البن اليمني يكافح لاستعادة أمجاده وحضوره العالمي

البن اليمني يكافح لاستعادة أمجاده وحضوره العالميمن سامي نعمان (تقرير إخباري)عدن – 9 – 8 (كونا) — في أعالي الجبال اليمنية التي ترتفع إلى نحو 2600 متر عن سطح البحر تنبت شجرة البن اليمني في مدرجات زراعية حافظت على تقاليدها منذ قرون ليشكل البن ماركة مميزة احتلت صدارتها في أسواق العالم قبل أن يتراجع بسبب ظروف سياسية واقتصادية متقلبة مر بها اليمن.ويعد البن اليمني سلالة أصيلة تعرف عالميا بأنها أم القهوة إذ نقلت شتلاته في القرن الثامن عشر إلى دول آسيا وافريقيا ما أدى لاحقا إلى كسر احتكار اليمن وتراجع دوره تدريجيا رغم تفوق الجودة.وصار البن اليمني ماركة عالمية تحمل اسم (موكا) نسبة إلى ميناء التصدير في مدينة (المخا) الساحلية على البحر الأحمر لتقدم في أسواق العالم بهذا الاسم فيما يعاني في موطنه من تحديات وجودية تهدد إرثه وتضع مستقبله على المحك.ولا تتوفر إحصائيات رسمية حديثة عن إنتاج اليمن من البن لاسيما في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والانقسام الحاصل في البلاد لكن مصادر متخصصة بالزراعة قدرت إنتاج اليمن من البن لعام 2021 بنحو 22 ألف طن على مساحة تقدر بنحو 36 ألف هكتار فيما تقدر إحصائيات أخرى غير رسمية إنتاج اليمن من البن بنحو 25 ألف طن.ويزرع البن اليمني بطريقة طبيعية خالية من الإضافات الكيميائية وتعتمد عليه آلاف الأسر الريفية كمصدر رئيسي للدخل ويتميز بتنوع سلالاته مثل العديني والحمادي والحرازي والمطري والتفاحي واليافعي التي تضفي عليه نكهات ومواصفات فريدة تؤهله للتميز في أسواق القهوة المختصة.ويتميز البن اليمني بكونه ينمو بطريقة تقليدية طبيعية وغالبا ما تقوم على زراعته الأسر الريفية البسيطة التي تعتمد عليه كمصدر دخل رئيسي في معيشتها رغم ضعف القدرات التسويقية.ومول البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة ورش تدريب لمئات الشباب وأفراد الأسر للعمل على تحسين جودة المنتج مع الحفاظ على أصالته ضمن جهود استعادة حضور البن اليمني ومنافسته في الأسواق العالمية ويؤكد البرنامج الأممي أن سعر كيلو البن اليمني عالي الجودة يصل إلى 350 دولارا كأغلى أنواع البن في العالم.وأعلنت الحكومة اليمنية في 27 مارس الماضي أنها سلمت ملف البن اليمني لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) لإدراجه على قائمة التراث العالمي لتوثيق القهوة اليمنية كرمز ثقافي عالمي.لكن تلك الجهود والمبادرات رغم أهميتها تبقى في مستوى محدود من التأثير والفاعلية خصوصا أن استعادة ثقة المزارع اليمني بالبن وبجدواه الاقتصادية يحتاج إلى سنوات من العمل والتنسيق والتسويق والتحفيز خلافا لمحاصيل أخرى أبرزها شجرة (القات) المزدهرة في البلاد لسرعة إنتاجها وكثرة استهلاكها محليا وهي من أبرز الأسباب التي أدت لتراجع زراعة البن اليمني.وقال رئيس نادي البن اليمني هاشم بدر نعمان في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم السبت إن هذا المنتج الاستراتيجي يمر بمرحلة تراجع حادة نتيجة عوامل متعددة أبرزها التوسع المخيف في زراعة القات الذي يستنزف أكثر من 40 في المئة من المياه الجوفية إلى جانب غياب الدعم الحكومي للبنية التحتية الزراعية وتداعيات الحرب المستمرة منذ 2015.