على وقع الأوامر الرئاسية .. بوادر نزاع بين السلطات الأمريكية ربما تطال الدستورمن رولا الرياشي (تقرير اخباري)واشنطن – 16 – 2 (كونا) — على وقع أوامر رئاسية وإجراءات وزارية وقرارات قضائية مناوئة لها طفت بوادر لنزاع أكثر عمقا بين السلطتين التنفيذية والقضائية في الولايات المتحدة قد يصل إلى إثارة جدل بشأن تفسير الدستور الأمريكي الذي قسم صلاحيات السلطات الثلاث.وتتزايد ملامح اشتباك بين السلطتين التنفيذية والقضائية في الوقت الراهن مع إصدار الرئيس الامريكي دونالد ترامب وهو رأس السلطة التنفيذية أوامر بعضها غير مسبوق مثل أمر منع حق المواطنة بالولادة على الأراضي الأمريكية مقابل الاستجابة لتلك الأوامر والإجراءات برفع أكثر من 50 دعوى قضائية اتخذت محاكم فيدرالية قرارات بوقف تنفيذ بعضها وتعليق تنفيذ الآخر فيما ولا تزال القضايا الباقية المرفوعة تتداول أمامها.وحرص مؤسسو الولايات المتحدة خلال صياغة الدستور الأمريكي بعد إعلان استقلالها عن بريطانيا في الرابع من يوليو من 1776 على توزيع السلطة بعناية بين الفروع الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية حتى لا تتمكن أي منها من اكتساب قدر يمكنها من الطغيان على الحريات والحقوق وجميع القرارات في البلاد.ورغم حصول خلافات سابقا بين الرؤساء الأمريكيين والسلطة القضائية بشأن عدد من القضايا غير أن الأمر المستجد هو احتمال وجود بوادر معركة على توسيع نطاق السلطة التنفيذية مقابل تقليص صلاحيات السلطة القضائية.ومثالا على ذلك أصدر ترامب في اليوم الأول من ولايته أمرا تنفيذيا يلغي الحق في الحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيا بالولادة وهو ما استجاب له المتضررون منه برفع دعاوى قضائية ضد تنفيذه وأصدر قاض فيدرالي بشأنها قرارا بالوقف المؤقت لتنفيذ الامر الرئاسي بينما قررت قاضية في محكمة فيدرالية احالته إلى محكمة التمييز في حال حاولت الإدارة الأمريكية نقضه وصولا الى اتخاذ قرار نهائي بشأنه في المحكمة العليا الأمريكية.ويعتبر هذا المثال النموذج الأكثر دلالة على النزاع بين السلطتين لكون الأمر التنفيذي يشكل بحد ذاته “انتهاكا صارخا للتعديل ال14 للدستور” وفق ما صرح أحد القضاة وهو ما يثير مسألة جوهرية متعلقة بوكالة السلطة التشريعية فيما يتعلق بتحديد دستورية القوانين والإجراءات ويضعها في مواجهة مباشرة مع رأس السلطة التنفيذية في هذا الاطار.وعلى المستوى الثاني في السلطة التنفيذية تبرز الصراعات المشحونة بين وزير الكفاءة الحكومية ايلون ماسك مدعوما من الرئيس الأمريكي والمتضررين من إجراءات وزارته (دوج) سواء من ناحية إصدار قرارات تسريح آلاف الموظفين الحكوميين أو الدخول الى بيانات الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية المختلفة في البلاد.وفيما يتعلق بتسريح الموظفين أصدر قاض فيدرالي قرارا بتأجيل المهلة الأخيرة للمغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين (استقالة مع حوافز مالية) الذي كان ليتسبب في إيقاف عمل حوالي 2500 موظف بعدما تم إيقاف 500 منهم بالفعل قبل هذا التاريخ وأتبع القاضي ذلك بقرار آخر مدد بموجبه مفاعيل حكمه الأول.وبخصوص قرارات (دوج) المتعلقة بالدخول إلى البيانات منع قاض فيدرالي أمريكي موظفي الوزارة من الوصول إلى البيانات المالية الشخصية لملايين الأمريكيين في سجلات وزارة الخزانة كما توصل (اتحاد طلبة جامعة كاليفورنيا) مع القضاء لاتفاق يمنع الوزارة مؤقتا من الوصول إلى بيانات جامعتهم لكون الإجراء “ينتهك قانون الخصوصية الفيدرالي وقانون الإيرادات الداخلية” وفق ما صرح القاضي الذي نظر في المسألة.ويثير رد ماسك على قرار القاضي الأخير بالدعوة إلى “عزله” مسألة مهمة أخرى في سياق نطاق صلاحيات السلطتين القضائية والتنفيذية اذ ينص الدستور الأمريكي على عدم جواز إقالة القضاة بينما يتيح عزلهم بعد اتباع اجراءات محددة تشبه مراحل عزل الرؤساء الأمريكيين.