الإيقاعاتُ المُوسيقيّة في جنوب إيران.. تعبيرٌ ثقافيٌّ تشكّل على إيقاع البحر

طهران في 9 فبراير 2026 /العُمانية/ تتشكّل الإيقاعات
الموسيقيةفي مدن جنوب إيران بوصفها تعبيرًا ثقافيًّا متجذّرًا في علاقة
تاريخيّة طويلة بين الإنسان والبحر، علاقة صاغت أنماط العيش، وأساليب العمل،
وطرائق التعبير الفني في المجتمعات الساحلية.

وعلى امتداد السواحل الإيرانية من محافظة بوشهر إلى
بندر عباس، مرورًا بموانئ هرمزغان وجزرها، ولم تكن الموسيقى ممارسة منفصلة عن
الحياة، بل عنصرًا أساسيًّا في نسيجها الثقافي، تؤدّى في سياق العمل البحري وفي
المناسبات الاجتماعية المرتبطة به، وتحمل في بنيتها أثر المكان والمناخ والزمّن
بوصفها مكوّنات أساسية للهُوية الساحلية.

وفي حوار مع وكالة الأنباء العُمانية، قالت الباحثة
الإيرانية في التراث الثقافي ريحانة موسوي إنالإيقاعات البحرية في جنوب
إيران لا تنبع من الجماليات الموسيقية المجردة بقدر ما تنبثق من التجربة
الإنسانية اليومية، حيث تداخل العمل مع الغناء والحركة مع الصوت ليشكّل البحر
إطارًا ثقافيًّا جامعًا ترك أثره في الذاكرة الجماعيّة والسلوك الاجتماعي.

وأضافت أن الإيقاع يحل موقع الصدارة في التكوين
الموسيقي في مدن إيران الجنوبية الساحلية، فالضرب المنتظم على الطبول لا يهدف إلى
الإبهار السمعي بقدر ما يسعى إلى إيجاد حالة من التزامن الجماعي.

ووضحت أن الإيقاع في هذا النوع من الموسيقى التقليدية
ينظّم الحركة، ويضبط الجهد، ويمنح العاملين على السفن أو على الشاطئ إحساسًا
بالتماسك والاستمرارية، حيث تبدو هذه الإيقاعات في كثير من الأحيان بسيطة من حيث
البنية، لكنها كثيفة من حيث الدلالة، إذ تقوم على التكرار المقصود، والنبض الواضح،
والتدرّج الزمني الذي يوازي طبيعة العمل البحري نفسه.

وأشارت الباحثة إلى أن الآلات الإيقاعية تلعب دورًا
مركزيًّا في موسيقى جنوب إيران الساحلية، وعلى رأسها الطبول الكبيرة التي تُمسك
بزمام الإيقاع الأساسي، وتُدعَم بآلات إيقاعية أصغر تسهم في إثراء النسيج الصوتي.

وأكدت على أن الغناء يأتي بوصفه امتدادًا للإيقاع لا
نقيضًا له، فالأصوات البشرية في هذه الموسيقى لا تسعى إلى الاستعراض الفردي، بل
تذوب في الجماعة، وتُؤدّى غالبًا بصيغة النداء والرد، حيث يتقدّم صوت رئيس بجملة
قصيرة، لتردّ عليه المجموعة بإيقاع أو عبارة متكررة، موضحة أن هذا الشكل من الأداء
يعكس بنية اجتماعية واضحة تقوم على المشاركة والتكامل، ويُبرز وظيفة الموسيقى
كوسيلة لتعزيز الروابط بين الأفراد في سياق العمل أو الاحتفال.

وحول النصوص الغنائية قالت ريحانة موسوي إن هذه
النصوص تحمل مضامين بسيطة ومباشرة وعادة تدور حول البحر والرحلة، والتعب
والانتظار، وأحيانًا الدعاء والسلامة حيث أن اللغة المستخدمة هي لهجات محلية تنتمي
إلى جنوب إيران، وتتسم بإيقاع لفظي خاص وتتماهى مع الضرب الموسيقي أكثر مما تتماشى
مع القواعد الشعرية الكلاسيكية.

وبينت الباحثة أن هذه الموسيقى تتأثر أيضًا بالفضاء
الذي تُؤدّى فيه، فالساحات المفتوحة والمرافئ وضفاف البحر تفرض أسلوبًا في الأداء
يعتمد على القوة والوضوح، ويبتعد عن التفاصيل الدقيقة التي قد تضيع في الهواء
الطلق. ومن هذا المنطلق تبدو الإيقاعات صريحة والنبرات قوية والحركة الجسدية جزءًا
لا يتجزأ من الفعل الموسيقي، حيث تترافق الضربات مع خطوات أو اهتزازات جسدية تعكس
الإيقاع وتضاعف أثره.

وقالت موسوي إنه من منظور التراث الثقافي، يمكن النظر
إلى هذه الإيقاعات بوصفها سجلًا غير مكتوب لتاريخ اجتماعي واقتصادي طويل، فهي تحمل
آثار المهن البحرية وأنماط العيش والتفاعل اليومي مع الطبيعة وتكشف كيف استطاع
الإنسان أن يحوّل التعب إلى إيقاع والعمل إلى صوت، والبحر إلى مصدر إلهام لا ينضب.

/العُمانية/ النّشرة الثّقافية

شيخة الشحية