مسقط في 2 مارس 2026 /العُمانية/ تشكّل القصة القصيرة في سلطنة عُمان أحد أكثر الأجناس الأدبيّة قدرة على التقاط التحوّلات الإنسانيّة والاجتماعيّة اليوميّة الدقيقة، ورصد التفاعل بين الفرد وواقعه الاجتماعيّ والثقافيّ. فهي لا تكتفي بالتسجيل اليوميّ أو إعادة إنتاج المألوف، بل تنفتح بوصفها فضاءً إبداعيًّا رحبًا لاختبار الأسئلة العميقة، واستنطاق الذاكرة الجماعيّة، وفتح أسئلة لتواكب التحوّلات المُتسارعة برؤى سرديّة مُبتكرة.ومن خلال حساسيّة جماليّة واعية، أسهمت القصّة القصيرة العُمانية في إعادة تشكيل صورة الإنسان في سلطنة عُمان، لا بوصفه كائنًا مُنغلقًا في محلّيته، بل ذاتًا فاعلة قادرة على الحوار مع الإنسانيّ العام، ومشغولة بإعادة التوازن بين الموروث والتجديد، وبين الخصوصيّة والانفتاح.كما تمكّن كتّاب القصّة القصيرة العُمانية من تحويل التجارب اليوميّة والإنسانيّة إلى نصوص ثريّة تحتفي بالتنوّع الاجتماعيّ وتعدد الرؤى، وهذا ما أكّد عليه الكاتب والقاص حمد بن رشيد آل جمعة الذي قال: “إنّ القاصّ ابن بيئته ويتأثّر بما يحدث مثل الشاعر تمامًا، سواء على مُستوى بلده أو على المُستوى العالميّ، والأحداث التي نعيشها على مُستوى العالم أصبحت تُؤثر فينا تلقائيًّا، وخاصّة تلك المآسي الإنسانيّة التي تحدث ضدّ أطفال ونساء غزّة وفلسطين، فتنعكس فورًا على مزاج القاصّ ويحوّلها إلى أحداث قصصيّة بأسلوب (السهل المُمتنع)، الأسلوب الذي انتهجته في بدايات كتاباتي القصصيّة الأولى حيثُ دوّنتُ معاناة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وحياة المُخيّمات والأطفال والنساء دون غذاء أو مياه”.ولأنّ للتفاصيل الصغيرة والهامشيّة دورٌ في كشف عمق التجربة الإنسانيّة ومنح اليوميّ أبعادًا جماليّة ودلاليّة أوسع، يذكر آل جمعة: “لا يختلف اثنان أنّ قلم القصّاص الرشيق يبيّن التفاصيل الصغيرة والوصف الدقيق ولكن بشرط دون مُبالغة أو زيادة الحشو والخروج عن سرد القصّة وهدفها ونهايتها وحبكتها المعهودة ولا يجنح إلى الخيال”، ويُضيف: “وأيضًا لا يقدّم المعلومة على طبقٍ من ذهب إلى القارئ، بل يحاول أن يُشركه في توّقع النهاية بأسلوب (النهاية المفتوحة) والسهل المُمتنع ورصد الجزيئات الصغيرة والوصف الشاعريّ واستخدام اللّغة المفهومة البعيدة عن الغموض والتعمّق في (الرمزيّة المُفرطة) وعدم تسلسل الأحداث، بمعنى أن يحترم عقل القارئ والمُتلقي”.ويُضيف: “أُجزم أنّ الروائيّ يستطيع التعرّف في الرواية أكثر من القاصّ في القصّة القصيرة لأنّ الرواية بحرٌ متلاطم بينما القصّة نهرٌ صغير محدود المنبع والفروع”، ويوضح: “عندما يكون الأديب مُبدع، مُتعدّد المواهب في الشعر والقصّة والرواية في آنٍ واحد، نرى إنتاجًا غزيرًا مُتماسكًا يجمع بين الواقعيّة والخيال والرمزيّة وقوّة اللّغة وحسن الوصف والإلمام بالأشياء الصغيرة والنهايات المفتوحة”.وعن إسهام القصّة القصيرة في إبراز القيم الإنسانيّة والقدرة على التكيّف في ظل التحوّلات الاجتماعيّة، يقول محمود بن محمد الرحبي – كاتب روائيّ وقاصّ عُماني: “القصّة قبل كل شيء هي فنّ، والفنّ عادة رسالته الأخلاقيّة مضمرة، عليك أن تقرأ وأنت تفكّر عن دلالات القصّة (ماذا تريد أن تقول؟) ولأنه في نهاية المطاف لابد من رسالة، فمن عادة رسالة القصّة أن تكون قصيرة ولكنها بليغة، والقصّة الجيدة تكون مكثّفة خالية من الشحوم، لأنها ركضت جيدًا في ذهن كاتبها قبل أن تستقر على هيئة قصّة، في البداية نستمتع بقراءة القصّة ثم بعد ذلك نتساءل عن المغزى”، ويستدّل في حديثه: “قصّة (موت موظف) للكاتب الروسي تشيكوف؛ حيّرت القرّاء النقّاد ولكنهم استمتعوا بها وتفاعلوا معها، ضمن التفسيرات أن تشيكوف كان يهجوا البيروقراطية في روسيا القيصريّة في القرن التاسع عشر، ولأن رسالته كانت بليغة بفنيّتها العاليّة، تركت مجالات واسعة للتأويل”.