خبيران اقتصاديان لـ”قنا”: فرنسا أمام معادلة صعبة في موازنة 2027 بين خفض العجز ودعم النمو والاستثمار

 

باريس في 06 أكتوبر /قنا/ تدخل فرنسا مرحلة حاسمة في مسار إعداد موازنة عام 2027، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطا متزايدة تجعل مهمة الحكومة في تحقيق التوازن بين خفض العجز ودعم النمو والاستثمار والحفاظ على القدرة الشرائية أكثر تعقيدا.

ويأتي ذلك بينما بلغ الدين العام الفرنسي مستوى قياسيا عند 3595.5 مليار يورو في نهاية يونيو الماضي، بما يعادل 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق أحدث بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية “إنسي” الصادرة في 29 سبتمبر الماضي، مرتفعا بنحو 59.6 مليار يورو خلال الربع الثاني من العام، فيما يتوقع أن تصل كلفة فوائد الدين إلى 91.2 مليار يورو في عام 2027، وهو ما يضيّق بصورة أكبر هامش المناورة أمام المالية العامة.

وفي أحدث بياناتها بشأن تنفيذ ميزانية الدولة حتى نهاية أغسطس الماضي، أفادت وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية في بيان اليوم، بأن عجز ميزانية الدولة بلغ 159.6 مليار يورو، مقابل 157.5 مليار يورو خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وارتفعت نفقات الميزانية بنسبة 4.4 بالمئة على أساس سنوي إلى 362.97 مليار يورو، فيما زادت الإيرادات بنسبة 3.1 بالمئة إلى 228.55 مليار يورو، وسط ارتفاع تكاليف خدمة الدين في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، وزيادة النفقات العسكرية، وارتفاع أعباء خدمات الطاقة.

وقدمت الحكومة الفرنسية في الأول من أكتوبر الجاري مشروع موازنة 2027، مستهدفة خفض العجز العام من 5.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 إلى 5 بالمئة في العام المقبل، من خلال جهد مالي إجمالي يبلغ 54 مليار يورو، بينها 43 مليار يورو من الإجراءات الجديدة، في وقت لا تتجاوز فيه توقعات النمو لعام 2026 نسبة 0.5 بالمئة، بينما تستند الموازنة إلى توقع نمو بنسبة 1 بالمئة في عام 2027.

وتزداد صعوبة المشهد مع عودة الضغوط على الأسعار، إذ ارتفع التضخم السنوي في فرنسا إلى 3 بالمئة في سبتمبر الماضي، مقابل 2.4 بالمئة في أغسطس، فيما بلغ التضخم المنسق أوروبيا 3.4 بالمئة، مدفوعا بصورة خاصة بتسارع أسعار الطاقة، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للأسر إحدى القضايا الحساسة في النقاش حول الخيارات المالية للحكومة.

ويستعد البرلمان الفرنسي لبدء مناقشة مشروع موازنة 2027 اعتبارا من 12 أكتوبر الجاري، وسط انقسام سياسي حاد وغياب أغلبية برلمانية واضحة، بما ينذر بمفاوضات شاقة حول الإيرادات والنفقات ومسار خفض العجز.

وفي هذا السياق، قال الدكتور كميل الساري، المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والمالي، إن موازنة فرنسا لعام 2027 ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرة الاقتصاد على تحقيق النمو، موضحا أن الاستثمار يمكن أن يولد عوائد اقتصادية وإيرادات ضريبية إضافية ويسهم في الحد من تنامي الدين العام.

وأشار إلى أن فرنسا تسعى إلى إبقاء الدين في حدود 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز عند نحو 3 بالمئة، في إطار الالتزامات المالية داخل منطقة اليورو.

وأوضح الساري، في حديثه لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن النقاش حول الموازنة يعكس تباينا كبيرا بين القوى السياسية؛ فأحزاب اليسار تدفع باتجاه فرض ضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى وخفض الإنفاق العسكري، في حين تركز أحزاب اليمين على ضبط النفقات وعدم زيادة الضرائب على الشركات، بما في ذلك تقليص أعداد العاملين في الإدارة عبر عدم تعويض جميع الموظفين المحالين إلى التقاعد.

أما تيار اليمين المتطرف فيطرح تقليص المساعدات للمهاجرين والهجرة، وخفض مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي، ووقف المساعدات الموجهة إلى أوكرانيا.

