ندوة لرجال الأعمال تبحث أثر “قانون التنفيذ” على الاقتصاد

عمان 24 أيلول (بترا)- أكد منتدون ضرورة تحقيق توازن حقيقي بين حماية المدين المتعثر وضمان حق الدائن في تحصيل أمواله، داعين إلى ضرورة إيجاد بدائل تشريعية ومؤسسية توازن بين حماية حقوق الدائنين واستمرارية عمل المنشآت الاقتصادية.

جاء ذلك خلال الندوة الحوارية الموسعة التي نظمتها جمعية رجال الأعمال الأردنيين، اليوم الخميس، بعنوان “أثر قانون التنفيذ على بيئة الأعمال والنشاط الاقتصادي ومناقشة أبرز التحديات التي تواجه مجتمع الأعمال”.

وقال رئيس الجمعية أيمن العلاونة في كلمته، خلال افتتاح الندوة، إن قانون التنفيذ يمثل ركيزة أساسية في منظومة العدالة وبيئة الأعمال، لما له من أثر مباشر في حماية الحقوق وتسوية الالتزامات المالية وتعزيز الثقة بسيادة القانون، وانعكاسه على استقرار المعاملات التجارية والاستثمارية، وقدرة أصحاب الأعمال على إدارة التزاماتهم ومخاطرهم المالية والحفاظ على استمرارية شركاتهم والوصول إلى التمويل.

وأضاف: “مع مرور عام على التطبيق الكامل للقانون، تبرز أهمية الاستفادة من التجربة العملية ورصد التحديات التي أفرزها التطبيق، ولا سيما ما يتعلق بتعديلات عدم حبس المدين، والعمل على تطوير بدائل عملية وفاعلة تضمن استيفاء المستحقات وتحافظ في الوقت ذاته على ضمانات المدينين واستقرار التعاملات التجارية، ويشمل ذلك تعزيز كفاءة إجراءات التنفيذ، والإفصاح عن الأموال والأصول، وتنظيم خطط السداد، بالتعاون مع القطاع الخاص والجهات المختصة، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق واستمرارية النشاط الاقتصادي”.

وقال: “من منظور القطاع الخاص، فإن تحقيق التوازن بين حقوق الدائنين والمدينين أمر أساسي لضمان استرداد الحقوق، والحفاظ على استمرارية المنشآت القابلة للاستمرار، والحد من آثار التعثر على الاستثمار وفرص العمل والنشاط الاقتصادي. كما تسهم كفاءة إجراءات التنفيذ ووضوحها وسرعتها في تعزيز الثقة بالمعاملات التجارية والحد من المخاطر المالية”.

ودعا العلاونة إلى إجراء تقييم شامل لأثر تطبيق القانون بعد مرور عام، بمشاركة القطاع الخاص والجهات ذات العلاقة، والاستفادة من نتائج التطبيق في تطوير الإجراءات وتبسيطها وتعزيز الحلول الإلكترونية، بما يرفع كفاءة التنفيذ ويحد من التأخير، مع تحقيق التوازن بين سرعة استرداد الحقوق واستمرارية المنشآت.

وأكد أهمية مواصلة الحوار بين مختلف الجهات والقطاع الخاص، للوصول إلى توصيات عملية تسهم في معالجة تحديات التطبيق، وتعزز الثقة بمنظومة العدالة، وتدعم بيئة الأعمال والاستثمار واستقرار ونمو الاقتصاد الوطني.

وتناولت الجلسة الأولى التي أدارها عضو مجلس إدارة الجمعية رامي الصاحب، وجاءت بعنوان “قانون التنفيذ والأثر الاقتصادي”، الأثر الاقتصادي المترتب على تطبيق القانون، وانعكاساته على بيئة الأعمال والاستثمار، بما في ذلك أثره على تسوية الالتزامات المالية، واسترداد الحقوق، وتعزيز الثقة في البيئة القانونية والاقتصادية.

كما ناقشت مدى مساهمة القانون في تحقيق التوازن بين حقوق الدائنين والمدينين، والحد من التعثر المالي، وانعكاس ذلك على استمرارية الشركات وقدرتها على ممارسة أعمالها والوصول إلى التمويل.

وأشارت الرئيسة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الأردني نسرين بركات، خلال الجلسة، إلى أن نتائج استطلاع الرأي، الذي أجراه المنتدى أواخر العام 2025 وشمل أكثر من 1,700 شركة من مختلف القطاعات، قد أظهرت انكماشاً في الائتمان التجاري وتراجعاً في الاعتماد على البيع الآجل وصعوبة تحصيل الديون بعد مرور أشهر على تطبيق قانون التنفيذ، وفق أراء المستجيبين.

