(اتفاق الإطار) في لبنان.. منعطف تفاوضي يدير النزاع وسط تحديات ميدانية معقدة وضمانات دولية

(اتفاق الإطار) في لبنان.. منعطف تفاوضي يدير النزاع وسط تحديات ميدانية معقدة وضمانات دوليةمن فواز العتيبي (تقرير.إخباري)بيروت – 26 – 7 (كونا) — يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية مفصلية مع تسارع الخطى الدبلوماسية والميدانية لصياغة واقع ومستقبل بدفع من بدء إنفاذ ما يسمى (اتفاق الإطار) الذي تم التوصل إليه مع الاحتلال الإسرائيلي إثر جولات من المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية تعد الأولى من نوعها بين الجانبين منذ أكثر من 40 عاما.ومع التداخل في المشهد اللبناني بحراك خارجي وداخلي لافت تقوده الدولة اللبنانية لبسط سلطتها على أراضيها والتمسك بحقوقها السيادية يسعى المجتمع الدولي إلى اختبار مدى التزام الأطراف المعنية ببنود الاتفاق وتوفير البيئة الملائمة للانتقال تدريجيا نحو مرحلة جديدة من ترتيبات ضبط الوضع وتثبيت الأمن والسلم بين الجانبين.وفي تطور دبلوماسي بارز وصفت السفارة الأمريكية في بيروت المحادثات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما الأسبوع الماضي برعاية أمريكية بأنها “مثمرة وإيجابية” مشيرة إلى أنه تم الاتفاق على الهيكلية والإرشادات العملية للمناطق التجريبية في جنوبي لبنان كخطوة للانتقال إلى محادثات تقنية موسعة.ومقابل هذا الزخم الدبلوماسي يواجه انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني تحديات لوجستية وعملياتية معقدة إذ يرتبط تثبيت الهدوء بتهيئة بيئة آمنة تكفل عودة النازحين وتدعم ورشة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.وترجم البعد العسكري للاتفاق عمليا مع وصول وفد عسكري من القيادة المركزية الأمريكية الى بيروت بهدف التنسيق والإشراف الميداني المباشر على الترتيبات الفنية الأولية لاسيما ما يتعلق بالخطط الأمنية المقترحة للمنطقتين التجريبيتين (زوطر الغربية – فرون) في الجنوب اللبناني.وأسفرت هذه الخطوة العسكرية عن تسريع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة التجريبية الأولى (زوطر الغربية) وانتشار الجيش اللبناني فيها وفق آلية مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان رغم الخروقات التي شابت هذه الخطوة جراء إطلاق جنود الاحتلال النار قرب نقطة تماس يتمركز فيها الجيش اللبناني.وأمام هذا المشهد الميداني المتحرك وتداخل أبعاده الدبلوماسية مع التحديات على الأرض تتعدد قراءات الخبراء والمحللين السياسيين والعسكريين حول الأبعاد القانونية والدستورية ل (اتفاق الإطار) وما إذا كان يشكل مدخلا حقيقيا لتحقيق الاستقرار أم مجرد ترتيب إجرائي مؤقت لضبط إيقاع النزاع.وقال أستاذ العلوم والاتصال والكاتب السياسي اللبناني الدكتور داوود رمال لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأحد إن المفاوضات الجارية حاليا ضمن اتفاق الإطار “هي ذات طابع تقني محدد ولا تشكل بأي حال مفاوضات سياسية أو خطوة باتجاه التطبيع” مشيرا إلى وجود ملفات أمنية وحدودية واقتصادية تستوجب إدارتها عبر قنوات تفاوضية.واعتبر رمال أن اتفاق الإطار من الناحية القانونية “لا يرقى الى مرتبة المعاهدة أوالاتفاق الدولي الملزم بل يصنف كترتيب إجرائي يحدد قواعد وآليات التفاوض غيرالمباشر” من دون أن يفرض التزامات نهائية ملزمة.وأوضح رمال أن اتفاق الإطار تتركز وظيفته الأساسية على إدارة النزاع وتهيئة مسار تفاوضي ضمن مرجعيات قانونية ورعاية أمريكية كخطوة تساهم في إعادة تفعيل القرار (1701) “لكن من دون أن يشكل بحد ذاته إطارا قانونيا جديدا أو بديلا”.وشدد في هذا المجال على ضرورة احتواء المؤسسات الدستورية اللبنانية للتباينات الداخلية عبر الحوار والالتزام بالأصول الدستورية والقانونية بما يحول دون تحول الخلاف السياسي إلى انقسام معتبرا أن التباينات الداخلية “تبقى أمرا طبيعيا في النظام اللبناني التعددي”.وأشار إلى تأثر لبنان بالتوازنات والصراعات في المنطقة ما يجعل أي تفاهم مع قوات الاحتلال الإسرائيلي عرضة للتأثر بذلك معتبرا أن (اتفاق الإطار) يشكل بحد ذاته “ضمانة كافية لبناء استقرار مستدام بمعزل عن التطورات الإقليمية”.