اقتصادي / انطلاق جلسات “ندوة البركة 46” بالمدينة المنورة بمشاركة خبراء من 18 دولة

المدينة المنورة 22 شعبان 1447 هـ الموافق 10 فبراير 2026 م واس
انطلقت الاثنين، أولى جلسات أعمال الدورة السادسة والأربعين من “ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي”، التي تُعقد تحت عنوان: “قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد”، وذلك في جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي، وقادة الفكر المالي، والعلماء، وصنّاع القرار، وممثلي المؤسسات المالية والتنموية من 18 دولة، في تجمع فكري واقتصادي.
وأكّد الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي يوسف حسن خلاوي في كلمته، الأهمية النوعية لموضوع الندوة، مشيرًا إلى أن التركيز على البعد الاقتصادي لا يعني إغفال الأبعاد الشرعية والقانونية والاجتماعية والخيرية المرتبطة بقطاع البرّ والإحسان.
وشدد على الدور التأسيسي للمصارف الإسلامية في تطوير مسارات الاقتصاد الإسلامي الحديث، مؤكدًا أن استكشاف طبيعة هذا الدور وحدوده يمثل أحد المحاور الرئيسة التي تسعى الندوة إلى بحثها عبر حوارات علمية جادة.
من جانبه، أكد رئيس المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ورئيس جامعة دار العلوم بكراتشي محمد تقي العثماني، أهمية التوجه نحو قطاع البرّ والإحسان بوصفه من أكمل جوانب الاقتصاد الإسلامي، مشيرًا إلى أن ندوات البركة أدت دورًا كبيرًا في تطوير الصناعة المالية الإسلامية، وتبلور قضايا الاقتصاد الإسلامي.
وشهدت الجلسة العلمية الأولى، التي جاءت بعنوان: “المفاهيم الأصيلة لقطاع البرّ والإحسان: نحو نموذج فريد وفعّال في الاقتصاد الإسلامي”، مشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين في الاقتصاد والشريعة الإسلامية، حيث ناقشت الأسس الفكرية والشرعية لدور البرّ والإحسان في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
وترأس الجلسة معالي المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور سعد الشثري، موضحًا أن البرّ والإحسان يُعدان أصلًا جوهريًا في الاقتصاد الإسلامي وليس موضوعًا ثانويًا، لما لهما من دور في توسيع دائرة الاقتصاد ومعالجة الفقر، عبر تحويل المحتاجين من متلقين للمساعدة إلى منتجين وأصحاب أعمال، بما يفتح آفاقًا أوسع للنمو الاقتصادي المجتمعي.
كما أكّد أهمية العناية البحثية المتخصصة بهذا القطاع، وضرورة الجمع بين التأصيل الشرعي وقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وخلال الجلسة، تناول أستاذ الفقه وعلومه ورئيس قسم الفقه وأصوله بجامعة الزيتونة في تونس، الدكتور معز بن بشير المجولي، موضوع “البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: من أدوات تعبدية إلى وظيفة اقتصادية منشئة للتكافل ومحققة للعمران”، مؤكدًا أن البرّ والإحسان مؤسسان نصًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومرتبطان بمقاصد الاستخلاف والعمران، لا بمجرد الإحسان العارض.
وأشار إلى الحاجة إلى إعادة تموضع قطاع البرّ والإحسان ضمن نموذج اقتصادي إسلامي متكامل، من خلال إعادة بناء الوعي الوظيفي، واعتماد التحليل المقاصدي، وتحويل الموارد إلى أدوات تمكين إنتاجي، وترسيخ الحوكمة والكفاءة المؤسسية.
كما استعرض الأستاذ المشارك بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور بلقاسم الزبيدي، مفهوم الإحسان في الشريعة بوصفه منظومة تشريعية متكاملة ومحركًا للعطاء، موضحًا أنماطه المتعددة، ومنها الزكاة باعتبارها إحسانًا واجبًا لتحقيق الكفاية، والصدقات كإحسان طوعي لسد فجوات الحاجة، والقرض الحسن كإحسان تمكيني لمعالجة نقص السيولة، إلى جانب أنماط الإحسان النفعية غير المالية.
وأكد معالي وزير المالية المصري الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، الدكتور فياض عبدالمنعم، أن فرضيات التحليل الاقتصادي الإسلامي تتميز بواقعيتها في فهم النفس الإنسانية، مشيرًا إلى أن سلوك البرّ والإحسان يُعدُّ من العوامل الداعمة للنمو الاقتصادي، وأن مفهوم البركة يمثل نماءً حقيقيًا لا يقتصر على الزيادة الظاهرية.
