مفتي العقبة: الهجرة النبوية أنموذج إنساني للحفاظ على سلامة المجتمعات

العقبة 16حزيران (بترا)-دينا محادين- أكد مفتي محافظة العقبة الشيخ
محمد الجهني، أن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر،
إنما هي أرفع أنموذج إنساني للحفاظ على سلامة المجتمعات، وإيثار البذل
والعطاء على التنازع والتصارع، مشيراً إلى أن الأردن يعيش معناها العميق
يومياً وكل ساعة، واقعاً حياً وحقيقة ماثلة.

وقال الجهني خلال حديث لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) بهذه المناسبة،
إن الهجرة النبوية جاءت في سياق ضيق المنظومة الجاهلية التي سخّرت
العقول للجماد، وأضاعت الطاقات البشرية، وظلمت المرأة، ووأدت الطفلة،
وقطعت الأرحام، واستعبدت الأحرار، وأشاعت الفوضى والحروب القبلية قروناً
متتالية بالنور والحرية والكرامة؛ مما استوجب البحث عن تأمين للمشروع
الحضاري الإسلامي الذي جاء لإنقاذ البشرية جمعاء.

وأضاف المفتي أن المدينة المنورة كانت الملاذ الذي احتضن هذا المشروع،
بفضل الأنصار الذين تبوّؤوا الدار والإيمان، فتقاسموا الرغيف والخوف
والأرزاق والهموم والابتلاءات، ودفعوا ثمن هذا الاختيار من دماء
أبنائهم، وصمدوا حين تكالبت عليهم الأحزاب، فكافأهم النبي المصطفى صلى
الله عليه وآله وسلم بقوله الخالد: “المَحْيَا مَحْيَاكُمْ،
وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ
الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ”.

وأوضح الجهني أن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم شهدت استقبال الأنصار
القحطانيين لقريش العدنانية، وليمانيين وأحباش وأكراد ومؤمني ربيعة من
نجد، ومن آمن من أهل الكتاب، فكان ذلك التنوع مصدر قوة وثراء معرفي
وثقافي واقتصادي، وخلال عشر سنوات فقط غادر المجتمع الجاهلية وغادرته
العصبية القبلية والذكورية والطبقية والثأر، وانتقل العرب من الأمية إلى
عالمية الثقافة.

وعقد المفتي مقارنة بين تجربة المدينة المنورة والواقع الأردني، معتبراً
أن الأردن يجسّد هذا المعنى بصورة حيّة، إذ كان على مر العقود قبلةً
للهجرات المتتابعة، وأماناً للخائفين، وملاذاً للمنكوبين، قائلًا: “هنا
يعيش المسلمون والمسيحيون والأكراد والأرمن والفلسطينيون والسودانيون
والشركس والشيشان والسوريون والعراقيون وأبناء الشمال والجنوب والريف
والبادية، هنا قحطان وربيعة ومضر بكل اللغات واللهجات، تحت مظلة بني
هاشم ورثة صاحب الرسالة المحمدية”.

وتوقف الجهني عند مدينة العقبة بوصفها أنموذجاً استثنائياً داخل هذا
النسيج الوطني، قائلاً إن العقبة تحمل في أحيائها وعلى شواطئها صورة
الأردن كله والعرب جميعاً؛ فمن هاجر إليها طلباً للكسب والرزق استوطنها
وألِفها وألِفته، وصاهر أهلها، حتى أمسى ابن الريف وابن البادية صياداً
عاشقاً لبحرها، يجتمعون جميعاً عند منزل الشريف الحسين على شاطئها رمزاً
للوحدة والتلاقي.

واستشهد مفتي العقبة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾، مؤكداً أن هذه الآية الكريمة تختصر فلسفة التعايش التي
تعيشها العقبة والأردن.

وأكد الشيخ الجهني في ختام حديثه أن قوة هذا الوطن تكمن في وحدة
أبنائه، تحت راية واحدة وأرض واحدة وقيادة واحدة وشعب متحد.

–(بترا)
د م/م د/أس