……إعداد ماجد الحربيلم تعد أسواق الكربون مجرد أدوات بيئية لخفض الانبعاثات، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسة للاستدامة البيئية، وبرزت المملكة العربية السعودية لاعبًا مؤثرًا في تشكيل مستقبل هذه الأسواق عبر إطلاق شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية، التي تمثل نموذجًا متقدمًا يجمع بين العمل المناخي والتنمية الاقتصادية، ويعزز جهود التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، ويرسخ مكانة المملكة مركزًا عالميًا لأسواق الكربون عالية النزاهة والشفافية.وتأتي هذه المبادرة امتدادًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030، ومبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، ودعمًا لجهود المملكة الرامية إلى تحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2060 وفق نهج الاقتصاد الدائري للكربون، الذي يُعد أحد أبرز الأطر العالمية لمعالجة الانبعاثات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.ويُعرف سوق الكربون الطوعي بأنه منصة منظمة تتيح للجهات الحكومية والخاصة شراء وتداول أرصدة كربونية معتمدة ناتجة عن مشاريع تسهم في خفض الانبعاثات أو إزالتها من الغلاف الجوي، بما يمكّن الشركات من تعويض جزء من انبعاثاتها التي يصعب تقليلها بصورة مباشرة، ويدعم في الوقت ذاته الاستثمارات البيئية والمشاريع المستدامة.وأكَّد الرئيس التنفيذي في شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية فادي سعادة، في تصريح لوكالة الأنباء السعودية، أن الشركة أُنشئت انطلاقًا من رؤية تستهدف تحويل العمل المناخي إلى فرصة اقتصادية واستثمارية مستدامة، عبر بناء سوق كربون إقليمي يعمل وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية.وأوضح أن الشركة تأسست في أكتوبر 2022 بمبادرة من صندوق الاستثمارات العامة (80%) ومجموعة تداول السعودية (20%)؛ بهدف تطوير منصة لتداول أرصدة الكربون الطوعية ودعم جهود المملكة والمنطقة في خفض الانبعاثات وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية.وأشار إلى أن الشركة تقدم منظومة متكاملة من الخدمات، تشمل منصة تداول مؤسسية متقدمة تمكّن الشركات من إدارة انبعاثاتها بكفاءة، إضافةً إلى خدمات التداول والاستشارات والدعم الفني، بما يسهم في تعزيز مكانة المملكة بوصفها مركزًا عالميًا لأسواق الكربون، وتحويل العمل المناخي إلى فرصة اقتصادية واستثمارية واعدة.وبيّن أن الشركة حققت منذ تأسيسها إنجازات بارزة من خلال تنظيم أكبر ثلاثة مزادات لتداول أرصدة الكربون، شملت المزاد الأول في الرياض خلال أكتوبر 2022 الذي شهد بيع أكثر من 1.4 مليون طن من أرصدة الكربون، والمزاد الثاني في نيروبي خلال يونيو 2023 الذي سجل بيع أكثر من 2.2 مليون طن، إضافة إلى المزاد الثالث الذي أُقيم بالتزامن مع مؤتمر الأطراف (COP29) بمدينة باكو في نوفمبر 2024 وبيع خلاله أكثر من 2.5 مليون طن من الأرصدة بمشاركة أكثر من 40 شركة محلية وعالمية.وأكَّد الرئيس التنفيذي أن إجمالي قيمة التداولات في السوق تجاوزت (350) مليون ريال، فيما بلغ إجمالي ما بيع منذ تأسيس الشركة أكثر من (15) مليون طن من أرصدة الكربون، وهو حجم يعكس النمو المتسارع للسوق والثقة المتزايدة في دوره بوصفه أداة فاعلة لدعم العمل المناخي.وفي نوفمبر 2024، أطلقت شركة سوق الكربون الطوعي أكبر منصة لتداول أرصدة الكربون في المنطقة، صُممت وفق أفضل المعايير العالمية من حيث الشفافية والسيولة وقابلية التوسع، مع توافقها مع السجلات الدولية، ودعمها للتمويل الإسلامي، وتوفيرها آليات متنوعة للتداول تشمل المزادات وطلبات عروض الأسعار والتداول خارج المنصة؛ بما يسهم في تطوير بنية تحتية متقدمة لسوق الكربون.