تونس في 26 فبراير /قنا/ مع دخول شهر رمضان المبارك تتغير ملامح الأسواق التجارية في مختلف المدن التونسية، من تونس العاصمة إلى الجهات الداخلية، حيث تنتشر محلات بيع الحلويات التقليدية مثل “المقروض” و”الزلابية” و”المخارق” و”كعك الورقة” و”البقلاوة” و”أذن القاضي”، في مشهد يعكس ارتباط هذه الأصناف بطقوس الشهر الفضيل في البلاد.
وتتحول حتى محلات الأكلات السريعة إلى فضاءات تعبق بروائح زاكية، فيما تتزين واجهاتها بصوان عامرة بأشهر الحلويات التونسية وأكثرها مبيعا خلال شهر الصيام، الذي يرتبط لدى التونسيين بالسهرات العائلية والزيارات والحفلات.
وفي أزقة المدينة العتيقة بالعاصمة، بدا المشهد استثنائيا منذ دخول رمضان، فقبل موعد الإفطار بساعات، تمتد الطوابير أمام المحلات، وتتداخل أصوات الباعة المنادين على بضاعتهم مع طلبات الزبائن، بينما تتواصل داخل الورشات الصغيرة حركة متواصلة لتلبية الطلب المتزايد.
داخل محل متواضع تتلألأ واجهته بضوء أصفر دافئ، كان صالح العرفاوي، بائع حلويات، يعجن سميد المقروض بيدين خبرتا المهنة لأكثر من ثلاثين عاما. ويقول وهو يراقب قوام العجين: “نحن نشتغل على مدار السنة، لكن في رمضان يتضاعف الإقبال بشكل كبير. أحيانا نعمل إلى ساعة متأخرة من الليل حتى نوفر الكميات الكافية للزبائن”.
والمقروض، الذي تشتهر به عدة مدن تونسية، تتصدر مدينة القيروان وسط البلاد صناعته بوصفها مرجعا في هذا المجال، فيما يرتبط أيضا بمدن الجنوب مثل قفصة، نظرا لاعتماده على السميد والتمور.
ويحضر هذا النوع من الحلويات من سميد يعجن بالزيت أو السمن، ويحشى بعجينة تمر معطرة بالقرفة أو قشر البرتقال المجفف أو اللوز، ثم يقلى ويغمس في “الشيرة”، أي القطر السكري المركز المعطر بماء الزهر أو بنكهة العطرش التقليدية.
ويؤكد العرفاوي أن المقروض يحضر بقوة على موائد الإفطار والسحور، كما يرافق القهوة العربية في سهرات المدينة العتيقة ومقاهيها التقليدية، ويحرص كثير من الزبائن على اقتنائه لتقديمه للضيوف بعد صلاة التراويح، باعتباره حلوى تجمع العائلة حولها.
كما أشار إلى أن أغلب أصحاب المحلات حريصون على الحفاظ على الجودة رغم ارتفاع الكلفة، مشددا على أن “الحرفة أمانة، والحريف يعرف الفرق بين المنتوج التقليدي الجيد والمنتج المصنع”.
ومع اقتراب موعد الإفطار، يتزايد توافد الزبائن على تلك المحلات، حيث يقتني كل منهم ما يتناسب مع مقدرته الشرائية، غير أن القاسم المشترك يتمثل في حضور طبق الحلويات التقليدية على مائدة رمضان، حيث يقدم بعد الشوربة والبريك لتعويض الطاقة واستكمال طقوس الإفطار.
وإلى جانب المقروض، تتراص الزلابية بخطوطها الدائرية المتشابكة. وتحضر هذه الحلوى من عجين طري يسكب في الزيت الساخن على شكل دوائر حلزونية، ثم يقلى حتى يكتسب لونا ذهبيا قبل أن يغمس في القطر.
