مقام النبي هارون في الأردن.. موقعٌ يربط الطبيعة بالبعد الرّوحاني

عمّان في 16 فبراير 2026 /العُمانية/ يقع مقام النبي
هارون على قمة جبل تطل على سحر جبال الشَّراه جنوب مدينة البترا الأردنية، ويقف
المقام اليوم شاهداً على العلاقة التي تربط الطبيعة بالبعد الروحاني.

يبدو المقام كما لو أنه يسبح بين
الغيوم، إذ يرتفع قرابة 1350 متراً فوق سطح البحر، ويسود المكان صمت الجبال المهيب
وصفاء المشهد الطبيعي الذي يدفع للتأمل في سيرة الإنسان التي تراكمت عبر مراحل
التاريخ الممتدة.

ويُعرف المقام باسم “جبل
هارون”، ويمكن الوصول إليه عبر مسارٍ جبليٍّ طويل يبدأ من أطراف البترا
الأثرية باتجاه قمة الجبل، حيث الانتقال هنا لا يخص المكان وحسب، بل هو انتقال
روحاني؛ إذ تستغرق الرحلة ساعات من السير بين الصخور الوردية والوديان العميقة،
وعلى امتداد الطريق تتبدّل المشاهد الطبيعية، فتظهر تضاريس نبطية منحوتة بالصخر،
تتحول إلى آفاقٍ مفتوحة تُظهر اتساع الجنوب الأردني بألوانه الترابية التي تتدرج
وصولاً للألوان الذهبية.

والمقام هو عبارة عن مسجد بسيط تعلوه
قبة صغيرة، ويحيط به سورٌ حجريٌّ منخفض الارتفاع، وهو يخلو من الزخارف والنقوش،
لأن البساطة هنا توحي بالتأمل الهادئ. ويتضمن المقام من الداخل ضريح النبي هارون الذي
غُطي بقماش أخضر، وتنساب أشعة الشمس من طاقات صغيرة لتمنح المكان مسحة من الرهبة
والطمأنينة معاً.

وينحدر من المسجد درَج يقود إلى دهليز
يبلغ طوله حوالي عشرة أمتار ينتهي بكوّة منحوتة في الصخر يجتمع الناس عندها حول
المقام، وتظهر على مدخل المسجد عبارة تفيد أنه تم تجديد عمارته في عهد السُّلطان
الملك الناصر محمد بن قلاوون (1309-1331م). وقد زار الرحالة السويسري بيركهارت هذا
المقام عام 1812م عندما أراد أن يزور البترا، وجاء ذكر المقام في مخطوطات الكنيسة
البيزنطية التي تعود إلى القرن السادس للميلاد باسم (دير نبينا هارون).

ويؤكد الدارسون -مستندين إلى المصادر
التاريخية- أن الموقع حظي باهتمام الرحّالة المسلمين في العصور الوسطى، إذ دوّنوا
مشاهداتهم عن الجبل الحاضن لقبر النبي هارون، والذي يطل على عدد كبير من الأودية،
وهذا التوثيق عزّز حضور المقام في الذاكرة الإسلامية، وربطه ببلاد الشام جغرافياًّ وتاريخياًّ.

ويجذب المقام اليوم زواراً من مختلف
الأماكن يجمعهم البحث عن السكينة بعيداً عن ضجيج المدن، فالصعود إلى القمة يتطلّب
جهداً كبيراً، لكنه يمنح الزائر في المقابل شعوراً بالتحرّر من قيود الحياة، وحالما
يقف الشخص أمام المقام فإن سحر المشهد البانورامي للجبال التي تمتد حتى تخوم صحراء
وادي عربة سرعان ما يدهشه.

ويمثل غروب الشمس خلف جبال الشراه، لوحة
يتحوّل فيها الأفق إلى لوحةٍ من البرتقالي والأرجواني، ويبدو المقام وسط ذلك كما
لو أنه نجمة بيضاء معلّقة بالسماء، وفي تلك اللحظة، يدرك الزائرون أن القيمة
الحقيقية للمكان لا تكمن في حجارة البناء وتفاصيله البسيطة، بل في المعاني التي
يحملها والتي تدور حول الارتباط بالأرض، واستحضار سِيَر الأنبياء الكرام، والتأمل
في مسيرة الإنسان على مر العصور.

/العُمانية/
النشرة الثقافية / جعفر العقيلي