ويُشير الرحبي: “من هنا تأتي أدبيّة النص، الاهتمام باللّغة والصورة وبالحدث، بعد ذلك يأتي التفسير والبحث عن الدلالات، وقصة عظيمة أخرى لكاتب روسي وهو جوجل اسمها (المعطف)، تركت أثرًا كبيرًا في الأدب العالميّ، ومازال مفعولها ساريًا حتى الساعة، وذلك بسبب بساطتها البليغة، وذلك لأن رسالتها مضمرة غير جليّة، تستدعي التفكير والتأمل، وهذه هي القصّة باختصار في حدودها البسيطة حسب فهمي الخاص بها”.وفيما يتعلّق بالمدى الذي قدّمته القصّة القصيرة العُمانية لنماذج إنسانيّة نابضة تعبّر عن التوازن أو التوتر بين الموروث والانفتاح، وبين الفرد والمُجتمع، تقول أمل بنت راشد المغيزوية – أكاديميّة وكاتبة عُمانية: “تناولت الكثير من القصص القصيرة العُمانية حياة الإنسان بتفاصيلها الكثيرة المُتباينة، فقدّمت نماذج إنسانيّة تركّز على الفرد الذي يواجه في حياته الكثير من العراقيل والصعوبات التي لا تنتهي، وفي ظل التسارع المُستمر لعجلة الزمن التي لا تتوقف؛ ظهرت القصّة بوصفها فنًّا مُؤثرًا لتعبّر عن التوازن أحيانًا بين التقاليد والعادات الراسخة في وجدان الفرد وبين عوالم الانفتاح الكثيرة من حوله، حيث نسجت القصّة القصيرة عبر تسلسل أحداثها صورة الفرد القادر على خلق التوازن بين ما اكتسبه من عادات وقيم وبين ما يُعايشه من اختلافات جمّة في مُختلف المجالات الاجتماعيّة والثقافيّة والتقنيّة والعلميّة”.وتؤكّد المغيزوية: “من ناحية أخرى ركّزت الكثير من القصص القصيرة على جانب التوتر الذي ينمو داخل الفرد ويدفعه للتمسّك بالعادات والأعراف التي اكتسبها، بينما يدفعه الخوف من التجديد لمُحاربة عوالم الانفتاح بوصفها جزءًا دخيلًا في حياته تُسهم في تحرّره عن بعض ما رسخ في داخله عبر سنوات طويلة؛ لذا نجد في القصّة القصيرة العُمانية الكثير من الشخصيات التي تعيش صراعًا نفسيًّا حادًّا نتيجة لرغبتها في التمسّك بالموروث وخوفها من التغييرات المُتسارعة التي يبدو أن بعضها لا يتفق مع القيم والمعايير الراسخة في وجدان الفرد”.وتُضيف على ذلك: “ومما لا ريب فيه أن تلك الدوّامة النفسيّة التي يعيشها الفرد تؤثر تأثيرًا عميقًا في علاقته بمُجتمعه، فالمشاعر النفسيّة السلبيّة كالقلق والاضطراب والخوف التي يشعر بها الإنسان تدفعه لمُحاربة المُجتمع في بعض جوانبه، كما أنّ القصّة القصيرة تُظهر ذلك الإنسان بصورة الفرد المُنطوي على نفسه، المُنعزل عن الآخر الواقع في مُحيطه، ذلك الشخص الذي يدفعه التوتر الداخلي العميق لاعتزال مُجتمعه بل ومُحاربته أحيانًا، لأن كل تلك التغييرات المُتسارعة شكّلت له تهديدًا داخليًّا كبيرًا، وفقد الحضن الآمن الذي كان يلجأ إليه في أزماته ونكباته”.