قرية عابا.. منازل مهددة وأراضٍ على مرمى الاستيطان

  جنين 7-7-2026 وفا- زهران معالي لم تعد المخاوف في قرية عابا، جنوب شرق جنين، مرتبطة فقط بما يُشاهد من جرافات وآليات عسكرية إسرائيلية تعمل في محيط القرية، بل بما قد يترتب على ذلك من واقع جديد يغيّر حياة عشرات العائلات التي تعتمد على الأرض والزراعة مصدراً رئيسياً للعيش. فالقرية الزراعية الهادئة، التي تمتد أراضيها بمحاذاة الطريق الواصل بين القرى الشرقية لجنين، تعيش منذ أشهر على وقع تسارع إجراءات الاحتلال الإسرائيل، بعد إقامة معسكر لجيش الاحتلال قربها، بالتزامن مع العودة إلى العمل في مستعمرتي “جانيم” و”كاديم” المخلاتين منذ عام 2005، في خطوة يخشى الأهالي أن تكون بداية مرحلة جديدة من التضييق على الأرض والإنسان. ويقول رئيس المجلس القروي في عابا برهان عزموطي لـ”وفا”: إن الحكومة الإسرائيلية شرعت عملياً في تنفيذ مخطط يعيد الاستيطان إلى المنطقة، بالتوازي مع إقامة معسكر للجيش بين عابا وقرية حداد، ترافق مع إخطارات طالت قرابة عشرة منازل، إلى جانب أوامر تقضي برفع اليد عن نحو 180 دونماً مزروعة بأشجار الزيتون وتضم عدداً من المباني السكنية والمنشآت القائمة وأخرى قيد الإنشاء. ويضيف أن الخشية لا تقتصر على مساحة الأراضي التي شملتها الإخطارات، وإنما تمتد إلى مئات الدونمات المحيطة بها، موضحاً أن المواطنين باتوا يخشون فقدان القدرة على الوصول إلى أراضيهم الزراعية مع توسع الوجود العسكري والاستيطاني في المنطقة. ويؤكد عزموطي أن عابا تعتمد بصورة أساسية على الزراعة، ولا سيما زراعة الزيتون، إلى جانب الأراضي المروية والمراعي التي تشكل مصدر دخل لعشرات الأسر التي تعمل في تربية الأغنام، مبيناً أن إغلاق تلك المناطق أو منع الوصول إليها سيؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة، وسيجبر المربين على شراء الأعلاف بدلاً من الاعتماد على المراعي الطبيعية، ما يزيد أعباءهم المعيشية. ولا يخفي رئيس المجلس القروي قلقه من أن تتحول البلدة إلى منطقة شبه معزولة، في ظل الحواجز العسكرية المتكررة وإغلاق الطرق، قائلاً: إن الأهالي يخشون انقطاع الطريق الأقصر المؤدي إلى مدينة جنين، واضطرارهم إلى استخدام طرق التفافية أطول، الأمر الذي يرهق العمال والطلبة والمرضى ويزيد كلفة التنقل اليومية. ويشير إلى أن كل أراضي القرية مصنفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، وأن هذا التصنيف جعلها عرضة بشكل متواصل لإخطارات وقف البناء بحجة عدم الترخيص، رغم إعداد مخطط هيكلي للقرية، فإن استكمال إجراءاته تعطل بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ما أبقى عشرات المنازل والمنشآت مهددة بالإجراءات الإسرائيلية. ويضيف أن القرية التي يقطنها نحو 800 نسمة، وتبلغ مساحة أراضيها قرابة 1500 دونم، أصبحت تشعر بأنها محاصرة من أكثر من جهة، في ظل عودة الاستيطان إلى المنطقة، وما يرافقه من مخاوف على مستقبل الأرض والحياة الزراعية. وتتجسد آثار هذه الإجراءات في قصص المواطنين الذين باتوا يخشون فقدان منازلهم قبل أن تكتمل سنوات استقرارهم فيها. ويقول أحد أصحاب المنازل التي تسلمت إخطارات إسرائيلية في قرية عابا: إنه لم يمض على انتقاله إلى منزله سوى ثلاث سنوات، بعد رحلة طويلة من العمل والتعب استمرت سنوات، معظمها داخل أراضي عام 1948، حتى تمكن من بناء منزل يؤوي أسرته. ويضيف أن تشييد المنزل لم يكن أمراً سهلاً، بل جاء ثمرة سنوات العمل الشاق في قطاع البناء داخل أراضي الـ48، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام