مسقط في 21 سبتمبر
2026 /العُمانية/ تجد الفنانة التشكيلية العُمانية شيخة بنت أحمد الريامية حضورًا
فنيًّا نوعيًّا في سياق “المدرسة الانطباعية”، وذلك لما تجسده من رؤى
وتوجهات واسعة للتعبير عن الهوية العُمانية، من خلال الاستناد إلى الألوان المائية
التي عادة ما توجد الإحساس والجمال التي تتميز به البيئة في سلطنة عُمان، بلغة
تشكيلية بالغة.
وبحسب تعبيرها أن
ذلك يسهم في الوصول إلى المحافل الدولية ومخاطبة أحاسيس المتلقي في مختلف الثقافات
واللغات، ليصبح الفن شريكًا حقيقيًّا في صناعة الوعي الثفافي وترسيخ الذائقة
الجمالية ومساحة ممتدة للتأمل الإنساني بما يحفظ التوازن بين الأصالة والتجديد.
وقالت في حديث
لوكالة الأنباء العُمانية: “منذ أن بدأت ممارسة الفن التشكيلي، كنت أبحث عن
الأسلوب الذي ينسجم مع رؤيتي للمكان ويمنحني حرية التعبير عن إحساسي تجاهه، فوجدت
في المدرسة الانطباعية الأسلوب الأقرب إليّ. أكثر ما جذبني إليها اهتمامها بالضوء
والظل، وقدرتها على التقاط أثر اللحظة؛ فالفنان الانطباعي لا ينشغل بنقل المشهد
بكل تفاصيله الدقيقة، وإنما يرسم انطباعه عنه”.
وتشير إلى أنها
وجدت في هذه المدرسة ما يتوافق مع طريقتها في رؤية البيئة العُمانية، بما تتميز به
من تنوع طبيعي وعمراني، قائلة: “لا أسعى إلى تقديم المكان كونه صورة جامدة،
بل أحاول أن أنقل روحه وإحساسه، وأؤمن بأن الهوية لا تُحفظ من خلال تكرار عناصر
التراث فحسب، وإنما بالتعبير عنها برؤية معاصرة تحافظ على أصالتها وتمنحها حياة
جديدة. فالانطباعية بالنسبة لي وسيلة للتعبير عن جمال البيئة العُمانية بلغةٍ
تشكيليةٍ تجمع بين صدق الإحساس وخصوصية المكان”.
وأضافت: “بدأت
رحلتي مع الألوان المائية منذ الطفولة؛ فقد كنت أضع الألوان على أصابعي وأرسم بها
مباشرة من دون فرشاة، والتي كوّنت علاقة قريبة وعفوية مع اللون”. وإن الألوان
المائية – وفق تعبيرها- أصبحت أكثر من مجرد خامة تستخدمها، وتحولت إلى نافذة
لاكتشاف جوهر الجمال من حولها، وإلى لغة تعبّر من خلالها عن إحساسها بالمكان.
وقالت:
“علمتني هذه الخامة التأمل والبحث عن الإلهام في التفاصيل الصغيرة، وأن ألاحظ
بعمق لا أن أنظر فقط. فهي تدفع الفنان إلى الانتباه إلى انعكاسات الضوء، وتدرجات
الظل، وانسجام اللون، وما تولّده هذه العناصر من مشاعر داخل المشهد. كما تمنح
شفافيتها وانسيابها اللوحة حيوية خاصة.
وترى الريامية التي
يتجسد حضورها الفني في كونها عضوة في المنظمة العالمية للألوان المائية بأن الفن
لغة قادرة على حفظ ذاكرة المكان، ونقل المشاعر التي تعجز الكلمات عن وصفها. ومن
خلال الرسم.
وقالت في السياق
ذاته: “أسعى إلى إعادة اكتشاف تفاصيل البيئة العُمانية، بما تحمله من تنوع
طبيعي ومعماري وثقافي، وتحويلها إلى أعمال تنبض بالحياة والضوء. حيث تشكّل الألوان
المائية المساحة الأقرب إلى تجربتي الفنية، لما تمنحه من شفافية وحرية في التعبير،
وتمثل المدرسة الانطباعية الإطار الذي أجد فيه القدرة على التعبير عن أثر الضوء
والحركة والإحساس بالمكان، أكثر من نقل تفاصيله الواقعية”.
