“جائزة الشيخ زايد للكتاب” .. عقدان من الإبداع والمعرفة

أبوظبي في 25 مايو / وام / رسخت جائزة الشيخ زايد للكتاب، منذ انطلاقتها عام 2006، مكانتها كإحدى أبرز الجوائز الأدبية والثقافية في العالم العربي، ومنصة معرفية عالمية تعكس رؤية دولة الإمارات في جعل الثقافة ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وجسراً للحوار بين الشعوب والحضارات.

ومع مرور عقدين على تأسيسها، تواصل الجائزة مسيرتها بوصفها مشروعاً ثقافياً متكاملاً تجاوز حدود التكريم إلى صناعة أثر معرفي وإنساني ممتد على الساحة الدولية.

وحملت الجائزة اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تجسيداً لنهجه القائم على دعم العلم والمعرفة والانفتاح الحضاري.

وعلى مدار عشرين عاماً، تحولت من مبادرة وطنية للاحتفاء بالمبدعين إلى واحدة من أهم الجوائز العالمية من حيث القيمة والتأثير، وأسهمت في إبراز الوجه الحضاري للثقافة العربية وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العالمي.

واستقطبت الجائزة خلال مسيرتها أكثر من 33 ألف مشاركة من نحو 80 دولة، وكرمت الفائزين من الأدباء والمفكرين والباحثين والمؤسسات الثقافية حول العالم، ضمن عشرة فروع تغطي مجالات معرفية وإبداعية متعددة، تشمل الآداب، والترجمة، وأدب الطفل والناشئة، والمؤلف الشاب، والفنون والدراسات النقدية، والتنمية وبناء الدولة، والثقافة العربية في اللغات الأخرى، وتحقيق المخطوطات، والنشر والتقنيات الثقافية، إضافة إلى جائزة “شخصية العام الثقافية”.

وشهدت الجائزة عبر دوراتها المتعاقبة نمواً متسارعاً في حجم المشاركات والتأثير الثقافي، فمنذ الدورة الأولى التي سجلت 1220 ترشيحاً، واصلت الجائزة توسعها لتستقبل في دورتها العشرين، مشاركة واسعة تجاوزت 4000 ترشيح من 74 دولة، ما يؤكد دورها المتنامي في دعم الإبداع وترسيخ حضور الأدب العربي في الثقافة العالمية، وتعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات على المستويين الثقافي والمعرفي.

ولم يقتصر أثر الجائزة على تكريم المبدعين، بل امتد إلى دعم حركة الترجمة والنشر والبحث العلمي، حيث أطلقت عام 2018 “منحة الترجمة” التي تهدف لإصدار عشرات الترجمات إلى 12 لغة عالمية، مانحة الأعمال العربية الفائزة والمرشحة فرصة الوصول إلى قراء جدد حول العالم، ومؤكدة الدور الريادي للإمارات في تعزيز الحوار الثقافي وتدويل المعرفة.

وأسهمت الجائزة في ترسيخ حضور المرأة في المشهد الثقافي، عبر ارتفاع نسب مشاركات الكاتبات والباحثات، وفوز أسماء نسائية بارزة في فروع متعددة، إلى جانب مشاركة أكاديميات ومثقفات في لجان التحكيم والهيئات العلمية، بما يعكس التزام الجائزة بالتنوع والانفتاح ودعم الطاقات الإبداعية.

وعلى المستوى الدولي، نظمت الجائزة أكثر من 200 فعالية ثقافية وفكرية في عواصم ومدن عالمية، من بينها باريس، ولندن، ومدريد، وفرانكفورت، ونيويورك، وطوكيو، ونيودلهي، بالتعاون مع جامعات ومراكز أبحاث ودور نشر دولية، في إطار جهودها لبناء جسور التواصل الحضاري وتعزيز الحضور العالمي للثقافة العربية.

ويشهد عام 2026 برنامجاً دولياً حافلاً احتفاء بمرور عقدين على تأسيس الجائزة، يتضمن سلسلة من الفعاليات والبرامج الثقافية والأكاديمية التي تستعرض إرثها المعرفي وتأثيرها في دعم الأدب والفكر والترجمة على المستويين العربي والعالمي، تأكيداً لاستمرار رسالتها في تمكين الإبداع وتعزيز حضور الثقافة العربية في المشهد الإنساني المعاصر.

وفي هذا السياق، نظمت الجائزة، التابعة لـ مركز أبوظبي للغة العربية، مؤتمراً أكاديمياً في إيطاليا خلال الفترة من 11 إلى 15 مايو الماضي، بالتعاون مع 3 جامعات إيطالية عريقة هي جامعة “ألما ماتر ستوديوروم”، وجامعة “كا فوسكاري”، وجامعة “لورينتالي”.

وحمل المؤتمر عنوان “الأصالة والسلطوية والوساطة: من الترجمة الكلاسيكية إلى الثقافات الأدبية المعاصرة والإنسانيات الرقمية”، حيث استضافت كل جامعة نسخة مستقلة من فعالياته، بمشاركة أكاديميين وباحثين متخصصين في الدراسات الأدبية والترجمة والإنسانيات الرقمية.

وسلط المؤتمر الضوء على تقاليد الترجمة الكلاسيكية وإعادة قراءتها في ضوء التحولات المعاصرة المرتبطة بالتكنولوجيا وأشكال التعبير اللغوي الحديثة والنشر الرقمي، مع التركيز على مسارات انتقال الأعمال اليونانية واللاتينية إلى الحركة الإنسانية الإيطالية عبر اللغة العربية، ما يعكس الدور التاريخي للحضارة العربية في نقل المعرفة وصناعة التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب.

واعتمدت الجائزة على مدى عقدين من الزمن، منظومة تحكيم دقيقة تستند إلى معايير راسخة تقوم على أصالة العمل، وعمق المعالجة الفكرية و الإبداعية، وجودة اللغة والبناء، والالتزام بأصول البحث والتوثيق، بما يضمن أعلى درجات النزاهة والشفافية والاحترافية في اختيار الأعمال الفائزة.

واليوم، تدخل “جائزة الشيخ زايد للكتاب” عقدها الثالث مستندة إلى إرث ثقافي متين وتجربة معرفية رائدة، مواصلة رسالتها في تمكين المبدعين والباحثين، وتعزيز حضور اللغة والثقافة العربية عالمياً.