“الإعلام العربي والذكاء الاصطناعي:الفرص والتحديات”موضوع جائزة التميز الإعلامي العربي
الإمارات تواصل دعمها لجهود الاستجابة الإنسانية في السودان بـ 20 مليون دولار
افتتاح محمد الشيخ زايد لرعاية الطفل في اسطنبول بعد إعادة تطويره
عبدالله بن زايد يرحب باستضافة الإمارات للمحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة
الدوحة في 20 فبراير /قنا/ لا يمكن مقاربة العادات والتقاليد الرمضانية في المجتمع القطري بمعزل عن الذاكرة الشفاهية التي حفظت تفاصيلها، واحتضنت ممارساتها، ونقلتها من جيل إلى آخر عبر الحكايات والروايات المتداولة في البيوت والمجالس، إذ أن هذه الذاكرة التي تشكلت من السرد اليومي وتجارب العيش المشترك، كانت ولا تزال الخزان الأهم الذي صان الملامح الاجتماعية والثقافية لشهر رمضان المبارك، ورسخ حضوره في الوجدان الجمعي.
وعبر عقود طويلة، أدى السرد الشفاهي دورا محوريا في توثيق أنماط العادات والتقاليد الاجتماعية، ومن بينها تلك المرتبطة بشهر رمضان المبارك، إذ انتقلت تفاصيل الاستعداد له وطقوس الاحتفاء بقدومه وممارساته اليومية من أفواه الكبار إلى أسماع الصغار، لتصل إلى الجيل الحالي الذي بات بدوره معنيا بتدوينها وحفظها ونقلها للأجيال اللاحقة.
ولم تكن الذاكرة الشفاهية مجرد وعاء للحفظ، بل وسيلة فاعلة لفهم التحولات الاجتماعية، وقراءة ما استمر من الممارسات وما تبدل منها ضمن سياقها الزمني والثقافي.
وفي هذا السياق، أكد صالح غريب العبيدلي الباحث في التراث الشعبي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، أن حضور شهر رمضان في الذاكرة الشعبية القطرية ينطلق من بعده الديني العميق، بوصف صيامه أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو ما منحه مكانة خاصة جعلته محفورا في الذاكرة الجمعية، ومتصلا بحياة الناس اليومية ووجدانهم.
وأشار العبيدلي إلى أن فريقا من الباحثين تمكن من تسجيل عدد كبير من السرديات الشعبية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، تناولت كيفية الاستعداد له والاحتفاء بقدومه، مضيفا أن هذا التوثيق رصد استعدادات الأسر القطرية للشهر الفضيل منذ شهر شعبان، ومن بينها استقبال النساء بعضهن بعضا في المنازل لدق الحبوب، في ممارسة شعبية شكلت جزءا من الموروث الاجتماعي، ورغم اختفائها بفعل تطورات العصر، إلا أن مكانتها الرمزية ما زالت حاضرة في الذاكرة القطرية.
وقال إن الذاكرة الشفاهية القطرية سجلت هذه الاستعدادات بوصفها تعبيرا عن استشراف الشهر الكريم والتهيؤ له مبكرا، بما يعكس عمق حضوره في الذاكرة الجمعية لدى أفراد المجتمع، كما رصدت هذه الذاكرة العديد من العادات والتقاليد والظواهر الرمضانية، بهدف توثيقها أولا، ثم توريثها للأجيال اللاحقة، حفاظا على هذا الموروث الشعبي، في تأكيد على أن الذاكرة الشفاهية لا تقل أهمية عن التدوين البحثي المكتوب.
ولفت العبيدلي إلى أن ما يعرف بـ”جيل لول” ما زال يحتفظ بهذه الروايات والسرديات، ناقلا إياها إلى الجيل الحالي، الذي بدوره ينقلها إلى الأجيال القادمة، في سلسلة متواصلة من الحفظ والتناقلـ منوها بجهود إدارة التراث والهوية في وزارة الثقافة، التي تعمل على توثيق هذه السرديات الشفاهية وتحليلها وتقديمها للأجيال، بوصفها مصدرا مهما لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية في المجتمع القطري.
وعلى الرغم من التطورات المتسارعة التي أثرت في كثير من الظواهر الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، أكد العبيدلي أن الذاكرة الشفاهية ظلت حريصة على الاحتفاظ بتفاصيل هذه الظواهر، بهدف صون الموروث الرمضاني الشعبي بوصفه جزءا من الهوية الوطنية، حتى وإن اندثر جانب من ممارساته.