وعلى المستوى
الشخصي ترى “الريامية” أن الألوان المائية أسهمت في تشكيل شخصيتها
الفنية؛ إذ علمتها اختزال التفاصيل والعناصر، والثقة في ضربات الفرشاة. ومن خلالها
استطاعت التعبير عن جمال المشهد العُماني، بما يحمله من تنوع جمالي.
وأوضحت أن مشاركتها
في المعارض والملتقيات وحلقات العمل أسهم في تطوير تجربتها الفنية. كونها كانت
مساحة لعرض أعمالها أمام جمهور متنوع، والتفاعل مع فنانين ومهتمين بالفن، مؤكدة
على أنها أسهمت في إكسابها المزيد من الثقة والخبرة، والنظر إلى تجربتها بوعي
أكثر.
كما أتاح لها
الاطلاع على خبرات وأساليب فنانين من ثقافات مختلفة، والتعرف على طرائق متعددة في
بناء العمل والتعامل مع اللون والخامة.
وأوضحت:
“انعكس ذلك على تجربتي من خلال توسيع رؤيتي، وتشجيعي على التجريب، مع الحفاظ
على السمات التي تميز أعمالي. وأن للمشاركات الخارجية أثر في إدراكي أن الفن مجال
مفتوح للحوار وتبادل الخبرات. فقد أكدت لي هذه التجارب أن الفنان يتطور عندما يخرج
من دائرة المألوف، ويرى كيف يعبّر الآخرون عن بيئاتهم وثقافاتهم”.
وحول الأثر الذي
يصنعه الفنان ورسالته الممتدة للمجتمع، أوضحت أن أثر الفنان لا يقتصر على إنتاج
اللوحات وعرضها، وإنما يمتد إلى الحضور الفاعل في المجتمع والتفاعل مع قضاياه
واحتياجاته؛ لأن الفن في جوهره معرفة ومسؤولية ورسالة. فالمعرفة الفنية لا تكتمل
قيمتها إذا بقيت حبيسة التجربة الشخصية، بل ينبغي أن تنتقل إلى الآخرين، وتسهم في
اكتشاف مواهبهم وتنمية قدرتهم على التعبير ورؤية الجمال.
ومن هذا المنطلق
أضافت: “حرصت على تقديم الحلقات الفنية للطلبة والموهوبين، وفي المدارس
والمراكز الصيفية ومدارس القرآن الكريم ورياض الأطفال، إلى جانب البرامج
والمبادرات المجتمعية المختلفة. وأجد في التدريب فرصة لا تقتصر على تعليم
التقنيات، بل تتجاوز ذلك إلى بناء الثقة، وتحفيز الخيال، وغرس الذائقة الجمالية.
كما أتاح لي الفن كذلك التفاعل مع قضايا إنسانية ومجتمعية من خلال فعاليات مثل
“كلنا غزة” و “أطفال الحجارة”، وغيرها من الفعاليات. مشيرة
إلى أن أثر الفنان الحقيقي قد يتجلى في لوحة، أو موهبة اكتُشفت، أو وعي نما، أو
رسالة وصلت إلى المجتمع وتركت أثرًا مستمرًا.
وفيما يتعلق بالفن
التشكيلي كونه لغة عالمية تتجاوز اختلاف الثقافات واللغات، بيّنت “الريامية”
أن الفن التشكيلي لغة إنسانية لا تحتاج إلى ترجمة؛ فالعمل الفني يخاطب المتلقي من
خلال فكرته، وألوانه، وما يحمله من إحساس، حتى وإن اختلفت ثقافة الفنان عن الملتقي
فقد لا يعرف المتلقي المكان الذي تصوره اللوحة أو دلالات جميع عناصرها، لكنه
يستطيع أن يشعر بما تنقله من فرح، أو حنين، أو سكينة، أو دهشة.
وقالت: “أؤمن
بأن صدق الإحساس هو ما يمنح العمل قدرته على الوصول؛ فالمهارة الفنية تجذب العين،
لكن الفكرة الصادقة والمشاعر الحقيقية هما ما يلامسان الوجدان. ولذلك يظل الفن
مساحة مفتوحة يلتقي فيها الناس، ويقرأ كل متلقٍ العمل من خلال ذاكرته وتجربته، دون
أن يفقد العمل جوهر رسالته”.
