دون أن يفقدها حرارة اللمسة الإنسانية ويوضح: يشهد عصرنا الحالي سباقًا في مجال التقنية والتكنولوجيا والابتكارِ، واقتصادِ المعرفة، والاستدامة، وتكاملِ الثقافة مع مساراتِ التنمية الشاملة، كونها عناصرَ أساسيةٍ لبناء مستقبل متوازن يواكبُ التحولات العالمية المتسارعة. وتبرزُ تجربتي الشخصية في مجال النحت الحركي القائم على توظيف التقنية والمحركات الكهربائية والخوارزميات الرقمية بوصفها نموذجاً تطبيقياً يعكس قدرة الفنون البصرية على الإسهام في تحقيق أهداف الرؤية، من خلال توظيف التقنية والتكنولوجيا المعاصرة في ممارسات فنية مبتكرة تتكامل فيها الفنون والعلوم.وأضاف: تمثّلُ تجربتي التطبيقية في مجال النحتِ الحركي التفاعلي على خامة الاستانلس، والمعتمدة على تقنيات اللحام الحراري، وأعتقد بأنها أولُ تجربةٍ من نوعها في سلطنة عُمان، حيثُ تنتقلُ بالمنجز النحتي من مفهومه التقليدي القائم على السكون والجمود إلى مفهوم ديناميكي يقوم على الحركة، والتفاعل، والاستجابة للمتلقي والبيئة المحيطة، فهذه التجربة تنسجمُ مع توجهات الرؤية العُمانية في تعزيز الابتكار وتكامل المعرفة، إذ يجمعُ الفنانُ بين البحث الفني، والمعرفةِ التقنية، والتطبيقِ العملي، ليقدّمُ نموذجاً للفن بوصفه مجالاً عابراً للتخصصات، تتكاملُ فيه العلوم والفنون. فقد وظفت ضمن سياق تجربتي النحتية محركاتٍ كهربائية، وأنظمة مغناطيسية، ومستشعرات ذكية قادرة على استشعار حركة الجمهور، مما يجعل العمل النحتي منظومة تفاعلية تستجيبُ للإنسان والمكان. ولا يُنظر إلى التقنية هنا بوصفها أداة تشغيلية فهي مكوّنٌ جماليٌ وفكريِ يثري العمل الفني، ويمنحه قدرةً على التعبير عن مفاهيم التحوّل، والسرعة، والتغيّر.ويوضح الجهوري تفاعل الجمهور مع فن النحت تحديداً على المستوى المحلي قائلا: حين نتحدث عن النحت يمكننا أن نصفه بالثبات على مر العصور وهذا ما أثبتته الاكتشافات الأثرية عبر التاريخ. ويعتبر النحت مصدرًا مهمًا من مصادر التوثيق الحضاري. كما أن التعامل مع الكتل الصلبة الجامدة يحتاج جهدًا بدنيًا وذهنيًا عاليًا. لا سيما مع توظيف المعادن والتقنية والتكنولوجيا المعاصر. إذ يبرز لنا جانب التصميم بداية من الفكرة إلى توظيف الخامة ومعالجتها وتجريب القنية الحركية وصولًا إلى منجز فني يمتاز بقيمة الجمالية والتعبيرية. فمع وجود التقنية والحركة التفاعلية يصبح المنجز النحتي جاذبًا للمتلقي والجمهور يتحرك حوله ويتفاعل معه يحاول قراءة الكتلة والفراغ والفضاء المحيط، ليصل الى تأويلات وقراءات مختلفة. فالفكرة الواضحة في المنجز لا تعني أن نتنازل عن مفهومها العميق ونبحث عن التسطيح المطلق والبسيط فذلك يفقد المنجز جماله وقيمه، وأسعى دائما من خلال أعمالي النحتية أن تكون ذات مستويات متعددة من القراءات تختلف باختلاف الجمهور وخبراته الفنية وما يستدعيه في ذاكرته من معارف وقيم. وحينما يعتاد المجتمع العُماني على رؤية النحت ضمن فضائه اليومي، ضمن تكرار يصنع الألفة، عندها تتحول المنحوتة من جسم غريب إلى علامة وبصمة مكانية ومن مجرد عنصر تجميلي إلى ذاكرة مشتركة.ويرى أن النحت يمكن أن يكون جسرًا حقيقيًا يرسم تفاصيل الذات والمجتمع إذا خرج من دائرة العرض المغلق إلى فضاء المشاركة والتقنية والتفاعل والحركة.ويوضح: يبقى هدفي إنتاج أعمال نحتية حركية تمتاز بعمقها الجمالي والتعبيري تصنع لحظة تأمل عابرة وتزرع سؤال بصري في ذهن شاب أو طفل وإضافة نقطة صمت جميلة وسط ضجيج المدينة. عندها يمكن القول أن المنحوتة أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، يبدأ المجتمع في امتلاكها، وبذلك يبدأ الفن في أداء دوره الاجتماعي الحقيقي. كما يبيّن الجهوري رؤيته للمستقبل والقادم مع النحاتين والتشكيليين العُمانيين في ظل الانفتاح الرقمي، والبصمة التي يريد وضعها في ذاكرة الفن التشكيلي العُماني: تعكس تجربتي في مجال النحت الدور المتنامي للفنان العُماني في التنمية الثقافية والمعرفية، فهي تعكسُ ذلك الشغف المستمر نحو التجديد والتطوير والبحث للوصول الى منجز فني يمكن وصفه بالتفرد عن غيره من التجارب المعاصرة ، فالاشتغال على النحت بوصفه مشروعاً بحثياً يتقاطع مع الهندسة، والعلوم، والتكنولوجيا، ما ينسجم مع توجهات الرؤية العُمانية في دعم الصناعات الإبداعية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. كما تُبرز هذه التجربة أهمية تمكين الفنانين والباحثين من تطوير مشاريع تجريبية تسهم في صياغة هوية فنية معاصرة لعُمان، قادرة على الحوار مع التجارب العالمية، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية. كما أنني أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يحدث للفنان هو الانفصال الكامل عن جذوره وهويته فالتراث يمكن أن يكون طاقة للتجديد والابتكار والهوية يمكن أن تتطور دون أن تفقد أصالتها وقيمها. كذلك أسعى إلى ترسيخ فكرة رئيسة في النحت قائمة على أساس التجربة النابعة من الفكرة والمكان، وأن يرى الفنان الشاب في التجربة العُمانية مساحة من البحث والممارسة والتجريب وأن يدركَ أن العالمية لا تعني فقدان الانتماء وأن الجرأة في الابتكار لا تعني هجرة الذاكرة والهوية وقطيعتها، وأطمحُ أن تكونَ تلك البصمة باقية ضمن حوار مفتوح بين الماضي والمستقبل وبين المحلي والإنساني العام./العُمانية/ النشرة الثقافية/خميس الصلتي