خطر فقدانه بسبب الإخطارات الإسرائيلية التي طالت منزله، دون أن يعرف ما إذا كان سيتمكن من البقاء فيه، بعدما طلبت منهم سلطات الاحتلال الحضور للمقابلة في الـ15 من الشهر الجاري، للبحث في مصير المنازل. ويشير إلى أن المنطقة التي يقع فيها المنزل بقيت هادئة منذ انسحاب الاحتلال من مستوطنتي “جانيم” و”كاديم” عام 2005، وكان الأهالي يعتقدون أن صفحة التهديد قد طُويت، إلا أن عودة النشاط الاستيطاني وإقامة المعسكر العسكري أعادا القلق إلى حياة السكان، وأحييا مخاوف كانوا يظنون أنها أصبحت من الماضي. ويقول: إن أكثر ما يثقل كاهل العائلات اليوم ليس فقط الخوف من هدم المنازل أو الاستيلاء على الأراضي، بل حالة عدم اليقين التي يعيشونها يومياً، إذ أصبحت خططهم للمستقبل معلقة، فيما يخشى الآباء أن تضيع سنوات تعبهم وجهدهم في لحظة. في السياق، يؤكد مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين طارق إغبارية أن المحافظة تشهد منذ بداية عام 2026 أخطر موجة توسع استيطاني منذ أكثر من عقدين، أعادت المحافظة إلى واجهة المشاريع الاستيطانية بعد سنوات كانت فيها شبه خالية من المستعمرات. ويقول: إن ما يجري لا يقتصر على إقامة بؤر أو معسكرات عسكرية، بل يمثل مشروعاً متكاملاً لإعادة رسم الجغرافيا في شمال الضفة الغربية، من خلال الاستيلاء على الأراضي وشق الطرق العسكرية والاستيطانية وإقامة المعسكرات والبوابات والحواجز، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال القرى الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض. ويوضح أن الاحتلال يعمل حالياً في سبعة مواقع استيطانية رئيسية في محافظة جنين، من بينها مستعمرتا “جانيم” و”كاديم”، ومنطقة ترسلة، ومعسكر عرابة، ومعسكر جديد قرب عابا، إضافة إلى مواقع أخرى في رابا وغرب اليامون، بينما تشير التقديرات إلى وضع اليد على نحو 17 ألف دونم في المحافظة، تشمل أراضي خزينة وأخرى مملوكة لمواطنين فلسطينيين، وهي مجموع الأراضي التي يسيطر عليها 18 موقعا استيطانيا مقاما على أراضي المحافظة. ويضيف أن محافظة جنين سجلت منذ بداية العام أكثر من 132 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستعمرون، شملت تجريف الأراضي، واقتلاع أشجار الزيتون، وإغلاق الطرق الزراعية، والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم. ويرى إغبارية أن القطاع الزراعي كان الأكثر تضرراً، خاصة بعدما اتجهت أعداد كبيرة من المواطنين إلى العمل في الزراعة عقب توقف العمالة داخل أراضي عام 1948 منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، موضحاً أن إغلاق الطرق الزراعية والاستيلاء على الأراضي وحرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم ألحقت أضراراً كبيرة بمصادر دخل آلاف الأسر، وخلقت ما وصفه بـ”كارثة زراعية” في المحافظة. ويحذر من أن هذه الإجراءات لا تستهدف الأرض وحدها، وإنما تمس مقومات الحياة اليومية، عبر عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى مناطق منفصلة، بما يثقل حياة المواطنين ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليهم. وفي مواجهة هذه الإجراءات، يشير إغبارية إلى أن الجهات المختصة تواصل توثيق الانتهاكات ورفعها إلى المؤسسات القانونية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى جانب إعداد ملفات قانونية ومخططات تثبت ملكية المواطنين لأراضيهم، بالتوازي مع جهود تُبذل على المستوى الدولي لملاحقة الأنشطة الاستيطانية باعتبارها مخالفة للقانون الدولي. ــــــــ ز.ع/ م.ل