الدقم في 2 مارس 2026 /العُمانية/ تعد الدقم واحدة من أغنى ولايات سلطنة عُمان التي تتمتع بعمق تاريخي عريق، لتضمنها أكثر من ألف موقع أثري اكتُشف من قِبل فرق البحث والتنقيب، وتعكس طبيعة المجتمعات التي استوطنت المنطقة والروابط الثقافية بين جنوب وشمال عُمان، ويُعد وادي نفون مكانًا استثنائيًّا يضم فنونًا صخرية وتلالًا من الأصداف الاستيطانية وقبورًا، وشواهد ثلاثية الحجارة، وكان مكانًا مهمًا للتجمع الاجتماعي والتنقل.وقال الدكتور علي بن حمود المحروقي مدير دائرة المسوحات والتنقيبات الأثرية بوزارة التراث والثقافة في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن الأدلة الأثرية التي عُثر عليها في الدقم تشير إلى أن أول استيطان بشري في الدقم يعود إلى نحو 100 ألف عام، حيث عُثر في عام 2023 لأول مرة على أدوات حجرية من العصر الحجري الأوسط في “وادي باو” غرب الدقم.وأضاف المحروقي أن هذا الاكتشاف يعزز فهمنا للهجرات البشرية المبكرة من القارة الأفريقية إلى الجزيرة العربية وأوراسيا، لافتًا الى أن “الملجأ الصخري في وادي صاي كان مخيمًا للصيد وورشة لصنع الأسلحة الحجرية، حيث كشفت التنقيبات الأثرية عن 32 رأس سهم من الصوان والعديد من المواقد التي يرجع تاريخها ما بين ألف إلى 7 آلاف و500 سنة مضت، كما يُعد وادي صاي أول موقع يُعثر عليه في عُمان يظهر فيه المرحلة الانتقالية من نهاية العصر الحجري القديم المتأخر إلى بداية العصر الحجري الحديث.وأوضح أن القبر الجماعي الضخم الذي يعود إلى العصر الحجري الحديث وتم اكتشافه في “نفون” ويطل على واديها، يحتوي على بقايا أكثر من 50 شخصًا، وأظهرت نتائج تحليل الكربون المشع المأخوذة من الفحم والعظام أن الموتى دُفنوا هناك ما بين 6600 و 7000 سنة مضت، ويعد هذا القبر أقدم عمارة جنائزية ضخمة معروفة في جنوب الجزيرة العربية على حد علمنا، كما تعد الرابية الصدفية في نفون مستوطنة ساحلية فريدة من نوعها، نتج عنها أكوام ضخمة من بقايا نفايات الأصداف، ويبدو أن الموقع استُخدم قبل ثلاثة آلاف عام كميناء مؤقت للتزود بالمياه العذبة وتبادل السلع بين البحارة وسكان المناطق الداخلية في شمال عُمان.وذكر أن من بين المكتشفات الأثرية في الدقم الشواهد الثلاثية الحجارة التي تعد نُصُبًا حجرية غامضة يعود تاريخها إلى ما قبل ألفي عام، وتنتشر عبر المرتفعات الساحلية الممتدة من شرق اليمن إلى شمال عُمان، وقد استخدمها البدو لأغراض متنوعة، وفي عام 2018 نُقل أحد هذه النُصب المهددة بالخطر من الدقم إلى المعرض الدائم في المتحف الوطني بمسقط.من جانبها قالت بثينة بنت راشد الغفيلي أخصائية آثار بوزارة التراث والسياحة: “إن منطقة الصافية بوادي نفون تضم أكثر من 500 رسم صخري موزعة على 62 صخرة، تقع على نتوءات من الحجر الجيري، وتعرضت للتعرية بفعل العوامل الطبيعية كالأمطار والرياح عبر العصور، مما أدى إلى تكوّن أسطح صخرية أشبه بالألواح، استغلها الإنسان القديم لعمل تلك النقوش عليها من الفن الصخري لأشكال الجمال والصيادين والخيول والسلاحف والحبار وعناصر أُخرى، بالإضافة إلى 300 نقش بالخط العربي الجنوبي، نُقشت على مدى زمني يتراوح ما بين سبعة آلاف إلى ألف سنة مضت، مما يجعل الموقع مميزًا وفريدًا في شبه الجزيرة العربية.