(الدوائر الاقتصادية).. قضاء أكثر تخصصا لتعزيز ثقة المستثمرين ودعم الاقتصاد الكويتيمن آلاء البعنون (تقرير)الكويت – 20 – 9 (كونا) — في خطوة تشريعية مفصلية تجسد توجه دولة الكويت نحو تطوير منظومة العدالة الاقتصادية ومواكبة التطورات المالية والتكنولوجية الحديثة جاء إصدار قانون إنشاء الدوائر الاقتصادية في أغسطس الماضي على أن يبدأ العمل به اعتبارا من مطلع أكتوبر 2027 ليستجيب لمتطلبات قطاع الأعمال عبر إيجاد قضاء أكثر تخصصا وسرعة في حسم المنازعات التجارية والمالية.ويستهدف القانون إنشاء قضاء متخصص على درجات التقاضي الثلاث وتسريع الفصل في المنازعات وتطوير إجراءات التنفيذ والتوسع في التقاضي الإلكتروني بما يعزز كفاءة إنفاذ العقود ويرفع مستوى الثقة في البيئة القانونية والاستثمارية للدولة.ويقوم القانون على إنشاء دوائر اقتصادية متخصصة في المحكمة الكلية ومحكمة الاستئناف ومحكمة التمييز تختص بالمنازعات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي حددها القانون ويعاونها مكتب فني متخصص لدعم عملها.ويستهدف القانون تسريع الفصل في القضايا من خلال مكتب لتحضير الدعوى يتولى استكمال مستنداتها قبل عرضها على المحكمة إلى جانب تنظيم مواعيد الإجراءات والطعن بما يحد من إطالة أمد المنازعات.واستحدث القانون مسارا للتسوية والصلح قبل نظر النزاع قضائيا مع منح محضر الصلح قوة السند التنفيذي بما يتيح حسم جانب من المنازعات بصورة أسرع وأقل كلفة.ويمثل التحول الرقمي أحد المحاور الأساسية للقانون من خلال اعتماد منصة إلكترونية لإجراءات التقاضي والتنفيذ وملف إلكتروني للدعوى وقاعدة بيانات للأحكام والمبادئ القضائية المنشورة.ويولي القانون تنفيذ الأحكام أهمية خاصة من خلال إنشاء إدارة تنفيذ متخصصة وربطها إلكترونيا بالجهات ذات الصلة وتطوير إجراءات الحجز واعتماد المزادات الإلكترونية بما يحقق سرعة وفاعلية التنفيذ.وأكد عدد من المتخصصين والأكاديميين والاقتصاديين في لقاءات متفرقة مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأحد أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية وتخفيض التكاليف والمخاطر وتسريع عودة الأموال المعطلة إلى الدورة الاقتصادية بما يدعم تنافسية البلاد ويرسخ مكانتها كمركز مالي وتجاري إقليمي انسجاما مع أهداف رؤية (كويت جديدة 2035).وقال المدير العام لغرفة تجارة وصناعة الكويت رباح الرباح لـ(كونا) إن تطوير منظومة القضاء الاقتصادي من شأنه الإسهام في تعزيز بيئة الأعمال والاستثمار في البلاد علاوة على أن سرعة حسم المنازعات وفاعلية تنفيذ الأحكام تعدان من العوامل المهمة في تعزيز ثقة المستثمرين.وأوضح الرباح أن طول أمد المنازعات التجارية قد يؤدي إلى تعطيل المشروعات والتعاقدات وزيادة الأعباء على الشركات لا سيما الصغيرة والمتوسطة مما يؤثر في قدرتها على التخطيط والاستثمار.وبين أن أهمية القانون تكمن في عدم توقفه عند مرحلة إصدار الحكم وإنما امتداده إلى تنظيم مرحلة التنفيذ والاستعانة بخبرات فنية متخصصة واعتماد الوسائل الإلكترونية بما يسهم في بناء منظومة قضائية أكثر تخصصا وتنظيما وقابلية للتوقع.وتوقع أن يسهم القانون في خفض المخاطر والتكاليف المرتبطة بالمنازعات التجارية وتحسين كفاءة التعامل معها بما ينعكس إيجابا على النشاط الاقتصادي وبيئة الأعمال مؤكدا أهمية أن يصاحب تطبيقه إعداد اللوائح والإجراءات التنفيذية بصورة واضحة وفاعلة لضمان تحقيق أهدافه.