لوحات رندة قعوار.. فضاءات لونية نابضة بالحركة الداخلية

عمّان في 5 يناير 2026 /العُمانية/ تشكّلت البصمة الفنية
للفنانة التشكيلية الأردنية رندة قعوار عبر سنوات من الاشتغال على أعمال تربط بين
البيئة الإنسانية والحراك الاجتماعي وإيقاع الحياة اليومية للناس، عاكسة رؤية إبداعية
عميقة تؤكد على أن الفن متصل بكل تفاصيل الحياة.

وتمتلك الفنانة التي درست الهندسة الزراعية وعملت في مجال فن تنسيق الزهور
الياباني، نظرة جديدة تجاه الطبيعة والوجوه الإنسانية التي يمكن تتبُّع وجودها في
العديد من لوحاتها، إذ ترى أن اللون الفني هو امتداد للطبيعة نفسها، وأن تفاصيل
الحياة اليومية تنطوي على جمال يستحق التوقف عنده، فرسمت بتقنية الزيت على القماش
وباستلهام من المدرسة التجريدية العديد من البورتريهات والمشاهد المستوحاة من
الطبيعة؛ على غرار البيوت القديمة، والطرق الترابية، والمساحات المزهرة، والأشجار
المورقة، موظفة اللون بجرأة خاصة في رسم الوجوه التي ترى أنها تحمل “ألغازًا”
وهي تحاول عكس الدواخل الإنسانية.

كما تؤمن بأهمية التقاطعات في ثنائيات مثل: الماضي/ الحاضر، والأصالة/ الحداثة،
والتراث/ التجريب؛ لإنتاج أعمال تحمل بين طياتها نبرة إنسانية موسومة بالحنين
والرؤى العميقة، وتعتمد تقنيات تظهر هذا المنحى، حيث تعمد إلى إنشاء تفاعل واعٍ بين
اللون والملمس والبناء التشكيلي؛ ما يجعل أعمالها قابلة للقراءة بوصفها نصوصًا بصرية
متعددة الطبقات.

وتبتعد تجربتها عن الإبهار البصري لصالح البساطة في التقنية بوصفها أداة
تفكير ووسيلة لإعادة تنظيم الواقع المعاش في صورة بصرية تعبّر عن هذا الواقع بشكل
مجازي، ومن هنا يشكّل اللون العمود الفقري في أعمالها، إذ تتعامل معه لا كعنصر
تزييني، بل كقيمة بنائية قائمة بذاتها، وغالباً ما تتجه الفنانة لاستخدام طبقات
مركبة من الألوان تُنفَّذ بتدرّج محسوب، يسمح بظهور ما تحت السطح، ويمنح اللوحة
عمقاً بصرياً ونفسياً في الوقت نفسه.

والمتأمل لتجربة قعوار الممتدة على مدى عقود، يلحظ ميلها للألوان الدافئة
والباردة ضمن علاقات توتر محسوبة، لتضع المتلقي أمام فضاء لوني نابض بالحركة
الداخلية، وهي تعمد دوماً إلى كسر نقاء اللون عبر مزجه بألوان ترابية أو رمادية،
وهذا ما يجعل اللون لديها يكتسب بعداً إنسانياً أقرب للذاكرة وما تثيره من أحاسيس
منه للواقع المباشر.

وما يميز أسطح أعمالها هو ذلك الاشتغال المتأني على ملمس السطح؛ إذ لا تكتفي
بضربات الفرشاة التقليدية، بل تلجأ إلى أدوات متعددة، وإلى التحكم بكثافة المادة
اللونية، لإنتاج أسطح متفاوتة الخشونة والنعومة، ويمكن للمشاهد أن يلاحظ أن بعض
هذه الأسطح يكون متشققاً أو محمّلاً بطبقات سميكة من اللون، ما يوجد إحساساً بأن
اللوحة ليست نافذة بصرية فحسب، بل هي نحتٌ له أبعاد ومعان تحيل إلى التآكل أو
التراكم أو الامتلاء وفق الحالة التعبيرية التي تسعى الفنانة إلى بنائها.

وتبتعد الفنانة عن استخدام الخطوط بوصفها عنصراً محدداً صارماً، وتميل لأن يكون
خطها ضمنياً وغير مباشر، فقد ينتج عن التقاء مساحتين لونيتين أو عن حركة فرشاة
خفيفة، وقد يخفَّف أو يكثَّف وفقاً للمراد منه، وهذا ما يمنح لوحاتها سلاسة بصرية
ويجعل التركيز البصري يتجه نحو الكتلة واللون مع الحفاظ على البنية الداخلية
المنضبطة، ذلك أن خطوطها تعمل على قيادة العين بصرياً بخفّة من دون أن تفرض عليها
ذلك.

/العُمانية/ النشرة الثقافية/

شيخة الشحية