وأضافت أن في وادي نفون توجد عدة موضوعات في الفن الصخري، فهي لا تقتصر على الجِمال فقط بل تم اكتشاف صخرة مميزة تعرض مشاهد تتضمن موضوعات وعناصر مرتبطة بالبيئة البحرية، من بينها الحيتان وتحديدًا حوت العنبر، إضافة إلى 13 سلحفاة بحرية وهو أمر غير مألوف في الفن الصخري في عُمان، مشيرة إلى وجود أمثلة قليلة فقط لهذا النوع من السلاحف في جبال الحجر، أما في هذه المنطقة (الدقم) فكان اكتشافًا جديدًا كليًّا.وأوضحت أنه خلال الموسم الحالي للتنقيبات الأثرية تم العثور على المزيد من نقوش الفن الصخري التي تحتوي على رسومات للجمال في معظمها تعود إلى العصر الحديدي المتأخر، فيما يعرف بفترة سمد الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، أي قبل نحو ألفي عام تقريبًا، لافتة إلى أن في تلك الفترة بدأ الناس بالكتابة باستخدام حروف من أحد الأبجديات العربية الجنوبية، وتوجد منها في وادي نفون مجموعة تقارب 300 نقش كتابي من هذا النوع.وأكدت أن “أهمية الصخور التي تم العمل عليها خلال الموسم الحالي، أنها تقع مباشرة مقابل البحر، ومن المرجح أن جماعات العصر الحجري الحديث كانت تصطاد هذه الحيوانات وتتغذى عليها، كما قامت بتمثيلها في النقوش الصخرية، حيث لا نجد في هذه الرسوم تصويرًا مباشرًا لعملية صيد تلك الحيوانات، مما يرجح أن المعنى قد يكون مرتبطًا أيضًا بدلالات رمزية.وتحدثت الدكتورة ألزبيتا دانيليسوفا من معهد علم الآثار التابع للأكاديمية التشيكية للعلوم في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية حول أعمال التنقيب التي تجريها قائلة: “البعثة انطلقت أعمالها عام 2020 بعد إجراء عدد من المسوحات الاستكشافية في فترات سابقة، حيث اخترنا عدة مواقع رأينا أنها تستحق مزيدًا من التحقيق الأثري، وبدأنا أعمال التنقيب في موقع شل ميدان على الساحل، وكان يعود إلى فترة العصر الحديدي، ونفذنا فيه عدة مجسات تنقيبية إلا أنه بناءً على نتائج المسح الذي أُجري في العام نفسه، قررنا اتباع استراتيجية مختلفة والتركيز على المقابر في المنطقة”، ثم جاءت جائحة كورونا، فلم نتمكن من العودة، واستأنفنا نشاطنا في عام 2022، حيث بدأنا تنقيب القبر الكبير العائد إلى العصر الحجري الحديث، ونحن الآن في موسمنا السادس، ومن المرجح أن ننفذ موسمين إضافيين نستكمل خلالهما أعمال التنقيب في المدفن الحجري الحديث، ثم ننتقل إلى المقابر اللاحقة المحيطة به”.وحول أهمية الموقع أوضحت أنه “ذو أهمية كبيرة، وهو فريد على مستوى المنطقة العربية، إذ يجمع بين عناصر معروفة في أماكن أخرى مثل العمارة الضخمة، لكنه يقدمها في سياق مختلف، فقد شُيّد باستخدام ألواح حجرية كبيرة قائمة، جرى تشكيلها ونصبها لتكوين مدافن دائرية، وهذه العمارة معروفة في أماكن أخرى، لكن لم تُسجل سابقًا وهي مرتبطة بسياق جنائزي، ما يجعلها حالة استثنائية، كما يحتوي الموقع على عدد كبير من الدفنات، ما يشير إلى أنه ظل قيد الاستخدام لفترة طويلة، وبفضل تحاليل التأريخ بالكربون المشع التي أجريناها في المواسم السابقة، تبيّن أن الموقع استُخدم لما لا يقل عن 300 عام، من قبل مجموعات بشرية مختلفة، ولم نعثر حتى الآن على مستوطنات واضحة في المنطقة تتناسب مع حجم هذا المجتمع المدفون هنا، رغم أننا بدأنا نكتشف بعض المؤشرات، وتشير التحاليل النظيرية التي أجريناها إلى أن الأفراد المدفونين قدموا من مناطق متباعدة جدًا، ما يؤكد الطابع الاستثنائي للموقع”.