وأشار الرباح إلى أن تطوير البيئة القانونية والقضائية الداعمة للأعمال يمثل أحد العناصر المهمة في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحسين جاذبية الكويت للاستثمار بما يتسق مع أهداف رؤية (كويت جديدة 2035).من جهته قال نائب الرئيس التنفيذي لشركة المصالح الاستثمارية وأمين سر الجمعية الاقتصادية الكويتية محمد الجوعان لـ(كونا) إن تطوير الدوائر الاقتصادية سيكون له أثر إيجابي كبير في تعزيز مكانة الكويت كواجهة تجارية ومالية موضحا أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على تسريع إجراءات التقاضي بل تمتد إلى رفع جودة الأحكام وتعزيز قدرة القضاء على فهم طبيعة الأدوات والمعاملات المالية والاقتصادية الحديثة.وأضاف الجوعان أن الأدوات المالية والاقتصادية العالمية تشهد تطورا متسارعا في وقت تتسم التشريعات التجارية في طبيعتها العامة بالجمود ما يجعل الإلمام بالتفاصيل الفنية للمعاملات والأدوات المالية الحديثة أمرا بالغ الأهمية عند النظر في المنازعات الاقتصادية والتجارية.وذكر أن بعض الشركات الكويتية اضطرت في السابق للجوء إلى التقاضي بمحاكم دول الخليج ومن أبرزها محاكم مركز دبي المالي العالمي بسبب وجود هيئات قضائية متخصصة قادرة على استيعاب طبيعة المعاملات والأدوات المالية محل النزاع معتبرا أن وجود قضاء اقتصادي متخصص في الكويت من شأنه تعزيز ثقة الشركات والمستثمرين بالمنظومة القضائية المحلية.وأكد ضرورة وجود محكمة اقتصادية متخصصة ومستقلة في عملها وألا تقتصر على كونها دائرة ضمن الدوائر القضائية القائمة على أن يتفرغ قضاتها للنظر في القضايا الاقتصادية والتجارية.وشدد على أهمية إخضاع القضاة العاملين فيها لبرامج تدريب وتأهيل مستمرة لمواكبة التطورات في الأدوات المالية والتجارية وأساليب الاحتيال والجرائم المالية وغسل الأموال بما يسهم في بناء خبرات قضائية متخصصة يتم تحديثها بصورة دائمة.من جانبه قال أستاذ مشارك في قسم القانون الخاص بكلية الحقوق بجامعة الكويت الدكتور مشعل جوهر حيات لـ(كونا) إن قانون إنشاء الدوائر الاقتصادية يمثل تحولا مهما في آلية نظر المنازعات الاقتصادية إذ كانت في السابق تنظر ضمن الدوائر المدنية أو التجارية فيما أوجد القانون بيئة قضائية متخصصة ومسارا أكثر سرعة وكفاءة للفصل فيها.وأوضح حيات أن إنشاء (مكتب تهيئة الدعوى) يعد من أبرز الأدوات التي تسهم في اختصار مدة التقاضي إذ يتولى مراجعة المستندات واستكمال النواقص وإبلاغ الخصوم وتبادل المذكرات قبل عرض القضية على القاضي ما يحد من التأجيلات الإجرائية ويتيح للقاضي تسلم ملف مكتمل ومهيأ للفصل فيه.وأكد أهمية الاستعانة بخبراء ومتخصصين في الاقتصاد والاستثمار ضمن المكتب الفني للدوائر بما يوفر الرأي الفني والمالي للقاضي ويختصر الوقت الذي قد تستغرقه إحالة القضايا إلى خبراء خارجيين فضلا عن تعزيز الدقة الفنية للأحكام.وأشار إلى أن إتاحة مسار منظم للتسوية الودية قبل التقاضي تمنح الأطراف فرصة لحل النزاع دون الدخول في خصومة قضائية ممتدة بما يحافظ على العلاقات التجارية ويسهم في تخفيف أعداد القضايا والضغط على المحاكم.وذكر حيات أن اعتماد التقاضي الإلكتروني كأصل في الإجراءات من شأنه تقليل المعاملات الورقية وتمكين الأطراف من رفع الدعاوى ومتابعتها عن بعد بما يرفع كفاءة المنظومة ويوفر الوقت والتكاليف مؤكدا أن سرعة الفصل لا تعني المساس بحقوق الدفاع.