ثقافي / “​أصوات الإبل”.. لغة فطرية تعبّر عن المشاعر وتجسّد إرث الصحراء

​الصياهد 14 رجب 1447 هـ الموافق 03 يناير 2026 م واس
​تُعد أصوات الإبل إحدى أبرز ملامح التراث الثقافي المرتبط بالبيئة الصحراوية في المملكة العربية السعودية، إذ تمثل منظومة تواصل فطرية غنية بالدلالات، تعكس الحالة النفسية والجسدية للإبل، وتجسّد عمق العلاقة التاريخية التي ربطت الإنسان العربي بهذا الحيوان منذ آلاف السنين.
ولم تكن هذه الأصوات مجرد استجابات غريزية، بل تطورت عبر الزمن لتغدو لغة مفهومة لدى الرعاة والملاك، وموضوع اهتمام ثقافي وعلمي في العصر الحديث، في ظل الجهود التي تقودها القطاعات المعنية بالإبل المتمثلة في وزارة البيئة والمياه والزراعة للحفاظ على هذا الموروث وتعزيزه، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
الإبل في الذاكرة الثقافية:
تحظى الإبل بمكانة راسخة في الذاكرة الثقافية العربية، بوصفها رمزًا للصبر والقوة، والقدرة على التكيّف مع قسوة الصحراء، ومن هذا الارتباط الوثيق نشأت معرفة دقيقة بسلوك الإبل وأصواتها، حتى أفرد لها العرب مسميات متعددة وثّقتها المعاجم، وتناقلها المربون والرعاة جيلًا بعد جيل.
وانعكس هذا الارتباط في الشعر العربي، حيث صوّر الشعراء مشقة السفر وقوة احتمال المطايا، ومن ذلك ما قاله الشاعر المخضرم حسان بن ثابت واصفًا ناقته:
​وَإِنّي لَمِزْجاءُ المَطِيِّ عَلَى الوَجَى..
وَإِنّي لَتَرَّاكُ الفِراشِ المُمهَّدِ
​أَمونٍ نَسوتِ اللَّوثِ حَتّى أُرِدَّها..
وَإِذا حُلَّ عَنها رَحلُها لَم تُقَيَّدِ
وفي ​دلالات الأصوات وفهم رعاة الإبل ​يؤكد المختصون أن لكل صوت تصدره الإبل دلالة خاصة؛ فالصوت قد يكون تعبيرًٍا عن الطمأنينة، أو القلق، أو وسيلة نداء.
وتُعدّ أصوات الإبل وسيلة تواصل فطرية ذات دلالات علمية، إذ تشير الدراسات السلوكية إلى أن الإبل تستخدم طيفًا من الأصوات مثل الهدير، والأنين، والنهيم للتعبير عن الجوع، والألم، والقلق، والارتياح.
وتؤكد أبحاث منشورة في Journal of Ethology أن هذه الأصوات ترتبط بحالات فسيولوجية ونفسية محددة، ويمكن رصد اختلافها باختلاف العمر والجنس والبيئة.
كما أشارت تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن فهم سلوك، وأصوات الإبل يسهم في تحسين رعايتها وإدارتها الصحية، كما يعكس هذا النظام الصوتي المتطور قدرة الإبل على التكيف مع البيئات الصحراوية القاسية، ويجسد عمق العلاقة بين الإنسان وهذا الحيوان عبر التاريخ.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في تربية الإبل فيحان العتيبي أن الإبل تمتلك قدرة عالية على تمييز نبرة صوت مالكها، حيث يستجيب القطيع لصوت الراعي المعروف لديه بشكل فوري.
ويبرز “الحنين” بوصفه من أكثر أصوات الإبل ارتباطًا بالمشاعر، وهو صوت تطلقه الناقة عند فراق ولدها أو الحنين لموطنها، وقد وصف الشاعر حسان بن ثابت هذا الحنين بقوله:
​طَوى أَبرقَ العَزّافِ يَرعُدُ مَتنُهُ..
حنينَ المَتالي فوق ظهر المُشايِعِ
وقول الشاعر طرفة بن العبد، شاعر المعلقات الجاهلي يصف ناقته في معلقته:
‏وَإِنّي لَأَمضي الهَمَّ عِندَ اِحتِضارِهِ
‏بِعَوجاءَ مِرقالٍ تَروحُ وَتَغتَدي
‏أَمونٍ كَأَلواحِ الأَرانِ نَصَأتُها
‏عَلى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهرُ بُرجُدِ
​وفي سياق أصوات الإبل تبرز القوة والترحال، “فـالهدير”، وهو صوت عميق يصدر عن الفحول يعبّر عن الهيبة والسيطرة، ​أما “الرغاء” و “الإرزام”، فقد ارتبطا بمشقة الرحيل، كما عبّر عنهما أبو الطيب المتنبي:
​أَثْلِثْ فَإِنّا أَيُّها الطَّلَلُ..
نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبِلُ
​وعن رحيله الشاق من مصر وصف المتنبي قوة إبله:
​لا أُبغِضُ العيسَ لَكِنّي وُقِيتُ بِها..
قَلبي مِنَ الحُزنِ أَو جِسمي مِنَ السَّقَمِ
أما ​”الحداء” فهو فن تحفيز المطايا، ​ويبرز فن “الحداء” بوصفه صوتًا إنسانيًا يوجّه للإبل لتحفيزها، وقد أشار الشعراء إلى أثره العجيب في تحريكها، عن طريق التدوية أو الدوّاة، وهو نداء الإبل بصوت رفيع، وجاء في بعض معاجم اللغة أن راعي الإبل إذا أراد أن يستحث إبله لتجيء إليه مسرعة؛ زجل بصوته وغنّى لها بكلمات مثل.. هَيد هيد، أو: هي دو هي دو, أو: دوه دوه, أو: ده ده بضم الدال, أو: داه داه، وهذا ما زال مستعملًا إلى اليوم جنبًا إلى جنب مع الرجز.
و​لقد كانت الإبل حاضرة في أعظم نتاج أدبي عربي، فهذا هو امرؤ القيس يقول:
​وُقوفًا بِها صَحبي عَلَى مَطِيَّهُم..
يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَمَّلِ
كما صوّر الأعشى مِشية الناقة المنهكة بقوله:
​تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجِي الوَحِلُ
وتظل أصوات الإبل لغة فطرية نابضة بالحياة، تختزل تاريخًا طويلًا من التعايش بين الإنسان والصحراء، وهي اليوم مجال اهتمام ثقافي وعلمي يسهم في نقل هذا الإرث العريق إلى الأجيال القادمة.
// انتهى //
01:09 ت مـ
0004