ومن أهم الأسباب التي تدفع الإنسان لمُقاومة التغيير، تذكر المغيزوية: “الخوف من المجهول، فالتغييرات الكثيرة التي لا تهدأ، بل زادت من حدّة الصراع النفسيّ الذي يعيشه الإنسان، والقصّة القصيرة العُمانية ركّزت في الكثير من جوانبها على هذا الصراع المُتفاقم الذي يتزايد، وصارت أحداث القصّة تدور في فلك الإنسان الذي يعيش حالات مُتباينة من القلق والخوف واليأس والتوتر، ذلك الإنسان الذي يعتزل كل ما حوله، فيظهر في صورة مهزوزة باهتة، يتلمّس طريقه في الظلام، ويعيش حالة حادة من الاغتراب الداخليّ، والغربة الخارجيّة، ذلك الشخص الذي يُحاول أن يتمسّك بالقيم والعادات بينما تعصف به رياح الانفتاح، فلا يستطيع مُجاراتها أو التكيّف معها بطريقة تضمن له العيش بهدوء وراحة إلا في حالات قليلة”.وأوضحت أنّ القصّة القصيرة العُمانية أسهمت في تعميق الوعي بالهوية الثقافيّة وتعزيز حضور الإنسان في سياقاته المُختلفة بأدواتٍ سرديّة وجماليّة، حيثُ جرى توظيف تقنيات مثل الرمز، واللُغة الإيحائيّة، وبناء الشخصيّة لإعادة صياغة الهويّة.ولابد أنّ القصّة القصيرة العُمانية استطاعت أن تشكّل جسرًا ثقافيًّا يصل المحليّ بالإنسانيّ العام ويمنح التجربة العُمانية أفقًا يتجاوز الإطار الجغرافيّ والثقافيّ، وفي هذا الجانب تقول إشراق بنت عبد الله النهدي – كاتبة وقاصّة عُمانية: “القصّة القصيرة العُمانية بما فيها من أصالة الأفكار يُمكنها أن تحمل أبعادًا فلسفيّة أو نقدًا اجتماعيًّا رغم محدوديّة كلماتها، وذلك بشكل كبير وعميق بما تطرحه من قضايا ومواقف وحكايات وأحاديث وشخصيات كلها تتمحور في الطرح دون وعظ أو تنظير من خلال عرض تجارب حيّة قادرة على تمرير رسالة إنسانيّة بحتة تناسب جميع القرّاء في كل مكان”، وتُضيف: “يكمن في جوهرها التساؤل والبحث عن القيمة الوجوديّة فيُكمل القارئ مُستشعرًا المعنى من خلال التفكير والتحليل والربط دون الاكتراث بالحدود المكانيّة والفوارق الجغرافيّة”.وتبيّن النهدية: “ورغم ذلك أؤمن بشكل تام أنّ المكان من الركائز الأساسيّة لسماء الكتابة، وعامل حيويّ يُسهم في بناء الهويّة وتوجيه حياة الأفراد، ويؤثر على مشاعرهم وحالتهم العاطفيّة واستقرارها، كما ويُساعد في بناء شخصياتهم، فالمكان مُهيمن على النفس البشريّة ويجعله يؤثر ويتأثر ويتبادل معه الطاقات سواء أكانت إيجابيّة أو سلبيّة؛ مما يجعله قادرًا على نقل الجغرافيا والحضارة والعادات والتقاليد في قالب نصيّ مُشوّق”.كما تقول النهدية: “ومن جهة أخرى، أعتقد أنّه من المُهم أن يكون للكاتب دور في إيصال البيئة والهويّة العُمانية للقارئ العربي، البيئة ليست عنصرًا خامدًا في النصّ أو خلفيّة باهتة، بل البيئة هي التي تشكّل ترابطًا حدثيًّا يحدد كبصمة خاصّة قادرة على حمل باقي العناصر في النصّ كالشخصيات التي تحمل هويّة تشبه المكان نفسه، فيكون له رائحة الأرض التي يمشي عليها”.وتذكر: “البيئة تشكّل سلوكيات هذه الشخصيات بتضاريسها وجغرافيّتها وحتى طقسها من تقلبات وحرارة أو برودة، وفي الحقيقة وكما نعلم فإنّ هذه هي رسالة الكتابة كفنّ قادر على غرس روح الإنسان والمكان والزمان والأحداث في النصّ، كما أنه قادر على حمل الصوت الداخليّ والتعبير عنه بكل صدق وشفافية، وتذويب الحضارات وتقريب الإنسان من خلال خطاب حقيقيّ يُسطّر لصالح البشريّة والإنسانيّة والخير والعدل”، كما تُضيف: “كاتب القصّة له بصمة تشبه الشخصيات في القصّص (يُشبهها أحيانًا وهي تشبهه أحيانًا أخرى)، وكلاهما من الأصالة العُمانية البحتة بحيث يُحافظان على جذورهما من الاقتلاع”./العُمانية/ النشرة الثقافية/ابتسام الحضرمية