كما وقّع سوق الكربون الطوعي مذكرة تفاهم مع اللجنة الوطنية لآلية التنمية النظيفة (CDMDNA) لتعزيز التعاون في مجال تبادل البيانات المتعلقة بتداول شهادات الائتمان الكربوني من خلال منصة التداول التابعة للشركة، ودعم الربط الإلكتروني بين البنية التحتية للبيانات لدى الطرفين؛ بما يسهم في تعزيز الشفافية وتوفير البيانات ذات الصلة بأنشطة أسواق الكربون في المملكة، وذلك بما يتوافق مع الأنظمة واللوائح والسياسات المعمول بها.وفي الجانب البيئي أوضحت الباحثة في مجال المناخ بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) يارا ياسر البرلسي، أن سوق الكربون الطوعي يُعد محركًا أساسيًا للاستدامة، حيث يشجع الاستثمار في مشاريع عالية النزاهة تشمل إدارة النفايات، وإعادة تأهيل الأراضي، واحتجاز المحيطات للكربون، ومبادرات الطاقة المتجددة، وزراعة أشجار المانغروف، ويسهم هذا السوق بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 والاقتصاد الدائري للكربون، من خلال تحويل العمل المناخي إلى فرصة استثمارية تدعم مسعى المملكة للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060.وعن الجانب الاقتصادي، أكد الخبير الاقتصادي أحمد الشهري، أن سوق الكربون الطوعي يمثل أحد المسارات الجديدة لتنويع الاقتصاد الوطني، من خلال تشجيع الاستثمارات في مشاريع خفض وإزالة الانبعاثات؛ مما يدعم نمو القطاعات المتعلقة بالاستدامة.وأوضح أن السوق يسهم في جذب الاستثمارات العالمية المتخصصة في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الانبعاثات، ويحفز نشوء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل خدمات التحقق والتدقيق البيئي والاستشارات المناخية وتقنيات احتجاز الكربون، إلى جانب توفير فرص عمل نوعية في القطاعات المرتبطة بالاستدامة.ويؤدي السوق كذلك دورًا محوريًا في دعم مستهدفات الاقتصاد الدائري للكربون، ومشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وكفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات الصناعية؛ بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويرسخ جاذبية المملكة للاستثمارات البيئية.وعلى الصعيد الدولي، تشير التوقعات إلى نمو سوق الكربون العالمي من نحو ملياري دولار في عام 2020 إلى ما يقارب 250 مليار دولار بحلول عام 2050، فيما يتميز النموذج السعودي بوجود دعم حكومي ومؤسسي قوي، وسوق منظمة تعتمد أعلى معايير الحوكمة والشفافية وترتبط بالأسواق العالمية، مما يجعل المملكة نموذجًا موثوقًا في هذا القطاع الواعد.كما تمتد آثار السوق إلى الجوانب التنموية والاجتماعية من خلال دعم المشاريع البيئية، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات قياس الانبعاثات والتحقق منها، وتعزيز الاستثمار في مشاريع التشجير وإعادة تأهيل النظم البيئية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة ويرسخ مفهوم التنمية المستدامة.وتتطلع المملكة إلى تعزيز مكانتها بوصفها مركزًا عالميًا لأسواق الكربون عالية النزاهة عبر توسيع نطاق التكامل مع السجلات العالمية، كما يمثل التوسع في الأسواق العالمية خطوة إستراتيجية مهمة في ظل الشراكات الدولية التي أبرمتها الشركة مع عدد من الجهات العالمية، بما يسهم في ربط الأسواق ودعم مشاريع خفض وإزالة الانبعاثات.وتؤكد تجربة سوق الكربون الطوعي أن المملكة لا تكتفي بالمشاركة في الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، بل تسهم في صياغة أدواتها الاقتصادية والتمويلية المستقبلية، عبر نموذج يجمع بين الاستدامة والتنمية ويحوّل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والاستثمار؛ بما يعزز دورها القيادي في بناء اقتصاد عالمي أكثر كفاءة واستدامة وأقل انبعاثًا للكربون.// انتهى //