خربة جاوا.. شاهدٌ على تطوّر الاستيطان البشري بأرض الأردن

عمّان في 9 فبراير
2026 /العُمانية/ تقع “خربة جاوا” الأثرية جنوب العاصمة الأردنية عمّان،
وتمتد على تلة تُشرف على سهول مدينة مادبا، متضمنة طبقاتٍ متراكمة من التاريخ
القديم تمثل اليوم شاهداً على تطور الاستيطان البشري في أرض الأردن، منذ مملكة
عمون خلال العصر الحديدي وصولاً إلى بدايات العصر الإسلامي.

ويرجح الباحثون أن
الموقع كان مستوطنة محصّنة ازدهرت بين القرنين الحادي عشر والسادس قبل الميلاد، ونظراً
لارتفاعه، فقد وفّر الأمان للسكان، وأتاح لهم مراقبة الأراضي المحيطة والتحكم
بالطرق الزراعية القديمة في المنطقة.

كان الموقع يشتمل
على سور حجري ضخم من الحجارة الكلسية يصل سمكه إلى أكثر من مترين، بالإضافة إلى
عدد من الأبراج الدفاعية وبوابة متعددة الغرف، وهذا النمط المعماري يؤكد معرفة
السكان قديماً بنظام التحصينات الذي يعبّر في تلك الفترة عن مستوى متقدم بالتخطيط
العسكري.

وكشفت أعمال
التنقيب العلمية التي بدأت في أواخر القرن العشرين، عن شبكة معقّدة من المباني
السكنية والمنشآت الاقتصادية التي تشير إلى أن الموقع شهد مرحلتين رئيستين من
الاستيطان؛ الأولى في العصر الحديدي عندما كان مركزاً محصَّناً لمملكة عمون؛
والثانية بعد نحو اثني عشر قرناً حين عاد الاستيطان إليه في الفترة الانتقالية من
العهد البيزنطي حتى بدايات العهد الإسلامي.

هذا ما يؤكده
التداخل المعماري في “جاوا”، حيث تم الكشف عن مبانٍ من طابقين تعود
للقرن السابع أو الثامن الميلادي شيدت على أنقاض أبنية أقدم منها، لتستمر بذلك
الحياة في الموقع على الرغم من تغير الأنظمة السياسية والدينية.

ومن أهم اللقى
التي وجدت خلال عمليات التنقيب في “جاوا”، مجموعة كبيرة من القطع
الفخارية التي تنوعت بين الأطباق والأباريق والجرار والمصابيح الزيتية؛ الأمر الذي
ساعد الباحثين على تحديد الفترات الزمنية للاستيطان في الموقع، إذ إن أنماط الفخار
وألوانه وأساليب صناعته تعد مؤشرات دقيقة على التاريخ الثقافي لـ”جاوا”.

إلى جانب ذلك، أشارت الدراسات المتخصصة إلى وجود
فخار مصقول باللونين الأحمر والأسود، إضافة إلى أوعية رقيقة الجدران استُخدمت في
الحياة اليومية وربما في الطقوس الدينية التي كانت سائدة آنذاك.

كما عُثر في الموقع
على مئات الأدوات الحجرية؛ من مثل الشفرات والنوى الحجرية وأدوات الطحن وغيرها من المعدات
المرتبطة بالزراعة، وكُشف أيضاً عن عدد من المطاحن ومعاصر العنب والمخازن وخزانات
الماء. وجميعها تؤكد على اعتماد السكان على الإنتاج الزراعي في الموقع الذي يتسم بالأراضي
الخصبة والسهول الممتدة.

ومن أبرز
المكتشفات التي أثارت اهتمام علماء الآثار في “جاوا” مجموعة من القطع
الفخارية والأدوات المرتبطة بالطقوس، تشمل مصابيحَ وأكواباً صغيرة، وأختاماً ونقوداً
وأصدافاً بحرية، وتماثيلَ لبشر وحيوانات، وبعض المواد التي صُنعت منها هذه اللقى
لم يكن متوافراً في البيئة المحلية؛ ما يدل على نشاط
الخربة التجاري وعلاقاتها التجارية مع مناطق بعيدة.

أما تصميم البيوت
التي ما تزال بقاياها ماثلة للعيان، فيُظهر تخطيطاً داخلياً بسيطًا يعتمد على
الغرف المتجاورة والساحات الصغيرة؛ ما يعكس نمط الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة،
حيث كانت الأسرة والنشاط الزراعي محور الحياة اليومية للناس.

/العُمانية/
النشرة الثقافية

شيخة الشحية