مع انهيار الجنيه.. اقتصاد السودان يواجه مخاطر الانزلاق نحو حلقة مفرغة من التضخم

مع انهيار الجنيه.. اقتصاد السودان يواجه مخاطر الانزلاق نحو حلقة مفرغة من التضخممن محمد عبدالعزيز (تقرير اخباري)الخرطوم – 2 – 10 (كونا) — في ضوء تفاقم الضغوط الهيكلية على “اقتصاد الحرب” يواجه السودان مخاطر الانزلاق نحو حلقة مفرغة من التضخم والركود على وقع موجة انهيار للعملة المحلية دفعت بالدولار الأمريكي ليتخطى عتبة تسعة آلاف جنيه في الأسواق الموازية قبل استقراره النسبي قرب 7500 جنيه مقابل 500 جنيه قبل الصراع.وخلف المؤشرات الرقمية الجافة لأسعار الصرف غير الرسمية في السودان يزيد انهيار الجنيه من جروح ملايين المواطنين محولا التآكل النقدي إلى قوة تسرع من خطى تعميق أزمة إنسانية واسعة النطاق وتجعل منظومة الاقتصاد في مواجهة مأزق مالي غير مسبوق.ويضع هذا التآكل النقدي المتسارع حزم التدابير الإدارية الطارئة التي اتخذتها الحكومة لكبح جماح سوق الصرف الأجنبي أمام اختبار معقد في ظل تراجع حاد طاول قطاعات الإنتاج والصادرات وسط تحذيرات من تحول الأزمة إلى شلل هيكلي مستدام يعوق فرص التعافي.وفي هذا الإطار يؤكد وزير المالية السوداني السابق إبراهيم البدوي في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) ان إنهاء الحرب يمثل شرطا حاسما لبدء التعافي الاقتصادي موضحا أنها دمرت جزءا كبيرا من الطاقة الإنتاجية وأضعفت الاستثمار وعطلت الصادرات ورفعت احتياجات الحكومة الى التمويل في وقت تراجعت فيه الإيرادات الضريبية.وأضاف ان القيود المفروضة على تطبيقات التحويلات البنكية ترفع كلفة الحوالات وقد تدفع بعض السودانيين في الخارج الى تأجيل تحويلاتهم بما يؤثر على أحد مصادر النقد الاجنبي.وبدوره يرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل فهمي في تصريح ل(كونا) ان تراجع الجنيه نتاج اختلالات نقدية ومالية ومؤسسية متشابكة فاقمتها الحرب مستندا الى بيانات البنك الدولي التي تشير الى انكماش حاد في الناتج الحقيقي خلال 2023 و2024.ويميز فهمي بين تفسير آلية التدهور وتفسير جذوره موضحا ان ارتفاع الطلب على الدولار يفسر الضغط الآني على الجنيه لكنه لا يجيب عن السؤال الأوسع المتعلق بتراجع قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.ويشير إلى أن أثر تراجع العملة ينتقل الى الأسعار عبر كلفة الواردات و”تكلفة إعادة تكوين المخزون” وقد ترتفع الأسعار بأكثر من نسبة تراجع العملة ولا تنخفض بالسرعة نفسها عند أي تحسن مؤقت في سعر الصرف.ويحذر فهمي من تحول الأزمة من “أزمة أسعار” الى “أزمة إنتاج” داعيا الى تحرك متزامن على مساري الاستقرار النقدي ودعم الإنتاج.وعلى صعيد متصل يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور التجاني الطيب إبراهيم قراءة رقمية لمسار سعر الصرف لافتا إلى انتقال متوسط سعر الدولار من نحو 500 جنيه في 2022 الى أكثر من 7000 جنيه في السوق الموازية في سبتمبر 2026 مقابل نحو 4473 جنيها في متوسط أسعار البنوك.ويعتقد الطيب في تصريح ل(كونا) أن اتساع الفارق بين السوقين يعكس تراجع قدرة الجهاز المصرفي على استقطاب موارد النقد الأجنبي.ويربط الطيب هذا المسار بتراجع الإنتاج والصادرات وزيادة الاعتماد على الواردات الى جانب العجز المالي الحكومي وتمويله عبر الاقتراض من البنك المركزي والسحب على المكشوف بما يزيد السيولة من دون توسع مماثل في الإنتاج.ويشير الى ان سياسة سعر الصرف المطبقة منذ فبراير 2021 حققت تقاربا نسبيا بين السعرين الرسمي والموازي قبل ان تتسع الفجوة بينهما بشدة بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.ويشدد الطيب على أن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من السياسات المالية والاقتصادية تستهدف الاقتصاد الحقيقي الى جانب السياسة النقدية عبر تعزيز الانضباط المالي وإصلاح القطاعات الإنتاجية ولا سيما الزراعة والصناعة والنفط والمعادن.ويحذر من ان استمرار الحرب مع بقاء الاختلالات الاقتصادية سيبقي الضغوط على الجنيه والأسعار.وكان وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم عزا في تصريحات صحفية تسارع تراجع الجنيه الى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات مؤكدا ان أسعار العملات تتحدد وفق مستويات العرض والطلب وان تراجع العملة ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين ولا سيما أصحاب الدخل المحدود.وربط إبراهيم جانبا من ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي بتداعيات الحرب في منطقة الخليج واضطراب الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب وما ترتب عليه من ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين الأمر الذي زاد فاتورة الاستيراد.ولا شك في أن تراجع العملة زاد من كلفة الغذاء والوقود والخدمات في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني انكماشا حادا وتراجعا في الإنتاج والصادرات.وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم الضغوط التي خلفتها الحرب لا سيما أنه -بحسب البنك الدولي- انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 4ر29 في المائة خلال 2023 وبنسبة إضافية بلغت 14 في المائة في 2024 فيما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب الى أقل من 5 في المائة خلال 2024 و2025 ما حد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.وامتدت تداعيات تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار الى الأمن الغذائي إذ يواجه نحو 5ر19 مليون شخص مستويات أزمة أو أسوا من انعدام الأمن الغذائي فيما يتوقع ان يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026. (النهاية)م ع م / ط م ا