وتشتهر بها مناطق مثل باجة في الشمال الغربي وبنزرت في أقصى الشمال، لا سيما في المناطق التي استقر بها الموريسكيون قديما.
وفي محل مجاور، كان الشاب عمران الطرابلسي يشرف على قلي “المخارق”، وهي أصابع طويلة من العجين الطري تغمس في القطر.
ويقول الطرابلسي إن الطلب على الزلابية والمخارق يرتفع بشكل لافت في الأسبوع الأول من رمضان، موضحا أن الكثيرين يبحثون عن الحلويات المغموسة في القطر لتعويض السكريات بسرعة بعد يوم الصيام.
ويضيف أن الحركة في الأسواق العتيقة تشهد انتعاشة واضحة خلال الشهر الكريم، إذ تستعيد المدينة العتيقة حيويتها، ويقصدها زبائن من أحياء بعيدة لاقتناء الحلويات التقليدية، ثقة في جودتها وطابعها الأصيل. ولا يمكن الحديث عن حلويات رمضان في تونس دون التوقف عند “كعك الورقة”، الذي تشتهر به مدينة زغوان شمال شرقي البلاد.
تحضر هذه الحلوى من عجين رقيق جدا يحشى باللوز المعطر بماء الزهر، ثم يخبز ويرش بالسكر الناعم أو يغمس في قطر بنكهة “زهرة النسري” المميزة للجهة.
ويؤكد عدد من أصحاب المحلات أن كعك الورقة، الذي يقدم عادة في الأعراس والمناسبات الكبرى، يحضر أيضا خلال شهر رمضان، خاصة في الزيارات العائلية والسهرات الليلية.
وفي ركن آخر من السوق، ترص صواني البقلاوة بعناية في أوان نحاسية. والبقلاوة التونسية، التي تأثرت بالمطبخ العثماني وطورت خصوصيتها المحلية، تعتمد أساسا على اللوز، وأحيانا على الفستق أو غيره من الفواكه الجافة، مع اعتدال في كمية القطر مقارنة ببعض الأنواع في المنطقة.
ويقول منير الدريدي، صاحب محل حلويات في المدينة العتيقة، إن ذوق الزبائن شهد تغيرا نسبيا في السنوات الأخيرة، موضحا أن الجميع يريد الطعم الأصيل، لكن بحلاوة أقل، لذلك تعدل نسبة السكر، خاصة في رمضان، حتى تكون الحلوى أخف بعد الإفطار.
ويشير الدريدي إلى أن الطلب يتضاعف خلال العشر الأواخر من الشهر، مع تزايد الزيارات العائلية والمناسبات مثل حفلات الختان والخطبة وعقود القران، ما يدفع أصحاب المحلات إلى الاستعداد المسبق وتكثيف ساعات العمل لتلبية الكميات المطلوبة.
ورغم الحركية الكبيرة التي تشهدها الأسواق، لا يخفي أصحاب محلات الحلويات التحديات التي تواجههم، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل اللوز والزيت والسكر.
وفي عمق الدكاكين العتيقة، يتكرر مشهد يومي يجمع بين الأجيال: شيخ ينقل خبرته في صنع الحلويات إلى شاب يتعلم أسرار العجين، وأب يشتري قطعة زلابية لطفله، وامرأة تختار بعناية صينية بقلاوة لزيارة عائلية، فيما يحرص البعض على اقتناء الحلويات لتقديمها للمصلين بعد أداء صلاة التراويح.
ومن المقروض في القيروان وقفصة، إلى زلابية باجة وبنزرت، وصولا إلى كعك الورقة في زغوان، تتجدد الحكاية كل مساء في تونس. وتبقى الحلويات التقليدية في شهر الصيام أكثر من مجرد طعام، إذ تمثل طقسا اجتماعيا وثقافيا يعيد وصل الحاضر بالماضي، ويمنح الأسواق العتيقة نبضا خاصا لا يتكرر إلا في رمضان.