ثقافي / الحجر الأسود والركن اليماني.. شاهدان على قداسة البيت العتيق وعنوانُ العناية السعودية بالحرم الشريف

مكة المكرمة 17 رمضان 1447 هـ الموافق 06 مارس 2026 م واس
في محيط الكعبة المشرفة، تتكثّف رمزية المكان وتسمو دلالاته، ويغدو الطواف حركةً تعبّديةً تتجاوز الإطار الحسي إلى أفقٍ من الامتثال والخضوع. وفي هذا المشهد الإيماني، يبرز الحجر الأسود والركن اليماني بوصفهما معلمين تعبديين ارتبطا بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأصبحا جزءًا أصيلًا من تجربة الطائف الروحية في المسجد الحرام.
ويقع الحجر الأسود في الركن الشرقي للكعبة المشرفة، حيث يبدأ الطائفون منه أشواطهم السبعة ويختتمونها عنده، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استلامه وتقبيله، فإن تعذّر ذلك أشار إليه وكبّر، تأكيدًا على أن المقصود هو الاتباع لا التزاحم، والاقتداء لا المشقة، ويجسّد هذا السلوك معنى العبودية المحضة، إذ إن تعظيم الحجر الأسود إنما هو تعظيمٌ لأمر الله واتباعٌ لسنة نبيه، لا لذاته، في مشهدٍ تتجلّى فيه حقيقة التوحيد.
ويتكوّن الحجر الأسود من عدة أجزاء أحيطت بإطارٍ من الفضة الخالصة تثبيتًا وحفظًا، وقد تعاقبت عبر العصور أعمال ترميم دقيقة لصيانته، بما يضمن استقراره وسلامته ضمن بناء الكعبة المشرفة، ويُلاحظ الطائفون عناية خاصة بمحيطه، سواء من حيث النظافة الدائمة أو التنظيم الميداني الذي يتيح أداء الشعيرة بسكينةٍ وانسيابية.
أما الركن اليماني، الواقع في الجهة الجنوبية من الكعبة، فهو الركن الذي يلي الحجر الأسود في مسار الطواف، ويُسنّ استلامه دون تقبيل، اقتداءً بما ورد في السنة النبوية، ويُعدّ موضعًا حاضرًا في وجدان الطائفين، إذ يُستحب الدعاء بينه وبين الحجر الأسود، ومن أشهر ما يُقال في هذا الموضع الآية الكريمة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، في تتابعٍ روحي يربط بين الذكر والحركة، وبين الشعيرة والدعاء.
ويمتد حضور الحجر الأسود والركن اليماني في الوعي الإسلامي إلى جذور تاريخية عميقة، مرتبطة ببناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت العتيق، حيث شكّلا معًا جزءًا من معالم الكعبة التي حفظها الله عبر القرون، رغم ما مرّ عليها من أحداث تاريخية متعاقبة، لتبقى ثابتةً في موضعها، شاهدةً على وحدة القبلة واجتماع الأمة.
وتولي حكومة المملكة العربية السعودية عناية بالغة بالكعبة المشرفة وأركانها، ضمن منظومة متكاملة من الخدمات التشغيلية والهندسية والأمنية في المسجد الحرام. وتشمل هذه الجهود أعمال صيانة دورية، وتنظيفًا مستمرًا باستخدام تقنيات حديثة، ومتابعة دقيقة للحالة الإنشائية، إضافة إلى إدارة حركة الحشود حول موضعي الحجر الأسود والركن اليماني بما يضمن سلامة القاصدين ويُحقق أعلى درجات الانسيابية.
كما تُسخّر الجهات المعنية إمكانات بشرية مؤهلة لتنظيم الطواف، وتوجيه الطائفين، والحد من التكدّس، مع الاستفادة من أنظمة الرصد والمتابعة الميدانية، في إطار إستراتيجية شاملة تعكس التزام المملكة الراسخ بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وتعظيم شعائر الله وفق أعلى المعايير.
ويظل الحجر الأسود والركن اليماني معلمين تعبديين تتجدّد عندهما مشاعر الخشوع في كل شوط، ويستحضر الطائف عندهما معنى الاتباع الخالص، في مشهدٍ تتوحّد فيه الخطى حول بيتٍ واحد، وتتعانق فيه القلوب على قبلةٍ واحدة، ويستمر فيه عطاء المكان في ظل عنايةٍ سعوديةٍ متواصلة، تحفظ قدسيته وتصون رسالته الخالدة.
// انتهى //
22:02 ت مـ
0104