دبي في 19 نوفمبر / وام / أكدت ربيكا جرينسبان، الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، أن العالم يقف اليوم على أعتاب “نقطة تحول تاريخية” يُعاد فيها تشكيل قواعد التنافسية الاقتصادية بالكامل، مشددة على أن المعرفة باتت تمثل القوة المحركة الأساسية والجديدة للاقتصاد العالمي.
جاء ذلك خلال مشاركتها في جلسة حوارية ضمن فعاليات “قمة المعرفة 2025” التي تنظمها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة في دبي، والتي حملت عنوان “اقتصاديات المعرفة والتجارة العالمية: مسارات جديدة للتنمية الشاملة والمستدامة”.
وكشفت جرينسبان في معرض حديثها عن مؤشرات اقتصادية لافتة، حيث سجلت التجارة العالمية هذا العام نمواً قياسياً بوصولها إلى 33 تريليون دولار، بزيادة قدرها 3.7 تريليون دولار عن العام الماضي، مشيرة إلى أن هذا النمو لم يعد مجرد نمو دوري معتاد، بل أصبح نمواً مدفوعاً بعوامل هيكلية مرتبطة بشكل مباشر بالمعرفة والرقمنة.
كما استعرضت أرقاماً دقيقة تدعم هذا التحول الجذري، حيث أوضحت أن صادرات الخدمات سجلت نمواً قياسياً بلغ 9% العام الماضي لتشكل ما نسبته 62% من إجمالي التجارة العالمية، في حين لم يتجاوز نمو تجارة السلع التقليدية نسبة 2% فقط.
وفي سياق تحليلها لتأثير التكنولوجيا المتقدمة، لفتت الأمين العام لـ “الأونكتاد” إلى مفارقة مهمة تتمثل في أنه على الرغم من أن التجارة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لا تمثل سوى 15% من إجمالي الطلب العالمي، إلا أنها ساهمت بنسبة هائلة بلغت 40% من نمو التجارة لهذا العام، مما يؤكد أن القطاعات “كثيفة المعرفة” أصبحت صاحبة الوزن الأكبر والأكثر تأثيراً، وقالت إن “الرقمنة” باتت تعيد تشكيل كافة القطاعات الاقتصادية، حيث تحولت المنتجات المادية التقليدية، مثل السيارات، إلى منظومات معقدة من البرمجيات والبيانات والخدمات، مما أتاح تداول الخدمات عالمياً بوتيرة غير مسبوقة.
وانتقلت جرينسبان للحديث عن التبعات التنموية لهذا الواقع الجديد، موضحة أن هذا التحول العالمي يمثل سلاحاً ذا حدين للدول النامية، فهو من جهة يتيح فرصاً عبر الخدمات والصناعات الإبداعية التي توفر مسارات تنموية بديلة لا تتطلب بنى تحتية ضخمة وتعتمد أساساً على المهارات والتواصل، ولكنه من جهة أخرى يحمل تحديات جسيمة، محذرة من أن الفجوة الرقمية لا تزال واسعة للغاية مع بقاء 2.6 مليار شخص حول العالم بلا خدمات إنترنت، مما يهدد بتكريس اللامساواة.
واختتمت جرينسبان مشاركتها بالتأكيد على أن أسواق المعرفة لا تنشأ تلقائياً وليست محايدة بطبيعتها، فالخوارزميات هي التي تحدد الأولويات ونظم التمويل هي التي توجه المجالات المدعومة، مشددة على أن وجود مؤسسات قوية وسياسات عامة عادلة هو الضمان الوحيد لتعميم فوائد المعرفة.
ودعت المجتمع الدولي إلى تسريع وصول التكنولوجيا إلى الدول النامية، وتعزيز بنيتها التحتية الرقمية، وإصلاح الأطر التنظيمية لضمان نقل التكنولوجيا بشروط عادلة، مع ضرورة ربط العرض بالطلب التنموي للشعوب وليس فقط بالطلب التجاري الربحي.