وفي هذا السياق، أكدت بركات أهمية مراجعة مؤشرات تفصيلية دقيقة لتقييم الأثر بدقة، كعدد الطلبات التنفيذية، ونسبة المبالغ المحصلة إلى إجمالي المبالغ المحكوم بها، ومتوسط مدة التنفيذ، وعدد قرارات الحجز التي نُفذت فعلياً، وغيرها.

كما أوضحت أن المؤشرات المتاحة لدى البنك المركزي الأردني قد أظهرت انخفاض قيمة الشيكات المعادة لأسباب مالية من 1.10 مليار دينار في عام 2024 إلى 724 مليون دينار في 2025، لتصل خلال الثمانية أشهر الأولى من عام 2026 إلى 437 مليون دينار بنسبة انخفاض 42 بالمئة عن مستواها قبل عامين. أما من حيث عددها، فقد شهدت نسبة “الشيكات المرتجعة إلى المقدمة” تراجعاً محدوداً خلال الثمانية أشهر الأولى من 2.3 بالمئة عام 2024 إلى 2.2 بالمئة عام 2025، و2 بالمئة عام 2026.

وفيما يتعلق بمتوسط قيمتها، بينت بركات تراجع متوسط قيمة الشيك المرتجع من 7,411 دينار عام 2024 إلى 5,368 دينار عام 2025، وبلغ 5,472 دينار خلال أول ثمانية أشهر من عام 2026، مشيرةً إلى أن تراجع الشيكات المعادة لأسباب مالية لا يعكس بالضرورة تحسّناً في التزام المدينين بالسداد، بقدر ما يعكس تغيّراً في سلوك الدائنين أنفسهم، وتراجع اعتمادهم على الشيك المؤجل كأداة ائتمان قصير الأجل، ولا سيما في الصفقات ذات القيم المرتفعة، وهو ما يتوافق مع نتائج استطلاع رأي المنتدى.

وأكدت بركات ضرورة مواجهة هذه التحديات وتعزيز الانضباط المالي من خلال بدائل عملية وتشريعية متكاملة تشمل الربط الإلكتروني الفوري بين دوائر التنفيذ والجهات الرسمية والبنوك لتنفيذ قرارات الحجز بسرعة وكفاءة عالية لضمان استرداد الحقوق، واستحداث منصة ائتمانية شاملة ترتبط ببيانات الشيكات المرتجعة لتعزيز الانضباط الائتماني ورفع كلفة الامتناع عن السداد دون تقييد الحرية، إضافة الى الإسراع في إصدار قانون التخصيم الذي يتيح للمورد بيع ذممه المدينة للحصول على السيولة بصورة فورية، بما يساعد على استعادة جزء من الوظيفة التمويلية التي كان يؤديها الائتمان التجاري.

ودعت إلى تطوير مسار إعسار متكامل للأفراد والمنشآت الصغيرة، بما يتيح إعادة الهيكلة والتسوية وجدولة الديون تحت إشراف قضائي، بما يوفر إطاراً منظماً ودقيقاً للتعامل مع حالات الإعسار الحقيقي، ويحمي المدين المعسر والمنشآت الملتزمة من أعباء إضافية غير ضرورية، مع تعزيز فرص الدائن في استرداد جزء من مستحقاته وتقديم الحماية اللازمة لمن يثبت إعساره فعلياً.

كما نوهت أيضًا إلى أهمية تفعيل سجل الضمانات على الأموال المنقولة والتوعية باستخدامه، بما يتيح للمنشآت الصغيرة الاستفادة من أصولها المنقولة كضمان للحصول على التمويل اللازم، مع تجنب التوسع المفرط في اشتراط الضمانات العينية كحل عام، وتوفير مسار تنفيذ سريع ومنخفض الكلفة للمطالبات الصغيرة.

من ناحيته، بين رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمان السابق فتحي الجغبير، أن أهمية القانون تزداد بالنسبة للقطاع الصناعي تحديداً، نظراً لطبيعة الدورة الإنتاجية واعتماد المنشآت على البيع الآجل والائتمان التجاري في تعاملاتها مع الموردين والعملاء، إلى جانب ارتباطها بالتزامات مستمرة تجاه العاملين والبنوك والموردين والجهات المختلفة، مبينا أن أي تعديل على آليات التنفيذ والتحصيل ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قرارات المنشآت في البيع والتمويل والتوسع والاستثمار.

وقال إنه لا يمكن النظر إلى قانون التنفيذ باعتباره قانوناً إجرائياً أو قانونياً فقط، إذ إن له أثراً اقتصادياً مباشراً على الثقة في التعاملات، والائتمان التجاري والسيولة، واستمرارية الأعمال.

وأضاف الجغبير: “ننظر إلى التعديلات المتعلقة بحبس المدين من زاوية ضرورة تحقيق توازن حقيقي بين حماية المدين المتعثر وضمان حق الدائن في تحصيل أمواله، مؤكدا أن الحبس بحد ذاته ليس غاية، ولا يمثل بالضرورة حلا لمشكلة التعثر خصوصاً عندما يكون المدين غير قادر فعلياً على السداد؛ لأن تعطيله عن العمل والنشاط الاقتصادي قد يقلل من قدرته على الوفاء بالتزاماته.

