طولكرم 22-9-2026 وفا- هدى حبايب يلاحق المزارع فايز الطنيب الوقت، متنقلاً بين أرجاء مزرعته “حكورتنا” جنوب غرب مدينة طولكرم، محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انتهاء المهلة التي حددتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لهدم منشآت مزرعته. بدا المشهد مختلفا في “حكورتنا”، فبدلا من حركة العمال بين الدفيئات الزراعية، انشغل الطنيب وعدد من المتضامنين وأبناء مدينة طولكرم منذ الصباح بتفكيك ما أمكن من الدفيئات وشبكات الري والمنشآت الزراعية، في سباق مع الزمن لتقليل حجم الخسائر التي قد تترتب في حال تنفيذ قرار الهدم. مع مطلع الأسبوع، بدأ الطنيب بنفسه عملية تفكيك المزرعة التي أمضى في بنائها وتطويرها 43 عاما، بعدما تسلم من سلطات الاحتلال، الأربعاء الماضي، إخطارا يقضي بوقف الأعمال وهدم منشآت “حكورتنا”، الواقعة بالقرب من جدار الفصل والتوسع العنصري، ومنحه مهلة أسبوع للاعتراض على القرار. المهلة تنتهي اليوم الثلاثاء، وقد اضطر إلى البدء بالتفكيك بيديه، حتى لا يجد نفسه أمام تكاليف هدم إضافية وخسائر أكبر، يقول الطنيب. موسم أخير وبينما كانت أيدي العمال تفكك هياكل الدفيئات، انشغل آخرون بقطف محصول الخيار، كانت تلك بالنسبة إلى الطنيب القطفة الثانية والأخيرة لهذا الموسم. يقول الطنيب بحسرة: إن الخيار الذي يُقطف اليوم كان من المفترض أن يواصل موسمه، لكن قرار الاحتلال وضع حدا لذلك، مؤكدا أن ما يجري ليس مجرد تفكيك لمنشآت زراعية، وإنما اقتلاع لسنوات طويلة من العمل. وتبلغ مساحة “حكورتنا” نحو 32 دونما، استولى جدار الفصل والتوسع العنصري على نحو 16 دونماً منها، لتتقلص المساحة التي ظل الطنيب يعمل فيها ويطورها على مدار العقود. وتضم المزرعة نحو 10 دفيئات زراعية، منها دفيئة للزعتر، كما تضم المزرعة مخزنا يحتوي الأدوات والمعدات الزراعية، إضافة إلى أنظمة للزراعة المائية وتربية الأسماك، وأشجار مثمرة من الموز والعنب والأفوجادو والمحاصيل الاستوائية وغيرها، ومشتل يضم نحو 35 ألف شتلة متنوعة. 43 عاما من العمل لا يتحدث الطنيب عن “حكورتنا” كمزرعة فحسب، بل كمشروع حياة امتد على مدى أكثر من أربعة عقود، عمل على إنجازها برفقة زوجته منى الطنيب وأولاده. ورغم كل هذه الظروف، حافظ الطنيب على نهج المزرعة بوصفها من المزارع المبادرة في مجال الزراعة العضوية الخالية من المواد الكيميائية، التي تعتمد أساليب الزراعة الصديقة للبيئة والإنسان، وتبتعد قدر الإمكان عن استخدام المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية، في محاولة للحفاظ على الأرض وإنتاج غذاء صحي ومستدام وتحقيق الأمن الغذائي. وعلى مدار 43 عاما، كانت المزرعة محطة لاستضافة وفود محلية ودولية من بلدان مختلفة، ومساحة للتبادل الثقافي والإنساني، كما درب فيها مئات طلبة الجامعات، ولا سيما طلبة الكليات الزراعية. ويشير الطنيب إلى أن المزرعة لم تكن مجرد مساحة للإنتاج الزراعي، بل مكانا حمل تجربة إنسانية وثقافية وتعليمية، واحتضن على مدار سنوات طلبة ومزارعين ووفوداً من داخل فلسطين وخارجها، لكن كل ذلك بات مهدداً بالزوال خلال ساعات. ويتجول الطنيب بين منشآت مزرعته، يوثق بهاتفه تفاصيل المكان الذي بناه على مدار عقود، فيما تبدو علامات الألم والحسرة واضحة على وجهه. ويقول إن أعلى الدفيئات في مزرعته لا يتجاوز ارتفاعها ثلاثة أمتار، متسائلا عن سبب اعتبارها تهديدا من الاحتلال، في الوقت الذي توجد فيه، بمحاذاة المزرعة، منشآت صناعية تابعة لمصانع “غيشوري” ترتفع عشرات الأمتار، وهي مصانع كيميائية إسرائيلية وصفها بأنها مصانع الموت بسبب السموم التي تبثها وتتجه نحو محافظة طولكرم. ويقول بألم: “كل الجهد الذي بنيناه طوال السنوات سيذهب بلمح البصر”. دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومع اقتراب انتهاء المهلة، وجه الطنيب نداءً إلى المواطنين والمتضامنين لمساعدته على تفكيك الدفيئات والمنشآت، في محاولة لإنقاذ جزء من المعدات والمستلزمات الزراعية قبل تنفيذ القرار. وبينما تتساقط أجزاء من الهياكل الحديدية، وتفكك شبكات الري، تُقطف آخر ثمار الموسم، في مشهد يلخص بالنسبة إلى الطنيب نهاية مرحلة كاملة من حياته الزراعية. ولم تكن “حكورتنا” بمنأى عن ممارسات الاحتلال طوال سنوات عملها، إذ تحاصرها مصانع “غيشوري” الإسرائيلية للمواد الكيميائية، التي كانت مخلفاتها تصل إلى أرض المزرعة وتتسبب في أضرار وخسائر كبيرة للمحاصيل الزراعية. ورغم ذلك، واصل العمل على حماية مزرعته والحفاظ عليها، وبذل جهداً متواصلاً لإبقائها على قيد الحياة والإنتاج والعطاء. كما واجهت المزرعة مراقبة متواصلة من جنود الاحتلال، الذين كانوا يراقبون المكان، ويطلقون النار باتجاهه في أوقات مختلفة، وفقا للطنيب، في ظل ظروف جعلت استمرار العمل الزراعي فيها تحديا يوميا. ولم تقتصر مضايقات الاحتلال، وفق الطنيب، على مزرعته، إذ تعرّض منزله لاقتحامات متكررة رافقها تخريب لمحتوياته. في “حكورتنا”، لا يملك الطنيب اليوم سوى أن يسرع الخطى بين الدفيئات، ينقذ ما يستطيع ويوثق ما تبقى من المكان، قبل أن تنتهي المهلة. — هـ.ح/ م.ل