كما أشار إلى امتلاك لبنان فرصة لإعادة بناء الثقة مع عمقه العربي والمجتمع الدولي عبر تثبيت منطق الدولة وتعزيز عمل المؤسسات وحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة معتبرا أن “الاستقرار لا يشكل هدفا بحد ذاته إنما هو شرط أساسي لفتح الباب أمام التعافي الاقتصادي”.وفي مقابل هذا التأصيل الدستوري والقانوني لمسار التفاوض ومآلاته تتبدى قراءة أكثر واقعية لآليات الضمان وبدائل الخيار السلمي المطروح إذ يرى مراقبون أن نجاح أي تفاهم يتوقف بالدرجة الأولى على حجم النفوذ الدولي الممارس ميدانيا وسياسيا.من جانبه قال مدير (مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية) سامي نادر ل (كونا) أنه “مع غياب ضمانات دولية لاتفاق الإطار أو ضمانات للقرارات الدولية والقانون الدولي بشأن لبنان فإن الرعاية الأمريكية للتفاهمات الجارية تعد الضمانة الاكثر واقعية وفعالية” فالإدارة الأمريكية هي الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغوط على الاحتلال الإسرائيلي بهذا الشأن.وذكر نادر إن (اتفاق الإطار) “يواجه معارضة من الداخل اللبناني جملة أو لبعض بنوده.. وأن الطرف المعارض لم يقدم بديلا عمليا له يمكن طرحه في الحراك الحاصل” مبينا ان الاتفاق “يعد أفضل الممكن”.الى ذلك ومن المشهد السياسي والضمانات الدولية يتجه التقييم نحو الشق العسكري والعملياتي للاتفاق إذ تتضاعف أهمية آليات الرقابة ودور الجيش اللبناني في إدارة التحديات الميدانية المرتقبة وترجمة المفاوضات إلى واقع ميداني.وعن الرؤية العسكرية للاتفاق أكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد ركن فادي داوود ل (كونا) أن اتفاق الإطار) نص في أحد بنوده على انسحاب قوات الاحتلال من المنطقتين التجريبيتين المتمثلتين في بلدتي (زوطر الغربية – فرون) كمرحلة أولى والتموضع خارج الأراضي اللبنانية معتبرا أن الولايات المتحدة هي “الضامنة الوحيدة” في تنفيذ هذا الاتفاق.وقال داوود إن “تضارب التصريحات الصادرة من جانب المسؤولين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي بشأن الاتفاق إضافة إلى الخروقات اليومية تهدد صموده واستمراره” لافتا إلى وجود “فجوة واضحة” بين ما يناقش في جولات المفاوضات الجارية وبين ما ينفذ على أرض الواقع.وشدد في هذا المجال على ضرورة وجود آلية على الارض للاشراف على التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاق ومنع خرقه مستقبلا مبينا أن اللجنة الخماسية الدولية بشأن لبنان (الميكانيزم) التي تضم ممثلين عن لبنان والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة وفرنسا إضافة إلى قوات (يونيفيل) ستوقف عملها مباشرة بعد التوصل إلى (اتفاق الإطار).وذكر أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) ستنتهي فترة عملها بنهاية العام الحالي مع إعلان بعض الدول أخيرا مثل فرنسا وإيطاليا الحلول محلها معتبرا أن (يونيفيل) “فرغت من دورها الأساسي”. من جهة أخرى سلط داوود الضوء على “الخبرة التراكمية الميدانية” التي امتلكها الجيش اللبناني على مدى عشرات السنوات في التعامل مع تحديات المنطقة الجنوبية إضافة إلى الغطاء السياسي الذي يحظى به من قبل الحكومة والشعب اللبنانيين.وأكد في هذا الصدد على أهمية دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرته منبها إلى أن عدم حصوله على دعم وغطاء دولي سيؤدي إلى عدم قدرته على ملء الفراغ في المناطق التي ستنسحب منها قوات الاحتلال طبقا للاتفاق.وعليه جاء اللقاء في واشنطن الذي جمع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب واللبناني العماد جوزاف عون ليشكل محطة محورية في دعم هذا المسار إذ ركزت المحادثات بين الجانبين على تعزيز التعاون الأمني والعسكري حيث لفت الرئيس ترامب إلى “خطط ملموسة” تم وضعها لمساعدة الجيش اللبناني وضمان استقلاليته.وبقراءة متأنية لمسار (اتفاق الإطار) بشقيه السياسي والعسكري يظهر أن لبنان يقف أمام تفاهم معقد يتجاوز بمدلولاته مجرد التهدئة الميدانية بل يعكس تقاطعا دقيقا بين إرادة دولية محكومة بضغط واشنطن لتثبيت الاستقرار وحاجة لبنانية ملحة لاستعادة زمام المبادرة عبر مؤسسات الدولة الشرعية.وعلى الرغم من تعدد الاراء بشأن الضمانات والقراءات حول التزامات الطرف الآخر فإن الاتفاق ببعديه الإجرائي والعملياتي يمثل إطارا واقعيا لإدارة النزاع وضبط إيقاع التصعيد مسجلا منعطفا تفاوضيا يعيد رسم قواعد الاشتباك والرقابة الحدودية وفق مرجعيات القرار الأممي (1701).(النهاية)ف ز / ا ب خ