ونوه صالح غريب العبيدلي الباحث في التراث الشعبي، في تصريحاته لـ”قنا”، باهتمام العديد من الجهات في الدولة بتوثيق هذه الذاكرة، عبر تنظيم فعاليات خلال الشهر الكريم ترصد الاستعدادات لرمضان والعادات المصاحبة له والظواهر الرمضانية المختلفة مثل المسحر وليلة القرنقعوه ومدفع الإفطار وغيرها من الفعاليات المرتبطة بشهر رمضان المبارك.
من جانبه، أكد عبدالرحمن علي الملا الباحث في التراث الشعبي أن شهر رمضان المبارك يشغل مكانة خاصة وعميقة في الذاكرة الشفاهية القطرية، إذ يمثل موسما استثنائيا على المستويين الديني والاجتماعي، حيث تتلاقى خلاله القيم الروحية والعادات المجتمعية والتجارب اليومية للأفراد.
وقال الملا، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، إن هذا الحضور المكثف للشهر الفضيل تجسد عبر السرديات والحكايات التي توارثتها العائلات والأسر، والتي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية في المنازل والمجالس الشعبية والفريج الواحد، لتصبح هذه الحكايات جزءا أصيلا من التجربة الجماعية للشهر الفضيل.
وأضاف أن هذه الروايات الشفاهية كانت تروى بشكل تلقائي وعفوي خلال أوقات الإفطار أو في المجالس المسائية الرمضانية، وتناولت بوضوح كيفية الاستعداد لقدوم الشهر الكريم، وتنظيم الروتين اليومي خلال أيام الصيام، والتحضيرات لوجبات الإفطار والسحور، وكذلك حركة الناس لأداء الصلوات في المساجد.
وأشار إلى أن هذه الحكايات لم تصغ بصياغة أدبية أو قصصية متقنة، بل كانت سردا لتجارب حية ومعيشية متكررة سنويا، ما جعلها جزءا ثابتا ومستقرا في الذاكرة الجمعية للمجتمع القطري، وجعلها أحد الأعمدة التي يقوم عليها نمط الحياة الرمضانية التقليدية.
وحول أبرز الموضوعات التي تناولتها هذه السرديات الرمضانية، قال الملا إن الكثير منها ركز على عادات استقبال الشهر الفضيل، ورصد لحظة رؤية هلال رمضان، بالإضافة إلى مختلف الممارسات الاجتماعية اليومية التي رافقت هذا الشهر الكريم، بما في ذلك التفاعل بين الجيران والزيارات العائلية والاحتفالات الرمضانية الصغيرة، فضلا عن نقل قيم الشهر وروحانياته من جيل إلى آخر.
كما تضمنت هذه السرديات جوانب من الحياة الثقافية والاجتماعية في المجتمع القطري، ما يعكس خصوصية المجتمع الخليجي في الاحتفاء بالشهر الفضيل، ويكشف عن البنية الاجتماعية المتماسكة التي يكرسها رمضان.
وفيما يخص آليات انتقال هذه الروايات بين الأجيال، أشار الباحث في التراث الشعبي إلى أن القصص الرمضانية انتقلت في البداية عبر الطرق التقليدية للذاكرة الشفاهية، مثل السرد المباشر داخل الأسرة أو في المجالس الرمضانية، ومن خلال الأنشطة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، وقد تأثرت هذه الآليات لاحقا بالتحولات الاجتماعية والثقافية الحديثة، ما ساعد على توسيع انتشار هذه الروايات وتوثيقها بشكل أفضل.
وأضاف أن البيت والأسرة والمجالس الرمضانية، إلى جانب الفعاليات المجتمعية، شكلت وسائل أساسية للحفاظ على هذه الموروثات ونقلها بين الأجيال، لتظل حية في الذاكرة الجماعية.
وخلص عبدالرحمن علي الملا الباحث في التراث الشعبي، في ختام تصريحاته لـ”قنا”، إلى أن الذاكرة الشفاهية الرمضانية ليست مجرد سجل للماضي، بل هي مصدر مهم وموثوق نسبيا لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية في المجتمع القطري، ضمن منهجية واضحة، كما أنها تتيح للباحثين والمجتمع قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، بما يحافظ على الجذور الثقافية والهوية المجتمعية.
وتظل هذه الذاكرة مرآة حية تعكس عمق التجربة الرمضانية، وجسرا يربط بين الأجيال، حاملة معها حكايات الشهر الفضيل، بكل ما تحويه من قيم وروحانيات وتقاليد، لتبقى حاضرة في الوجدان القطري، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت أنماط الحياة.