تونس 20 جمادى الأولى 1447 هـ الموافق 11 نوفمبر 2025 م واس
في وقت تشهد فيه تونس هذه الأيام حركة نشطة مع انطلاق موسم جني الزيتون، إذ فتحت معاصر الزيت الحديثة أبوابها لاستقبال مئات الأطنان من الزيتون يوميًا قصد عصره وترويجه، ارتأت عائلات تونسية التمسك بطرق الأجداد للحصول على ما يمكن تسميته “روح الزيت” وأجود ما يمكن أن تجود به هذه الشجرة وهو “زيت النضوح”.
ويطلق على “زيت النضوح” في بوادي تونس سيد الزيوت وأجودها، ومنه الغذاء والشفاء؛ له طرق خاصة عند الإعداد, كما تحمل في طياتها رائحة الزمن الجميل ونكهة البوادي والأرياف التونسية.
وخلافًا للطريقة العصرية، فإن إنتاج لتر واحد من “زيت النضوح” بواسطة الطريقة التقليدية يتطلب 20 كيلوجرامًا من حب الزيتون على أقل تقدير.
وبعد جمع حبات الزيتون والعودة بها إلى المنزل، توضع بكميات محددة على قطعة صغيرة من الرخام تبلغ مساحتها مترًا مربعًا، ثم يؤتى بصخرة كبيرة الحجم لها شكل دائري تُسمى “الكرد” تتكون من مادة الجبس والحصى، ويتم بواسطتها طحن الزيتون بشكل يدوي، إذ تمرر الصخرة على حبات الزيتون المتواجدة على رقعة الرخام، وتسمى عملية “التقرقيب” أي الطحن, وبعد ساعة من “التقرقيب”، يتم الحصول على عجين اختلطت فيه حبات الزيتون بنواتها.
ويعود استعمال الصخرة المسماة “الكرد” إلى العهد الروماني، حسب ترجيح الباحث في التاريخ يوسف الشرفي الذي أفاد بأن الحجر الذي يُستخدم في طحن الزيتون يُجلب جله من منطقة القطار بمحافظة قفصة، جنوب غربي تونس.
وبعد مرحلة “التقرقيب”، “يقع تجميع العجين في إناء صغير وعجنه مجددًا باليد المجردة فقط حتى يصبح أكثر تماسكا ولزاجة ويفرز ما به من زيت”، قبل التحول إلى المرحلة الثالثة والأخيرة التي تُسمى “الطفح”، ويتم خلالها نقل العجين مرة أخرى إلى إناء أكبر حجمًا ثم يُسكب الماء عليه بمقدار 20 لترًا على أقصى تقدير ويُفرك العجين يدويًا حتى يتحلل وسط الماء ويخرج ما فيه من زيت يطفو شيئًا فشيئًا فوق الماء وتترسب بقية الشوائب في القاع، وتسمى عملية فرك العجين لدى الفلاحين التونسيين “التفوتير”.
ومع صعود الزيت وتجمعه فوق الماء، يتم أخذه بكفي اليد وبحركات مدروسة ثم يُسكب الزيت في مصفاة لينساب عبرها نحو إناء يوضع أسفل المصفاة تاركًا وراءه بعض الشوائب العالقة بالثقوب الصغيرة، وتتكرر هذه العملية عدة مرات حتى يستنفد عجين حبات الزيتون ما به من زيت، ويسكب جلّه داخل إناء صافٍ خالٍ من جل الشوائب العالقة به، زاخرًا بالفوائد الصحية ويميل لونه إلى الخضرة البراقة وتنبعث منه رائحة قوية.
وبخصوص فوائد “زيت النضوح”، قال مهندس التغذية هشام مزيد: “لزيت الزيتون النضوح فوائد متعددة، فهو يسهل الهضم ومفيد للقلب والأمعاء والمعدة والحنجرة”، مشيرًا إلى أن زيت الزيتون بصفة عامة و”النضوح” بصفة خاصة، إضافة إلى منافعه, وله فوائد إيجابية للجلد والبشرة، وهو يعد من أفضل أنواع الزيت وأجودها وله مذاق متميز وهو بيولوجي؛ مما جعله يتحصل على عدة جوائز عالمية في أجود أنواع الزيوت.
من جانبه يعد عبدالعزيز الرتيبي صاحب معصرة تقليدية، أن هذه النوعية من الزيت منصوح بها صحيًا لاحتوائها على نسبة عالية من العناصر الغذائية والأحماض الدهنية، وثقة التونسي الكبيرة في هذا المنتج تزيد إصرار “المعاصرية” التقليديين على التشبث بهذا الاختصاص رغم الصعوبات الكبيرة.
// انتهى //
21:14 ت مـ
0252