رمضان / مركاز البلد الأمين.. من مجالس الحارات إلى منصة حضرية تُعيد تشكيل المشهد الثقافي الرمضاني وتعزّز جودة الحياة

مكة المكرمة 05 رمضان 1447 هـ الموافق 22 فبراير 2026 م واس
يمثّل مركاز البلد الأمين نموذجًا حضريًا متقدّمًا يعكس قدرة المجتمع على تطوير ممارساته الاجتماعية التقليدية وتحويلها إلى منصّات مؤسسية معاصرة تُسهم في تعزيز جودة الحياة، وتوسيع دائرة التأثير الثقافي والاجتماعي، لا سيما خلال شهر رمضان المبارك الذي تتجلّى فيه القيم الروحية والاجتماعية بأسمى صورها.
وفي جذوره التاريخية، ارتبط المركاز في مكة المكرمة بمجالس الحارات، بوصفه فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا يُدار فيه الحوار، وتُبنى عبره العلاقات، وتتداول الخبرات اليومية، بما أسهم في ترسيخ التماسك الاجتماعي، وتقريب المسافات بين أفراد المجتمع، وجعل من هذه المجالس عنصرًا فاعلًا في تنظيم الحياة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة المشاركة والتواصل المباشر.
ومع تسارع التحوّلات الحضرية، وتغيّر أنماط السكن والعمل، وتراجع مساحات اللقاء الطبيعي، برزت الحاجة إلى إعادة تقديم هذه الممارسة الاجتماعية بصيغة حديثة، لا بوصفها استعادة للماضي، بل حلًا حضريًا يعالج فجوات اجتماعية معاصرة، ويعيد الاعتبار لفكرة “المكان الجامع” داخل المدينة.
وجاء مركاز البلد الأمين بصيغته الحديثة ضمن إطار منظّم تشرف عليه أمانة العاصمة المقدسة، ليؤدي دورًا يتجاوز تنظيم الأمسيات الرمضانية إلى بناء منصّة مجتمعية تُدار باحتراف، وتُصمَّم برامجها بعناية لتحقيق التوازن بين البعد الثقافي والبعد الاجتماعي، وتحويل المركاز إلى مساحة إنتاج للحوار والمعرفة، لا مجرد فضاء استقبال.
ويجسّد المشروع هذا التحوّل المؤسسي من خلال بنيته المكانية والتنفيذية؛ إذ أُنجز مركاز البلد الأمين على مساحةٍ تبلغ 22,000 مترٍ مربع، خلال 60 يومًا من العمل المتواصل، بمشاركة 380 عاملًا يعملون على مدار الساعة، وبإشراف أكثر من 30 مهندسًا معماريًا وإنشائيًا ومدنيًا، ضمن منظومة تنفيذية متكاملة عكست مستوى الجاهزية والتخطيط. ويعتمد المركاز على هيكلٍ إنشائي صُمِّم في نيوزيلندا، ليقدّم تجربة إثرائية مختلفة تمزج الابتكار الهندسي والوظيفة الاجتماعية، وفق معايير عالمية في تصميم الفضاءات العامة.
ويُسهم مركاز البلد الأمين في تعزيز جودة الحياة من خلال إعادة بناء الإيقاع الاجتماعي الرمضاني، عبر لقاءات منتظمة تجمع مختلف الفئات العمرية والثقافية في مكان واحد، بما يعزّز الشعور بالانتماء، ويقوّي الروابط الاجتماعية.
ومن الناحية الثقافية، يعمل المركاز على تحويل الحوار من ممارسة فردية إلى نشاط مجتمعي منظّم، تُناقش من خلاله التحوّلات الاجتماعية، والعمل البلدي، وجودة الحياة، في بيئة حضارية راقية تُسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتعزيز التفاعل الإيجابي مع قضايا المدينة.
ويحمل اختيار موقع المركاز عند بوابة مكة دلالة تخطيطية مهمّة، تعكس دمج الموروث الاجتماعي ضمن النسيج الحضري الحديث، وتحويل الفضاء العام إلى منصّة ثقافية واجتماعية فاعلة، بما ينسجم مع التوجّه نحو تفعيل الأماكن العامة بوصفها عناصر داعمة لجودة الحياة، لا مجرد مساحات عبور.
ويُظهر هذا التحوّل أن مركاز البلد الأمين بات نموذجًا تطبيقيًا لكيفية توظيف العادات الاجتماعية في دعم التنمية الاجتماعية الحضرية، عبر نقلها من العفوية إلى المؤسسية، ومن النطاق المحلي إلى الفضاء المديني المفتوح، مع الحفاظ على جوهرها القائم على التواصل والتلاقي.
ولم يعد مركاز البلد الأمين ممارسة رمضانية مرتبطة بالحنين إلى الماضي، بل أصبح منصّة اجتماعية وثقافية معاصرة تُسهم في تحسين نمط العيش، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتطوير المشهد الثقافي الرمضاني في مكة المكرمة، مؤكدًا قدرة المدينة على الجمع بين أصالة الموروث واحترافية الحاضر في آنٍ واحد.
// انتهى //
22:08 ت مـ
0137