الجزائر في 19 أكتوبر 2026 /العُمانية/ يُقدّم كتاب
“الدرس الصوتي العربي” الصّادر عن دار ألفا دوك بالجزائر، بقلم الباحثة
الدكتورة لينا زواوي، قراءة تحليليّة لظاهرة اللُّغة، ليس باعتبارها أداة من أدوات
التواصل فحسب بل باعتبارها أكثر الظواهر الإنسانية عمقًا، وتعقيدًا، وإثارة
للتأمُّل.وتشير الباحثة في هذا الكتاب إلى أنّ اللُّغة تمثل
الوعاء الذي ضم الفكر الإنساني منذ أقدم العصور، والسّجل الذي حفظ ذاكرة الأمم
وتجاربها، والمرآة التي انعكست عليها ملامح الحضارات ومسارات تطوُّرها، وإذا كانت
اللغة بناءً شامخًا تتضافر في تشييده مستويات متعدّدة من الأصوات والصيغ والتراكيب
والدلالات، فإنّ الصوت يظلّ الحجر الأساس الذي يقوم عليه هذا البناء، واللبنة
الأولى التي تنبثق منها سائر الوحدات اللغوية؛ فهو مبدأ الوجود اللغوي ومنطلق
تشكّل النظام اللساني بأسره.وتؤكّد الباحثة أنّ الدرس الصّوتي اكتسب مكانةً
استثنائية في تاريخ التفكير اللغوي؛ حيث لم يكن الصوت عند العلماء مجرّد ظاهرة
حسيّة عابرة، وإنما كان مفتاحًا لفهم اللغة في بنيتها العميقة وآلياتها الدقيقة،
فالأصوات هي المادة الخام التي تتشكل منها الكلمات، ومنها تنتظم الأبنية الصرفية
والتراكيب النحوية، وعبرها تتجلّى الدلالات وتتحدّد المقاصد، لذلك ظلّ الصّوت
اللغوي محورًا لجهود علمية متواصلة امتدّت عبر قرون طويلة، سعى خلالها العلماء إلى
استكشاف أسراره، وتحليل خصائصه، والكشف عن القوانين التي تحكم إنتاجه وانتشاره
وإدراكه.ويعد علم الأصوات اليوم أحد أكثر فروع اللسانيات
تطورًا واتّساعًا، وتضرب جذوره العلمية عميقًا في تاريخ الفكر الإنساني؛ فقد جذب
اهتمام العلماء والفلاسفة واللغويين منذ العصور القديمة، فحاولوا فهم طبيعة الصوت
الإنساني والكشف عن علاقته بأعضاء النطق وبالعمليات العقلية والتواصلية، وتوالت
الجهود الحضارية في هذا المجال حتى تشكلت عبر الزمن منظومة معرفية واسعة أسهمت في
إرساء دعائم البحث الصوتي وتحديد آفاقه النظرية والتطبيقية.وقالت الباحثة الدكتورة لينا زواوي في تقديم هذا
الكتاب: “يبرز التراث العربي بوصفه أحد أكثر التجارب العلمية ثراءً
ونضجًا في ميدان الدراسات الصوتية؛ إذ استطاع علماء العربية أن يبلوروا رؤية دقيقة
ومتكاملة للأصوات اللغوية، مستندين إلى ملاحظة علمية نافذة ومنهج تحليلي رصين، وقد
كان الدافع إلى ذلك ما اقتضته خدمة القرآن الكريم وصيانة اللسان العربي من التحريف
واللحن، فانبثقت عن تلك العناية جهود علمية رائدة تجاوزت حدود الوصف المباشر إلى
بناء تصوُّرات نظرية عميقة حول مخارج الأصوات وصفاتها ووظائفها وعلاقاتها داخل
النظام اللغوي، ولم تكن تلك الجهود مجرّد صفحات مضيئة في تاريخ العربية، بل مثلت
إسهامًا حقيقيًّا في تاريخ المعرفة اللغوية الإنسانية بأسرها”.وأضافت: جاءت اللسانيات الحديثة لتفتح أمام البحث
الصوتي آفاقًا جديدة لم تكن متاحة من قبل، مستفيدة من منجزات العلوم الطبيعية
والتقنيات التجريبية المتطوّرة، فأصبح الصّوت اللغوي موضوعًا لدراسات دقيقة تستند
إلى المختبرات والأجهزة والقياسات العلمية، وظهرت فروع متخصّصة كشفت عن أبعاد
جديدة للظاهرة الصوتية، وأعادت صياغة كثير من المفاهيم والمصطلحات في ضوء معطيات
علمية أكثر دقة واتساعًا، غير أنّ هذا التطوُّر لم يُلغِ قيمة المنجز التراثي، بل
أظهر جوانب من عمقه العلمي وأكد أنّ كثيرًا من القضايا التي تناولها العلماء
القدامى كانت تنطوي على وعي معرفي يثير الإعجاب ويستحقُّ إعادة القراءة والتأمل.وانطلاقًا من هذه الرؤية، يأتي الكتاب الموسوم بـ
“الدرس الصّوتي العربي.. بين التأصيل التراثي والبناء اللساني الحديث”
ليقارب أحد أهمّ الحقول المعرفية في الدراسات اللغوية، مستقصيًا مسارات تشكّله
التاريخية وتحوُّلاته العلمية الكبرى، ومستجليًا مواطن الامتداد والتجدُّد بين
التراث العربي واللسانيات الحديثة، فهو لا ينظر إلى الماضي والحاضر بوصفهما فضاءين
متقابلين، بل يتعامل معهما باعتبارهما حلقات متصلة في مسيرة علمية واحدة، تتراكم
فيها المعارف وتتفاعل فيها الرؤى وتتجدّد فيها أدوات النظر والفهم.يذكر أن الكتاب انتظم في فصلين متكاملين، خُصِّص
أولهما لتاريخ الدرس الصوتي في البحث اللغوي، حيث تناول عناصر البناء اللغوي، ثم
عرّف بفروع علم الأصوات العام، قبل أن ينتقل إلى استعراض أبرز الجهود الصوتية في
الحضارات القديمة، وفي مقدمتها الحضارة العربية التي شكّلت منعطفًا بارزًا في
تاريخ الدراسات الصوتية، إلى جانب الجهود الهندية واليونانية التي أسهمت في إثراء
هذا الحقل المعرفي، أما الفصل الثاني فقد عُني بتتبع مسار الدراسات الصوتية في
العصر الحديث عند العرب والغرب، والكشف عن أبرز ملامح التطور الذي عرفته اللسانيات
الصوتية المعاصرة، مع بيان الصلات العلمية التي تربط علم الأصوات بعلم اللغة، من
جهة، وبعلمي القراءة والتجويد، من جهة أخرى./العُمانية/ النشرة الثقافية/
ميلود بن عمار، أصيلة الحوسني