واعتبر أن هامش المناورة أمام الحكومة محدود بسبب تشتت البرلمان وغياب أغلبية واضحة، وهو ما يجعل تمرير موازنة 2027 أكثر صعوبة، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وقال الدكتور كميل إن بعض الأحزاب قد تختار معارضة الموازنة، فيما قد تلجأ أخرى إلى الامتناع عن التصويت، بما قد يسمح بتمريرها دون توافق سياسي واسع.

وأشار إلى أن موازنة تدعم النمو قد تكون مؤقتة، إذ إن الرئيس الذي سيتولى السلطة في مايو عام 2027 قد يعيد النظر في الإنفاق الاجتماعي والصحي والمساعدات، وفقا للتوجه السياسي للحكومة الجديدة، مبرزا أن النمو لا يمثل أولوية سهلة أمام الضغوط الأوروبية وارتفاع أسعار الفائدة.

ولفت إلى أن خدمة الدين العام تمثل عبئا متزايدا، إذ تبلغ نحو 70 مليار يورو سنويا، محذرا من أن استمرار ارتفاع الإنفاق قد يضعف ثقة المستثمرين ويرفع تكلفة التمويل، فيما قد تتفاعل الأسواق بشكل سلبي مع أي زيادة في العجز لا تقابلها موارد واضحة.

واعتبر الدكتور كميل أن موازنة 2027 قد تكون في نهاية المطاف موازنة انتقالية، تسمح بتمرير بعض الإجراءات قبل وصول الرئيس الجديد، لكنها لا تعالج الاختلالات المالية بصورة نهائية.

وأضاف أنه في حال تعذر إقرار موازنة جديدة، فقد يستمر العمل بموازنة 2026، بما يعني استمرار الوضع المالي القائم.

وفي ما يتعلق بمصادر الإيرادات، أشار إلى مقترح فرض ما يعرف بـ”ضريبة زوكمان” على أغنى مئة شخص في فرنسا، والتي يمكن أن توفر نحو 20 مليار يورو ، وحذر من الآثار الاجتماعية لهذه الإجراءات.

من جانبه، قال الدكتور جمال بن كريد، المحلل السياسي وأستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة السوربون الفرنسية، إن موازنة عام 2027 تأتي في سياق شديد التعقيد بالنسبة للمالية العامة الفرنسية، موضحا أن القضية لا تتعلق فقط بخفض العجز، وإنما باستعادة التوازن التدريجي للحسابات العامة من دون إضعاف النمو والاستثمار والقدرة الشرائية بصورة دائمة.

وأوضح بن كريد، في حديثه لـ”قنا”، أنه من الضروري التمييز بين عجز الموازنة والعجز العام والدين العام، مشيرا إلى أن العجز يمثل تدفقا ماليا سنويا، بينما يمثل الدين العام رصيدا متراكما ناتجا عن العجوزات السابقة، وبالتالي فإن معالجة العجز في سنة واحدة لا تعني تلقائيا حل مشكلة الدين.

وأشار إلى أن الدين العام الفرنسي بلغ في الربع الثاني من عام 2026 نحو 3595.5 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تقدر فيه احتياجات تمويل الحكومة لعام 2027 بنحو 339.7 مليار يورو.

وأضاف أن الحكومة حددت جهدا ماليا لموازنة 2027 بنحو 54 مليار يورو، يتضمن 43 مليار يورو من الإجراءات الجديدة و11 مليار يورو من أثر إجراءات سبق اعتمادها، بهدف خفض العجز العام إلى نحو 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبين أن الحكومة تلجأ، في إطار ما وصفه بـ”فرامل الطوارئ”، إلى تجميد اعتمادات معظم الوزارات بالقيمة الاسمية نفسها التي كانت عليها في عام 2026، باستثناء الدفاع، مع الإبقاء على بعض التوظيفات ذات الأولوية أو تعزيزها في قطاعات مثل التعليم والشرطة والدرك والقضاء والجمارك.

وأكد أن سرعة التصحيح المالي وطريقة توزيعه لا تقلان أهمية عن حجمه، محذرا من أن التصحيح السريع جدا قد يضعف الطلب الداخلي إذا اعتمد على تقليص دخل الأسر أو التحويلات الاجتماعية أو الاستثمار العام، في حين أن عدم اتخاذ إجراءات لتقليص العجز سيؤدي إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين وتقليص هامش المناورة المالي.