وتطرقت الفنانة
التشكيلية شيخة الريامية إلى الفن كونه شريكًا في بناء الوعي الثقافي والاجتماعي
ويمتد إلى ترسيخ الذائقة الجمالية وتعزيز جودة الحياة، حيث أوضحت أن الفن التشكيلي
لم يعد مجرد ممارسة جمالية، بل أصبح وسيلة فاعلة في بناء الوعي الثقافي
والاجتماعي. فالفن يدرّب العين على ملاحظة التفاصيل التي قد تمر دون انتباه،
ويعلّم الإنسان أن يتأمل قبل أن يحكم، وأن يرى الجمال في أبسط عناصر الحياة. ومن
خلال هذه القدرة على التأمل، تتشكّل الذائقة الجمالية، ويصبح الإنسان أكثر تقديرًا
لما يحيط به من طبيعة وتراث وفنون.
وأضافت أن الأعمال
الفنية قادرة على تعزيز احترام البيئة والهوية الثقافية، لأنها تعيد تقديم المكان
بعين مختلفة، وتلفت الانتباه إلى قيمته الجمالية والإنسانية. فعندما يرى المتلقي
جمال الحارات القديمة، أو النخيل، أو الجبال، أو العمارة العُمانية في عمل فني،
فإنه لا يكتفي بالإعجاب بها، بل يشعر بمسؤولية أكبر تجاه المحافظة عليها بوصفها
جزءًا من هويته.
وفيما يتعلق بالفن
كونه مساحة للتأمل والروح وعلاقة حقيقية بين اللوحة والمتلقي، أشارت إلى أن الفنان في أعماله لا يسعى إلى نقل
الواقع كما يبدو أمام العين فحسب، بل إلى إيجاد أفق جمالي يرتقي بإدراك المتلقي
وتذوّقه للعمل الفني إلى مدارج أعمق. فهو يرسم الواقع بالشكل الذي يشعر به ويحسه،
ويعيد تشكيله من خلال تجربته وذاكرته وحالته الوجدانية؛ لذلك تحمل اللوحة شيئًا من
روح الفنان.
وأشارت إلى إن
العلاقة الحقيقية بين اللوحة والمتلقي تبدأ حين تتجاوز المشاهدة حدود اللون والخط
والتكوين، وتوقظ في داخله إحساسًا أو ذكرى أو سؤالًا. فقد يجد المتلقي جزءًا من
نفسه أو من ذاكرته داخل العمل، وربما تستدعي لوحة ما حنينًا إلى مكان قديم، أو
تمنحه سكينة، أو تثير لديه الدهشة والتأمل. وهذه الاستجابة لا تكون متطابقة لدى
الجميع؛ لأن كل إنسان يدخل إلى العمل الفني محملًا بتجاربه ومشاعره الخاصة.
وتوقفت الفنانة
التشكيلية عند مدى قدرة الفنان على الموازنة بين الأصالة والتجديد، وقالت:
“الفنان المبدع ينطلق من بيئته، لكنه يخاطب الإنسان أينما كان؛ فكلما كان
العمل نابعًا من جذور ثقافية راسخة وهوية وطنية، امتلك قدرة أكبر على الوصول
والتأثير. ولا يمكن للفنان أن ينفصل عن واقعه، لأن المكان الذي يعيش فيه، وتفاصيل
بيئته، وذاكرته البصرية والثقافية، كلها تسهم في تشكيل رؤيته ولغته الفنية”.
وتشير إلى أنها
تستلهم البيئة العُمانية بما تحمله من طبيعة متنوعة، وعمران مميز، ومفردات تراثية
غنية، لكن الحفاظ على الهوية لا يعني تكرار التراث أو نسخه كما هو. فدور الفنان
يتمثل في إعادة التعبير عن هذه العناصر برؤية معاصرة، تمنحها حياة جديدة وتحافظ في
الوقت نفسه على أصالتها. وقالت: “أحاول أن أعبّر عن البيئة العُمانية بأسلوب
يتصل بالحاضر، دون أن يفقد العمل جذوره العُمانية”.
وأكدت أن الانفتاح
على المدارس والتجارب الفنية العالمية ضرورة لتطور الفنان وتجدد أدواته، لكنه
ينبغي أن يكون انفتاحًا واعيًا يقوم على التعلم والحوار، لا على التقليد أو محاكاة
الآخرين. فالفنان المبدع هو من يستفيد من تجارب الآخرين، ثم يعيد صياغة ما تعلمه
ضمن رؤيته الخاصة.
الجدير بالذكر أن
الفنانة التشكيلية العُمانية شيخة الريامية نجحت في صياغة تجربتها الإبداعية عبر
مسارات تمتد من لوحاتها لتتقاطع مع مجالات التدريب، والتحكيم الفني.
/العُمانية /النشرة
الثقافية
رحمة الشكرية