وأشارت إلى أنه “لا يُعرف في عُمان حتى الآن موقع دفن جماعي بهذا الحجم، إذ توجد مدافن في رأس الحمراء ورأس الجنز، لكنها لا تقارن من حيث العمارة الضخمة، وأقرب موقع مشابه هو جبل بويس 18، الذي يضم عددًا كبيرًا من الدفنات، لكنه يفتقر إلى العمارة التذكارية، لذلك يمكن القول إن هذا الموقع فريد على مستوى جنوب شرق الجزيرة العربية بأكملها”.وقالت الدكتورة ألزبيتا دانيليسوفا من معهد علم الآثار التابع للأكاديمية التشيكية للعلوم: “إن أبرز ما تم اكتشافه يتمثل في الدلالة العميقة على الحياة الطقسية والاجتماعية لمجتمعات العصر الحجري الحديث، فلدينا أدلة على أنهم كانوا قادرين على قطع مسافات طويلة ومشاركة فضاء طقسي مقدس مشترك، رغم اختلاف أنماط حياتهم، ما يعكس وحدة في المعتقدات والشعائر، كان هؤلاء الناس كثيري التنقل، ومن خلال دراسة الأدوات الحجرية التي أجرتها ماريا بيا مايورانو عضوة في فريق التنقيب تبين أن رؤوس السهام والنصال تشير إلى حركة واسعة غطت عُمان والخليج، مع اتصال ببحر العرب، ويُرجح أنهم امتلكوا قوارب ومهارات للإبحار على طول السواحل، خاصة أن أسنان القرش المكتشفة قد تكون جُمعت من البحر المفتوح، ما يدل على معرفة بطرق الملاحة البحرية”.وحول النقوش الصخرية المميزة التي تم العثور عليها في الدقم بيّنت أن معظمها يعود إلى العصر الحديدي، ويبلغ عددها آلاف النقوش، وتصور في الغالب الجِمال، إضافة إلى كتابات بالخط العربي الجنوبي القديم، وقد جرى فك رموز بعض هذه النقوش، وهي تتضمن أسماء أشخاص يُرجح أنهم مروا بالمكان، وربما سجلوا معلومات عن الجمال أو الظروف المحلية، ولكن هناك لوحة محددة تعود إلى العصر الحجري الحديث، اكتشفها البروفيسور أنجيلو فوساتي من ميلانو.كما تُظهر هذه اللوحة صور سلاحف ضخمة من نوع السلحفاة جلدية الظهر وهناك أدلة على وجود طقوس دفن ارتبطت بالسلاحف في العصر الحجري الحديث، رغم أننا لم نعثر سوى على عظمة واحدة لسلحفاة في القبر حتى الآن، كما تتضمن اللوحة رسومًا لحيوانات بحرية أخرى، مثل الحوت والحبار وسمكة مولا مولا وغيرها، ما يعكس ارتباط المعتقدات الطقسية بالبحر”، مشيرة إلى طريقة البناء بالحجر في المدافن المكتشفة حيث استُخرج الحجر المستخدم من الوادي والمناطق القريبة.وأكد الجيولوجي المرافق للبعثة أن نوع الحجر الجيري المستعمل يتميز بقابليته للانفصال إلى طبقات، ما سهّل تشكيله، وحُفرت خنادق صغيرة ووضعت فيها الألواح الحجرية وثُبتت في القاعدة لمنع سقوطها، ثم أُحيطت بجدار خارجي من الحجارة المستديرة المنقولة من الوادي، ولم يكن الارتفاع كبيرًا، إذ بلغ نحو متر و20 سنتيمترًا، ويُعتقد أن المدفن كان مفتوحًا من الأعلى، إذ لا يوجد مدخل جانبي، وكان الوصول يتم من الأعلى، أي أنه لم يكن غرفة مغلقة بقدر ما كان حيزًا محاطًا، وبالنظر إلى الرياح الموسمية القوية التي تضرب المنطقة عدة أشهر في السنة، توجد أدلة على أن الرياح والأمطار كانت تدخل القبر وتؤدي إلى تآكله أو غمره دوريًا.وتشير طبيعة البقايا البشرية إلى أنها لم تكن جثامين كاملة، بل كانت الأجساد تُلف في حصير أو نسيج ثم توضع في المدفن، ما يفتح احتمال أن بعض الأفراد توفوا في أماكن بعيدة ونُقلوا إلى هذا الموقع، ما يدل على أهميته الرمزية الكبيرة./العُمانية/ النشرة الثقافيةعوض المديلوي