“الخزانة الذكية” في مكتبات الشارقة تتيح استعارة الكتب ذاتيا على مدار الساعة

الشارقة في 8 أبريل/ وام/ في مكتبات الشارقة العامة لم يعد الوصول إلى الكتاب مرتبطاً بوقت الدوام أو دخول المبنى إذ تتيح خدمة “الخزانة الذكية” للأعضاء استعارة الكتب ذاتياً على مدار الساعة .

وتبدأ العملية بحجز العناوين المطلوبة عبر فهرس المكتبة الإلكتروني ثم استلامها من الخزانة الذكية الموجودة عند البوابة الخلفية لمكتبة الشارقة باستخدام الهوية الإماراتية أو بطاقة العضوية بما يوسّع نطاق الوصول إلى المعرفة خارج الأطر الزمنية التقليدية ويعكس تحوّل المكتبة إلى خدمة مرنة تتمحور حول احتياجات المستخدم.

هذا المشهد الرقمي المتقدِّم يقوم في جوهره على عملية تنظيم المعرفة قبل إتاحتها عن طريق نظام الفهرسة المعتمد على القواعد الإنجلو أمريكية في الفهرسة وتصنيف ديوي العشري. ففي مكتبة تعود جذورها إلى ما قبل مئة عام وتحديداً 1925 شكّل نظام الفهرسة بمختلف مراحله العمود الفقري الذي ربط بين الكتاب والقارئ قبل وخلال تحول المكتبة تدريجياً إلى شبكة من 6 فروع تغطي مدن الإمارة وتضم اليوم أكثر من 791,328 مصدر معرفي متنوع وإتاحة الوصول إلى أكثر من 15 مليون مورد إلكتروني.

ولفهم حجم التحول الذي شهدته مكتبات الشارقة في نظم الفهرسة لا بد من العودة إلى الجذور العالمية لـ”بطاقة الفهرسة” فإحدى أقدم الوثائق التي ترسم ملامح هذا النظام تعود إلى عام 1791 خلال الثورة الفرنسية حين استخدمت البطاقات المرتبة أبجدياً وفق المؤلف أو العنوان كما يوثق تاريخ المكتبات اعتماد فهرس البطاقات بشكل منظم في مكتبة هارفارد منذ عام 1840.

ولاحقاً نقلت مكتبة الكونغرس هذا النموذج إلى مرحلة الإنتاج الواسع مع بدء طباعة بطاقات الفهرسة للكتب الجديدة عام 1901 حيث تجاوز الفهرس 22 مليون بطاقة موزعة على 22 ألف درج ومع نهاية القرن طُويت صفحة هذا النظام عملياً إذ توثق مصادر رسمية لمكتبة الكونغرس أن آخر بطاقة فهرسة طُبعت عام 1997.

وبدأ التحول الجوهري في عمل المكتبات مع انتقال الفهرسة إلى “لغة الآلة” عبر تطوير معيار MARC عام 1968 الذي أتاح تسجيل بيانات الكتب بصيغة رقمية موحّدة قابلة للتبادل بين الأنظمة ومع اعتماد هذا المعيار برزت الفهرسة التعاونية التي مكّنت المكتبات من مشاركة السجلات الجاهزة وتكرّس هذا التحول بإطلاق أول نظام فهرسة تشاركي إلكتروني عام 1971 قبل أن يُطوى عملياً عصر بطاقات الفهرسة مع التوقف النهائي عن طباعتها عام 2015.

وعلى مستوى مكتبات الشارقة العامة شكّل افتتاح المبنى الجديد عام 2011 محطة أساسية في تحديث الخدمات والانتقال المنهجي نحو الأنظمة الرقمية حيث جرى اعتماد أنظمة آلية لإدارة الفهارس والإعارة باللغتين العربية والإنجليزية ومع هذا التحول توسع الحضور الرقمي للمكتبات فأُتيحت آلاف الكتب الإلكترونية والصوتية عبر المنصة الرقمية بحلول عام 2019 وجاء عام 2020 ليبرز الأثر العملي لهذا المسار مع فتح الوصول إلى ملايين الموارد الإلكترونية متعددة اللغات ما أسهم في زيادة عضوية المستفيدين بنسبة 70% واستقطاب مستخدمين من عشرات الجنسيات.

ويبرز هذا التحول كذلك في البعد التعليمي والمهني للمكتبات حيث أُطلقت “مكتبة المعرفة الذكية” عام 2021 كمنصة للدورات الافتراضية المتخصصة قبل أن تعلن مكتبات الشارقة في 2025 إطلاق نسخة مطوّرة منها تعتمد مسارات تعليمية قصيرة واختبارات رقمية وشهادات فورية بتصميم متوافق مع الهواتف الذكية.

وفي السياق المهني ذاته اتجهت “مكتبات الشارقة” إلى تعميق النقاش حول مستقبل العمل المكتبي باختيار “الذكاء الاصطناعي في المكتبات: الابتكار والأثر” محوراً لدورة 2025–2026 المرتبطة بجائزة ملتقى الأدب المكتبي في مؤشر على انتقال الاهتمام من رقمنة المحتوى إلى تطوير الممارسات المؤسسية باستخدام التقنيات المتقدمة.

وفي امتداد هذا المسار تتجه المكتبات عالمياً نحو مرحلة تتجاوز معايير MARC وواجهات البحث التقليدية باتجاه نماذج قائمة على “البيانات المترابطة” التي تجعل السجل الببليوغرافي جزءاً من شبكة دلالية أوسع تعزز الاكتشاف وتعمّق البحث.

وضمن هذا الإطار يمكن قراءة تجربة مكتبات الشارقة في مئويتها بوصفها مساراً متدرجاً بدأ بفهرسة تهدف إلى تمكين المستخدم من تحديد موقع الكتاب والوصول إليه بسهولة ثم انتقل إلى الاكتشاف الرقمي واسع النطاق فيما تُرسم ملامح المرحلة المقبلة على تطوير تجربة بحث أكثر دقة وذكاءً تجمع بين المعايير العالمية والهوية المعرفية المحلية التي تميّز مجموعاتها.