خان يونس 6-10-2026 وفا- صفاء البريم ثلاث سنوات مرّت، وما زالت أم أنس البطنيجي تفتح عينيها كل صباح على جدران من قماش، وتنام كل ليلة على سؤال واحد: متى تعود إلى بيتٍ له باب تغلقه على أطفالها، بدل أن تسدل قطعة قماش على فتحة خيمة لا تقيهم حرّ الصيف ولا برد الشتاء؟ في خيمتها بمواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، ترتب أم أنس (40 عامًا) بعض الأغطية، فيما تتوزع حولها مقتنيات قليلة حملتها معها من مدينة رفح التي نزحت منها. تقول: “تعبنا من حياة الخيام. ثلاث سنوات ونحن نعاني المر. نريد أن نعيش كباقي العالم، نريد بيتًا نظيفًا بلا حشرات أو قوارض، نغلق بابه علينا ونشعر أن أولادنا بأمان”. لم تعد الخيمة بالنسبة إلى عائلات كثيرة في قطاع غزة محطة مؤقتة في رحلة النزوح، بل أصبحت عنوانًا لحياة امتدت سنوات، بكل ما تحمله من ضيق وحرمان وغياب للخصوصية، وسط شح المياه وتراكم النفايات وانتشار الحشرات والقوارض وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتضيف أم أنس: “في الصيف تتحول الخيمة إلى مكان خانق تحت الشمس، وفي الشتاء لا توفر حماية كافية من البرد والمطر والرياح. وبين الفصلين يبقى السؤال نفسه: متى تنتهي حياتنا في الخيام ونعيش في بيوت كما كنا؟” وتتابع: “أنا لا أتحدث عن رفاهية. طلبي بسيط: بيت آمن، مثل كل الشعوب، فيه خصوصية وطعام صحي وماء نظيف ومرحاض وكهرباء، ومكان يحمي أطفالي من الحر والبرد”. وبحسب اليونيسف، كان نحو 1.9 مليون شخص، من أصل 2.1 مليون نسمة في قطاع غزة، يعيشون في حالة نزوح حتى منتصف عام 2026، أي أن الغالبية الساحقة من السكان كانت لا تزال بعيدة عن منازلها. وحذرت المنظمة من استمرار المخاطر الصحية والبيئية التي يتعرض لها النازحون. بيتٌ لم يعد موجودًا على مسافة غير بعيدة، يقف أحمد القرا، في الخمسينيات من عمره، أمام خيمة صغيرة بعدما نزح من بلدة بني سهيلا شرق خان يونس إلى غربها. يقول: “كنا نملك بيتًا. لم نكن نملك الكثير، لكنه كان بيتنا. هنا لا يوجد شيء يشبه البيت؛ خيام متلاصقة، وأمامها أكوام من النفايات والحشرات والقوارض والروائح الكريهة”. يصمت قليلًا قبل أن يضيف: “نحن لا نريد مساعدات إلى الأبد. نريد أن تنتهي الحرب فعليًا، ونريد أن نعود إلى بيوتنا. وإذا لم تعد بيوتنا موجودة، نريد فرصة لحياة طبيعية”. لكن العودة، بالنسبة إلى كثير من الغزيين، لا تعني فقط العثور على مكان للنوم؛ فحجم الدمار في المساكن يجعل حلم العودة أكثر تعقيدًا. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أظهر تقييم للأضرار السكنية حتى تموز/يوليو 2026، شمل نحو 159 ألف وحدة سكنية، أن 95,290 وحدة، أي 60% من الوحدات التي جرى تقييمها، دُمرت أو تعرضت لأضرار إنشائية شديدة. وبحلول آب/أغسطس، أظهرت عملية تقييم أوسع أن نحو 107,941 وحدة سكنية، أي 60% من الوحدات التي جرى تقييمها، كانت متضررة بشدة أو مدمرة أو غير صالحة للسكن. الماء والمرض.. تفاصيل يومية للحياة في الخيمة، لا تتوقف معاناة النزوح عند ضيق المكان. فالماء، والمرحاض، والنظافة، والتخلص من النفايات، كلها تفاصيل يومية تتحول إلى تحديات قاسية. وتشير اليونيسف إلى أن نحو 82% من الأسر في غزة تعاني انعدام الأمن المائي، فيما لا يستطيع ما يصل إلى 70% منها الوصول إلى الحد الأدنى البالغ ستة لترات من المياه للفرد يوميًا، بينما تعرض نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي للضرر أو التدمير. كما حذرت من أن محدودية المراحيض وتراكم النفايات وانتشار القوارض تزيد المخاطر الصحية والبيئية. وتقول أم حازم حمد، وهي مسنة تجلس إلى جانب أحفادها: “لا نريد أن نعيش في خيمة أفضل فقط، بل نريد أن تنتهي حياة الخيمة”. ثم يرتفع صوتها: “إحنا بدنا نعيش في بيوت عادية زي باقي العالم.. بيوت عادية.. حيطان نسند ظهرنا عليها، بلاط نمشي عليه، أبواب تتسكر علينا، مطبخ، حمام نظيف، ميّة تنزل من الحنفية. حياة الخيام تعبتنا ومش قادرين نتحمل”. وتضيف بحزن: “حتى عندما نمرض نجد مشكلة في الوصول إلى الطبيب، ومشكلة نقل، ومشكلة دواء، ومشكلة مال، ومشكلة في المكان الذي نستطيع أن نتعالج فيه. حياتنا ليست حياة”. وفي الجانب الصحي، تقول منظمة الصحة العالمية إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة كانت تعمل جزئيًا حتى 24 أيلول/سبتمبر 2026، ولم يكن أي منها يعمل بكامل طاقته، في وقت لا تزال فيه الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود شحيحة. شتاء ثالث.. والاستعداد الذي لا ينتهي أما الحاج عمار عبد الله (60 عامًا)، النازح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، فيستعد مع أسرته لشتاء جديد داخل الخيمة. يقول: “أغلب الناس بدأوا بتجهيز خيامهم استعدادًا للشتاء المقبل. الجميع يحاول أن يفعل ما يستطيع لحماية أطفاله وعائلته من البرد والمطر، لكن للأسف كل شيء أصبح غاليًا؛ الشوادر غالية، والحديد غالٍ، والمسامير غالية، والخشب غالٍ”. ويضيف: “حتى أبسط الأمور التي تريد أن تفعلها في الخيمة أصبحت تحتاج إلى مبلغ كبير. نحن لا نطلب رفاهية، ولا نطلب بيتًا فخمًا. ومهما فعلت، لن تتمكن من العيش مرتاحًا في الخيمة”. ثم يتابع: “نحن مقبلون على شتاء جديد، والأصعب أن تعرف ما ينتظرك، وأن تدرك أنك بحاجة إلى الاستعداد من اليوم، لكن الأسعار تقف في وجهك. ونفس المعاناة تتكرر منذ ثلاث سنوات؛ في بداية كل صيف وبداية كل شتاء لا بد من تبديل الشوادر التي تتمزق بفعل الجو والوقت”. وهكذا، لا تبدو الخيمة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد مأوى يقيهم خطرًا عابرًا، بل تختصر سنوات من النزوح وفقدان البيت والخصوصية والاستقرار. وبين خيمة وأخرى، يبقى حلمهم بسيطًا: جدار يستندون إليه، ماء يخرج من صنبور، حمام نظيف، ومفتاح لباب يغلقونه خلفهم، ثم يقولون أخيرًا: هذا بيتنا. ــــــــــ / ف.ع