ولفت إلى أن خفض العجز يمكن أن يتعايش مع النمو والاستثمار إذا كان التصحيح موجها بدقة، مع التمييز بين النفقات التشغيلية التي يمكن ترشيدها والاستثمارات الإنتاجية التي ينبغي الحفاظ عليها.

ومن المجالات التي يمكن أن تشملها عملية الترشيد، بحسب رأيه، إعادة تنظيم الهياكل الإدارية وخفض تكاليف الإدارة وتحسين كفاءة السياسات العمومية، مع الحذر في خفض أعداد موظفي القطاع العام حتى لا تتراجع جودة الخدمات أو ترتفع نفقات غير مباشرة.

وشدد على ضرورة حماية الاستثمار العام، ولا سيما في البنية التحتية للنقل والمدارس والتحول في مجال الطاقة والرقمنة والبحث العلمي والتكوين وتحديث الخدمات العامة، مشيرا إلى أن التعليم، رغم ظهوره كإنفاق جار على المدى القصير، يمثل استثمارا في رأس المال البشري على المدى الطويل.

وأضاف أن الاستثمار الجيد يمكن أن يخلق فرص عمل ويحسن الإنتاجية ويدعم النمو والإيرادات الضريبية، لكن هذه العلاقة ليست آلية وتعتمد على جودة الاستثمار ومردوديته ومصادر تمويله.

ولفت بن كريد إلى أن هامش المناورة في موازنة 2027 محدود، وأن نحو 60 بالمئة من الجهد المالي البالغ 54 مليار يورو يرتبط بإجراءات تتعلق بالإنفاق العام.

وبين أن مجالات التحكيم قد تشمل الإسكان والمساعدات الاجتماعية والتقاعد والرعاية الصحية وسياسات التشغيل والإعفاءات من الاشتراكات، غير أن أي قرارات في هذه المجالات ينبغي أن يراعى أثرها على القدرة الشرائية والاستهلاك، باعتبارهما من مكونات الطلب الداخلي.

وأكد أن تقييم إجراءات الموازنة لا ينبغي أن يقتصر على حجم الوفورات المحققة على الورق، بل يجب أن يشمل آثارها على الاستهلاك والاستثمار والتوظيف والإيرادات الضريبية، معتبرا أن هامش المناورة الحقيقي يأتي من القدرة على تحديد الأولويات، وليس من التخفيضات الموحدة في جميع القطاعات.

وأوضح أن موازنة 2027 لا تمثل حلا نهائيا للمشكلة الهيكلية للمالية العامة الفرنسية، مشيرا إلى أن تقرير المهمة التي شكلها خبراء في يوليو 2026 توقع، في حال عدم اتخاذ إجراءات جديدة، وصول العجز إلى 5.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2027، وإلى ما يقارب 7 بالمئة في 2030، فيما يمكن أن يتجاوز الدين العام 130 بالمئة من الناتج في 2030.

وأشار إلى أن المشكلة الهيكلية ترتبط بنمو الإنفاق العام، وأعباء فوائد الدين، والشيخوخة السكانية، ومعدل النمو المحتمل، ومستوى الإيرادات العامة، وقدرة الدولة على الحفاظ على الاستثمار.

كما لفت إلى أن قاعدة الاتحاد الأوروبي التي تحدد سقفا قدره 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للعجز تظل عاملا مهما، في وقت تستهدف فيه فرنسا عجزا عند 5 بالمئة في 2027.

وأكد بن كريد أن موازنة 2027 ينبغي النظر إليها باعتبارها خطوة ضمن مسار متعدد السنوات لضبط المالية العامة، يقوم على خفض العجز تدريجيا وتثبيت وزن الدين ثم العمل على تقليصه، مع الحفاظ على الظروف الضرورية للنمو والاستثمار. وشدد على أن جودة التصحيح المالي هي العامل الحاسم، من خلال تحديد النفقات التي يمكن ترشيدها مقابل الاستثمارات الضرورية لتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم التحول في الطاقة والتعليم والبحث والبنية التحتية.

وخلص المحلل السياسي في ختام حديثه لـ”قنا”، إلى أن الدين العام لا يمثل قضية مالية فحسب، وإنما هو أيضا قضية اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، موضحا أن استدامة المالية العامة الفرنسية تعتمد في نهاية المطاف على القدرة على تحقيق توازن بين الانضباط المالي والحفاظ على النمو المحتمل والاستثمار والتماسك الاجتماعي.