طهران في 28 سبتمبر 2026 /العُمانية/ مسرح الشارع في إيران
ليس مجرد انتقال العرض المسرحي من قاعة مغلقة إلى فضاء مفتوح؛ بل هو امتداد لتاريخ
طويل من أشكال الأداء الشعبي والحكائي والطقوسي التي قامت في أزمنة مختلفة، على
العلاقة المباشرة بين المؤدي والجمهور.
وقد شهدت إيران في السنوات الأخيرة تجارب مسرحية
متعددة في الأماكن العامة، حيث استخدمت الشوارع والميادين وحتى الأماكن المرتبطة
بالحياة العمالية والاجتماعية والثقافية للوصول إلى الجمهور مباشرة.
وفي هذا السياق، قال الباحث المسرحي علي حكيميان لـوكالة
الأنباء العُمانية “إن فهم مسرح الشارع يتطلب النظر إليه بوصفه نقطة التقاء
بين المسرح التقليدي والفضاء الحضري والمشاركة الجماهيرية والقضايا الاجتماعية
والثقافية المعاصرة.
وأضاف أن للمسرح الإيراني تاريخا قديما في استخدام
الفضاءات غير التقليدية، كفن “النقالی” وهو أحد أقدم أشكال الأداء
الدرامي، حيث كان النقال ينتقل بالحكايات التاريخية والأسطورية بين البلاط والقرى
والمقاهي والخانات وغيرها من الأماكن العامة، ومن هنا يمكن القول إن فكرة خروج
الأداء من القاعة ليست غريبة تماماً عن الثقافة المسرحية الإيرانية، حتى وإن كان
مصطلح مسرح الشارع بمعناه الحديث مرتبطاً بتطورات أكثر حداثة.
ووضح حكيميان أن مسرح الشارع في إيران لا يمثل شكلاً
واحداً ويمكن مشاهدة عدة اتجاهات وأساليب داخله ، حيث أن المسرح الاجتماعي يعد من
أكثر الاتجاهات حضوراً لأنه يتناول موضوعات الحياة اليومية مثل الأسرة والبيئة
والعمل والهجرة والعلاقات الاجتماعية وقضايا الأطفال والشباب وغيرها، مشيرا إلى أن
الميزة الأساسية هي أن الفنان لا ينتظر وصول الجمهور إلى المسرح بل يذهب بالعرض
إلى أماكن وجوده، ومن هذا المنطلق فإن مسرح الشارع يستطيع الوصول إلى شرائح قد لا
ترتاد المسارح التقليدية لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.
ووضّح الباحث أن المسرح الكوميدي له مكانة خاصة أيضا في مسرح الشارع
الايراني موضحا أن الحركة والإيقاع والموسيقى والمبالغة الجسدية والشخصيات
الكاريكاتورية هي أدوات مهمة في بناء العرض، وهذا الجانب يرتبط جزئياً بالتقاليد
الشعبية القديمة في المسرح الإيراني لا سيما تقاليد الكوميديا الشعبية والأداء
الارتجالي.
وأكد على أن المسرح
الطقوسي والتراثي هو أيضا جزء لا يتجزأ من مسرح الشارع في إيران، حيث يستعيد بعض
الفنانين عناصر من التراث الإيراني مثل الأزياء التقليدية والحكايات الشعبية
والموسيقى المحلية والحركة الجماعية والشخصيات التقليدية، حيث يصبح مسرح الشارع
وسيلة لإعادة تقديم التراث لجمهور معاصر.
وأشار إلى أن المسرح البيئي يعد واحدا من أشكال مسرح الشارع، حيث لا يكون
الشارع مجرد مكان تجري فيه المسرحية بل يصبح عنصراً من عناصرها إذ يمكن أن تكون
نافذة أحد المباني جزءاً من المشهد أو ساحة عامة جزءاً من الديكور أو حركة المارة
عنصراً غير متوقع في العرض، وهذا يمنح المسرح الشارعي طبيعة لا يمكن تكرارها
تماماً في قاعة مغلقة.
وذكر أن شريحة الأطفال تحتل حيزا بارزا من مساحة عروض الشارع خاصة في
الحدائق والمناسبات الثقافية والاحتفالات العامة، وتساعد الطبيعة البصرية والحركية
لمسرح الشارع على جذب الأطفال حتى عندما لا يكون لديهم اهتمام مسبق بالمسرح.
وأفاد الباحث بأن هذا المسرح يتميز بالتنوع اللغوي والثقافي، حيث يمكن أن
تظهر اللغة الفارسية إلى جانب الكردية والتركية والعربية واللغات واللهجات المحلية
الأخرى، واستخدام اللهجة يمكن أن يجعل العرض أكثر قرباً من الجمهور المحلي خصوصاً
عندما يتناول موضوعاً مرتبطاً بحياة المنطقة.
وعبر حكيميان عن اعتقاده بأن مسرح الشارع في إيران هو في جوهره قصة علاقة
بين الفن والمكان والناس، ولعل خصوصية المسرح الشارعي تكمن في أنه لا يطلب من
الجمهور أن يدخل إلى عالم المسرح بل يحاول أن يجد المسرح داخل عالم الجمهور نفسه في الساحة والحديقة
والسوق والشارع وبين المارة، وهنا يتحول الشارع من مجرد ممر إلى فضاء ثقافي،
ويتحول المار من متلقٍّ عابر إلى متفرج محتمل وربما إلى مشارك في لحظة مسرحية لا
يمكن أن تتكرر بالطريقة نفسها مرة أخرى.
/العُمانية/
النّشرةُ الثقافيّةُ/ محمد جواد