وشدد على أن العدالة لا تكتمل بصدور الحكم إنما بسرعة تنفيذه ما يستدعي تطوير آليات التنفيذ والربط الإلكتروني مع الجهات المعنية لضمان وصول الحقوق إلى أصحابها.من ناحيته قال العميد المساعد لكلية العلوم الإدارية بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا الدكتور أسامة الفلاح لـ(كونا) إن إنشاء دوائر قضائية متخصصة في المنازعات الاقتصادية يعكس الإدراك بأن جودة الفصل في القضايا التجارية تمثل جزءا أساسيا من البنية التحتية الاقتصادية وليست مجرد إجراء قانوني.وأوضح الفلاح أن التخصص يؤدي إلى تراكم الخبرة القضائية في طبيعة المعاملات المالية والتجارية المعقدة بما ينعكس مباشرة على جودة الأحكام وسرعة صدورها مبينا أن سرعة الفصل في المنازعات تعد من أهم العوامل المؤثرة في مؤشرات التنافسية الدولية وبيئة الأعمال.وبين أن وضوح الإجراءات وكفاءة القضاء التجاري من أبرز المعايير التي يفحصها المستثمر الأجنبي وقد يسبق ذلك النظر في الحوافز الضريبية أو الإعفاءات مضيفا أن غياب اليقين القانوني يترجم مباشرة إلى (علاوة مخاطر) يضيفها المستثمر إلى قراره وقد يدفعه إلى اختيار سوق منافس أكثر وضوحا.وأشار إلى أن القانون يضع الكويت على مسار مواكب للإصلاحات القضائية المتخصصة في المنازعات الاقتصادية التي نفذتها مراكز مالية إقليمية أخرى مؤكدا أن اقتران تطبيقه بالكفاءة الفعلية من شأنه تعزيز تنافسية الكويت بوصفها وجهة مالية وتجارية مقارنة بدول الخليج.وذكر أن تطوير منظومة التقاضي الاقتصادي يمكن أن يتجاوز كونه إصلاحا قضائيا ليصبح عامل جذب استثماري بحد ذاته عندما يتسم القضاء الاقتصادي بالسرعة والوضوح وإمكانية توقع مساراته ليصبح إحدى مزايا السوق الكويتي إلى جانب البنية التحتية والموقع الجغرافي.بدوره قال عميد كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية السابق بجامعة الكويت الدكتور صادق البسام لـ(كونا) إن تعديل القانون يمثل إصلاحا في البنية التحتية للسوق وليس مجرد تطوير للمنظومة القضائية لما للقضاء الاقتصادي المتخصص من دور في تقليل مخاطر المعاملات ورفع كفاءة تخصيص الموارد.وأوضح البسام أن من أبرز الآثار الاقتصادية المتوقعة خفض ما وصفه بـ(تكلفة الاحتكاك القانوني) إذ إن الشركة التي تنتظر فترة طويلة لتحصيل مستحقاتها لا تتحمل تكاليف المحامين والخبراء والإجراءات فحسب إنما تفقد كذلك فرصة استخدام أموالها في الاستثمار أو التوسع أو التشغيل.وبين أن رأس المال المرتبط بنزاع قضائي يصبح أقل إنتاجية أو غير قابل للاستخدام إلى حين حسم النزاع وتنفيذ الحكم مشيرا إلى أن تقليص فترة التقاضي وتسريع التنفيذ من شأنهما إعادة هذه الأموال إلى النشاط الاقتصادي في وقت أقصر بما يسهم في رفع سرعة دوران رأس المال.وشدد على أن التطبيق الفعلي يمثل الاختبار الحقيقي لنجاح القانون داعيا إلى وضع مؤشرات أداء واضحة تشمل متوسط مدة الفصل في القضايا ومدة تنفيذ الأحكام وحجم القضايا المتراكمة ونسب التسويات ورضا المتقاضين.وأشار إلى أن نجاح التجربة ينبغي ألا يقاس بعدد الدوائر المنشأة بقدر ما يقاس بالوقت الذي تم توفيره على المستثمرين والشركات وحجم رؤوس الأموال التي أعيدت إلى الدورة الاقتصادية ومدى انخفاض تكلفة ومخاطر الدخول إلى السوق الكويتي. (النهاية)ا ع ب / ه ث / ن و ف