وفي سياق متصل، تناول الرئيس والمدير التنفيذي للجامعة الدولية للتعليم في المالية الإسلامية بماليزيا، الدكتور محمد عزمي عمر، تطور العمل الخيري في النماذج الغربية، ودور أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامية، لافتًا إلى فرص التقارب بين النماذج المعاصرة ونماذج التمويل الإسلامي عبر تعزيز الاحترافية، وقياس الأثر، وتفعيل الزكاة والوقف بصورة إنتاجية.
واختتم الجلسة الأولى معالي وزير الأوقاف الأردني الأسبق، الدكتور عبدالناصر أبو البصل، بالتأكيد على استقلالية وتميّز قطاع البرّ والإحسان بوصفه عنصرًا أصيلًا في الاقتصاد الإسلامي، نشأ مع البعثة النبوية وأسهم في بناء الحضارة الإسلامية، مشددًا على ضرورة الحفاظ على استقلالية هذا القطاع تنظيمًا وإدارة في العصر الحديث.
وشهدت الجلسة العلمية الثانية، التي حملت عنوان: “دور المصارف الإسلامية في بناء وتطوير قطاع البرّ والإحسان”، مشاركة عدد من المختصين والخبراء من عدة دول.
وخلال الجلسة، عبّر وزير الدولة وعميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، عن تقديره للعلماء الذين أسهموا في إثراء ندوات البركة بدراسات علمية قيمة، وبفتاوى أصبحت مرجعًا مهمًا للمؤسسات المالية الإسلامية بوجه عام، كما خص بالذكر مؤسس الندوة الشيخ صالح عبدالله كامل-رحمه الله- الذي كان له فضل التأسيس والسبق مع نخبة من الرواد الذين أسسوا للمالية الإسلامية وواكبوا تطورها ومسيرتها.
واستعرض النائب الأول للرئيس ورئيس مجموعة الشريعة والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية في بنك الجزيرة فهد العليان، مفهوم المسؤولية الاجتماعية وأهدافها، مؤكدًا أنها تمثل التزامًا أخلاقيًا تجاه المجتمع، مستعرضًا تجربة بنك الجزيرة في مجال البرّ والإحسان من خلال تخصيص 100 مليون ريال، ورصد 1% من صافي أرباح البنك لدعم برامج الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
كما تناول مدير الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي العربي، الدكتور طارق إسماعيل يوسف، الدور الاستثماري الإستراتيجي للمصارف الإسلامية في قطاع الإحسان، مشيرًا إلى ضعف الكفاءة الاستثمارية لموارد البرّ، وداعيًا إلى تحول المصارف الإسلامية من مجرد قناة تبرع إلى شريك إستراتيجي، مع استعراض عدد من الآليات المالية المبتكرة، من بينها صناديق الاستثمار الوقفية وصكوك الأثر الاجتماعي.
وناقشت الجلسة محور “دور الهيكلة والحوكمة في المصارف الإسلامية”، حيث أكّد رئيس مجلس إدارة بنك كيرجاساما راكيات في ماليزيا، محمد إروان مبارك، أهمية دمج مقاصد الشريعة في الحوكمة وصنع القرار وهيكلة المنتجات، والتركيز على الأثر التنموي القابل للقياس، مشددًا على دور الشفافية والحوكمة الرشيدة في تعزيز ثقة المجتمع.
واختتمت أعمال اليوم الأول للجلسات بالجلسة العلمية الثالثة بعنوان: “قطاع البرّ والإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي”.
وأكّد خلالها أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية الدكتور عبدالله الكيلاني، أن الوقف يمثل نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، مشددًا على أهمية الانتقال من الإدارة التقليدية للأوقاف إلى نماذج حديثة تجمع بين الانضباط الشرعي والحوكمة المؤسسية، مع توظيف الأدوات المالية والتقنية المعاصرة.
وفي ختام الجلسة، استعرض رئيس قسم الشريعة بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا الدكتور محمد الشوبكي، الاجتهاد الفقهي المعاصر في استثمار أموال الزكاة، مؤكدًا أن الزكاة تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية تتجاوز كونها عبادة آنية، وتسهم في تحقيق العدالة والكفاية الاجتماعية، موضحًا أن الرأي الراجح يجيز استثمار أموال الزكاة بصفة استثنائية لتحقيق مصلحة راجحة، وفق ضوابط شرعية محددة.
// انتهى //
07:05 ت مـ
0034