وقال ماسك في منشور على منصة (اكس) للتواصل الاجتماعي إن القاضي الذي أصدر القرار “فاسد يحمي الفساد ويجب عزله الآن”.واعتبر ماسك إجراء القاضي “غير قانوني” قائلا “إذا حاول القاضي إخبار جنرال بكيفية إجراء عملية عسكرية فسيكون ذلك غير قانوني وإذا حاول إصدار الأوامر إلى المدعي العام بشأن كيفية استخدام سلطته التقديرية كمدع عام فهذا غير قانوني أيضا” وهو ما يثير المسألة المتعلقة بتحديد ما هو قانوني وما هو غير قانوني وهي من صلاحيات السلطة القضائية كذلك.من جهته ألمح البيت الأبيض إلى ان “هناك أزمة دستورية حقيقية تحدث داخل فرعنا القضائي”.ويعتبر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كذلك رأس حربة في الاشتباك بين السلطتين إذ قال في منشور على منصة (اكس) “لا يسمح للقضاة بالسيطرة على السلطة التنفيذية الشرعية”.من جانبه انتقد الرئيس الأمريكي القرارات القضائية المتعلقة بإجراءات (دوج) ووصفها بأنها “عار” غير أنه اكد أنه سيلتزم بتلك القرارات بالقول “أنا دائما ألتزم بالمحاكم ..التزم بها دائما ” مشيرا الى نيته اتباع المسار القانوني عبر “استئناف” تلك الأحكام لدى المحكمة التنفيذية.واتهم ترامب القضاة بلعب دور في عرقلة جهود إدارته لخفض الإنفاق الحكومي بالقول “نريد القضاء على الفساد ويبدو من الصعب تصديق أن القاضي يمكن أن يقول إننا لا نريدكم أن تفعلوا ذلك فلذا ربما يتعين علينا أن ننظر إلى القضاة لأنني أعتقد أن هذا انتهاك خطير للغاية”.وتعليقا على هذا الاشتباك قالت الخبير القانوني الأمريكية جيسيكا ليفينسون في مقابلة على شبكة (سي بي اس) الإخبارية “كان مؤسسو الولايات المتحدة منشغلين تماما بتوزيع السلطة لأننا نشأنا في نظام ملكي (بريطاني) فلذا أرادوا توزيعها”.ورأت ليفنسون أن العديد من الخلافات القائمة تطرح تساؤلات جوهرية من نمط “إلى أي مدى يمكن للرئيس أن يعمل بمفرده (دون تدخل من السلطتين الأخريين)؟ الى اي مدى يمكن للوكالات التنفيذية أن تعمل بمفردها؟ إلى أي مدى ينبغي التشاور مع الكونغرس؟ وإلى أي مدى ستقاوم السلطة القضائية الفيدرالية هذه الإجراءات التنفيذية المختلفة؟”واعتبرت الاكاديمية والمعلقة القانونية لدى الشبكة أن بعض الأوامر والإجراءات التنفيذية يمكن التصدي لها من قبل القضاء الأمريكي “خاصة الجدال بشأن حق المواطنة بالولادة الذي أعتقد أن هناك حجة قوية للغاية لتحدي الأمر التنفيذي بشأنه بالذات لأنه يتعارض مع الدستور” مشددة على أن “الدستور يأتي أولا ثم القوانين ثم أمور عديدة مثل الأوامر التنفيذية”.وفي المقابل قالت ليفنسون إنه “عندما يتعلق الموضوع بأوامر تنفيذية محتملة أخرى مثل تسريح موظفي الحكومة الفيدرالية أو قدرة (دوج) على الوصول إلى سجلات وزارة الخزانة أو حتى إعادة تنظيم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فهذه أمور مختلفة فهي تتحدث عن الوكالات التنفيذية وإعادة تنظيم تلك الوكالات إلى حد ما”. واضافت “لست أشيد بتلك الإجراءات لكنني أقول أن الحجج القانونية المتبعة في سياقها مختلفة”.واعربت في هذا المجال عن اعتقادها بأنه “ما قد يكون إشكاليا هو أننا فهمنا لأكثر من 220 عاما أن القضاة الفيدراليين لديهم دور مطلق يجب أن يلعبوه وأن هذا الدور يتضمن تنبيه الفرع التنفيذي والكونغرس عندما يتجاوزون حدودهم” مشددة على أن “القضاة الفيدراليين لديهم الكلمة الأخيرة في القانون الفيدرالي”.ويتابع المراقبون عن كثب تطورات النزاع القائم بين السلطتين التنفيذية والقضائية وما إذا كان سيتحول إلى أزمة دستورية خاصة في ظل سيطرة ترامب على السلطة التشريعية ممثلة بالكونغرس بغرفتيه السفلى (مجلس النواب) والعليا (مجلس الشيوخ) وهو ما يعني أن السلطة القضائية هي الفرع الثالث والأخير الذي لا يزال يتمتع باستقلالية واضحة عن الرئيس الامريكي.(النهاية) ر س ر / ا ب خ