وأضاف أن البن اليمني يزرع في 17 محافظة يمنية لكن إنتاجه لا يمثل نسبة تذكر من الإنتاج العالمي بسبب ضعف التسويق وغياب الحماية القانونية للعلامات التجارية التاريخية مثل (موكا) و(أرابيكا) والتي يجب أن تسجل كملكية فكرية لليمن دون تأخير.وفي القرون الأخيرة وخاصة خلال القرن الثامن عشر كان البن اليمني يمثل عصب الاقتصاد الوطني ويمثل 80 في المئة من صادرات اليمنيين حين كانت كبريات الشركات الهولندية والفرنسية والبريطانية تتنافس على شرائه حتى أن الهولنديين أنشأوا أول مصنع للبن في مدينة (المخا) عام 1708.ووفق المصادر التاريخية فقد نقلت شتلات البن اليمني إلى دول آسيا وأفريقيا لتزدهر زراعتها في العديد من الدول لكن بأقل جودة نظرا لاختلاف العوامل البيئية قبل أن تتسبب الصراعات وغياب الاستقرار في اليمن في تراجع مكانة اليمن حتى باتت خارج قائمة الدول العشرين الكبرى في إنتاج البن.ويرى نعمان أن هناك فرصا حقيقية وواعدة للعودة للاستثمار في البن واستعادة أمجاد اليمنيين شريطة الاستثمار السليم وتبني رؤية وطنية واضحة.وأشار إلى أن هناك تناميا في الطلب العالمي على القهوة المختصة التي تقيم وفق معايير عالية تتوافر في البن اليمني بفعل خصائصه الجغرافية والمناخية الفريدة.وأكد أهمية تعزيز الهوية التسويقية للبن اليمني وتوسيع الاعتماد على الزراعة المستدامة الخالية من الكيماويات ما يمنح المنتج ميزة تنافسية نادرة.وبحسب المصادر التاريخية فقد وصلت أول شحنة من البن اليمني إلى مصر في القرن الخامس عشر قبل أن تحط في إسطنبول ثم أوروبا معززة بميزة الجودة والنكهة الأصيلة التي جعلت من هذا المنتج اليمني الأكثر شهرة في كثير من دول العالم.وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة في اليمن فإن الحرب ذاتها دفعت الكثيرون في اليمن إلى استعادة موروثهم الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لما له من مكانة مميزة بمن فيهم إعلاميون وناشطون أعلنوا يوم الثالث من مارس من كل عام يوما وطنيا للبن اليمني.وأوضح نعمان أن الحرب رغم كل مآسيها دفعت المزارعين مجددا للعودة إلى زراعة البن وخلقت موجة اهتمام متجددة محليا ودوليا بهذا المحصول الذي لم ينتظر من يعيده إلى الحياة والصدارة.وبين أن نادي البن اليمني يعمل حاليا على بلورة خريطة طريق وطنية شاملة لإحياء هذا القطاع بدءا من استصلاح المدرجات الزراعية وصولا إلى إنشاء سلاسل قيمة متكاملة تشمل الإرشاد والجني والمعالجة والتسويق والتصدير.ولفت إلى أن الاحتفال باليوم الوطني للبن يجب ألا يكون مجرد ذكرى رمزية بل مناسبة وطنية لتحشيد الطاقات وتوحيد الجهود حول مشروع استعادة أمجاد القهوة اليمنية باعتبارها رمزا للهوية الوطنية.ويرى اليمنيون في البن اليمني إرثا يتجاوز المفهوم الزراعي إلى ما هو ثقافي وحضاري وروحي وإذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي ووعي المستهلك المحلي يمكن لهذا المنتج الداكن أن يعيد لليمن أحد أبرز موارده ويصبح رافدا للاقتصاد الوطني واستثمارا مجديا ورمزا للحضارة والتاريخ والهوية اليمنية.(النهاية)س ن ص / م خ