واستدرك قائلًا: “لكن في المقابل، فإن تقييد أو استبعاد الحبس في بعض الحالات يجب أن يترافق مع وجود بدائل تنفيذ مدنية ومالية فعالة وسريعة، حتى لا يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة الدائن على تحصيل حقوقه أو تراجع الثقة في التعاملات التجارية”.

ودعا الجغبير إلى ضرورة التمييز بين المدين المتعثر فعلياً نتيجة ظروف مالية أو اقتصادية، وبين المدين القادر على السداد الذي يماطل أو يتجنب الوفاء بالتزاماته؛ فلا ينبغي أن تتحول حماية المتعثر إلى وسيلة يستفيد منها المماطل أو سيئ النية.

وأكد أن النشاط الصناعي يعتمد بصورة كبيرة على الائتمان التجاري والبيع الآجل، ولذلك فإن الثقة بأدوات الدفع والتحصيل عنصر أساسي في استمرار الدورة الإنتاجية، داعيا إلى تطوير بدائل تنفيذ مدنية ومالية فعالة وسريعة تضمن للدائن إمكانية تحصيل حقوقه، خصوصاً في ضوء التغيرات المتعلقة بحبس المدين، وتعزيز القدرة على التحقق من الملاءة المالية والوصول إلى المعلومات الائتمانية، وتطوير قواعد البيانات الائتمانية بما يساعد المنشأت على تقييم مخاطر العملاء قبل منح الائتمان.

كما دعا الجغبير إلى وجود أدوات أكثر فاعلية للتعامل مع حالات المماطلة أو سوء النية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحماية اللازمة للمدين المتعثر فعلياً، ودراسة الأثر الاقتصادي الفعلي للتعديلات بصورة دورية، وقياس انعكاساتها على التحصيل والائتمان التجاري والبيع الأجل والسيولة واستمرارية المنشآت.

من جهته، قال نقيب المحامين يحيى أبو عبود إن “آثار التعديل بعدم حبس المدين بالالتزامات التعاقدية ورفع الحماية الجزائية عن جريمة الشيك مضى عليه فعليا أكثر من عام لأن أوامر الدفاع التي كانت تمنع الحبس استمرت منذ جائحة كورونا وحتى عام 2023”.

وأضاف: “كان الحبس في الالتزامات التعاقدية للمدين الممتنع عن الدفع دون أن يكون معسرا ضمانة للتعامل بين الأفراد وبإنهاء أثره أصبح هنالك حاجة للبحث عن ائتمان جديد له كلف لا يستطيع أي شخص أن يحصل عليه، وبالتالي ستتأثر المشاريع الصغيرة والمتوسطة الصالح المشاريع والشركات الكبرى”.

وفي الجلسة الثانية التي أدارها نائب رئيس الجمعية أسامة امسيح، بعنوان ” قانون التنفيذ والبعد الوطني”، بين رئيس جمعية البنوك الدكتور ماهر المحروق أن البنوك استوعبت البيئة القانونية الجديدة ضمن سياساتها الائتمانية، وأصبحت تولي أهمية أكبر لقدرة العميل الفعلية على السداد، وجودة التدفقات النقدية، والسجل الائتماني، ونسبة الالتزامات إلى الدخل، والضمانات المتاحة وقابليتها للتنفيذ.

وأكد أن الحبس لم يكن جزءاً من الضمانات التي يُبنى عليها القرار الائتماني في البنوك فالقرار يعتمد أساساً على قدرة المقترض على الوفاء بالتزاماته والتقييم الشامل لمخاطره. إلا أن تراجع بعض أدوات التنفيذ أو بطء إجراءات التحصيل يرفع أهمية الوقاية قبل منح التمويل، من خلال التحقق الدقيق من الالتزامات القائمة، وإجراء اختبارات القدرة على السداد، ومتابعة المؤشرات المبكرة للتعثر.

وبين المحروق أن الدول التي نجحت في تقليص حبس المدين لم تكتف بإلغائه تشريعياً، بل أنشأت منظومة بديلة تشمل: الربط الإلكتروني بين الجهات ذات العلاقة، والحجز السريع والمنظم على الأموال والأصول، والتسوية القضائية والوساطة، وإيجاد إطار للإعسار المدني للأفراد، والحجز على جزء من الدخل مع حماية الحد الأدنى للمعيشة، وتوفير معلومات ائتمانية دقيقة ومحدثة.

من جهته، قال رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب الدكتور عارف السعايدة إن قانون التنفيذ فيه إيجابيات كثيرة وفيه سلبيات، مشيرا إلى أنه حل الكثير من المشاكل، فوجود المدين خارج السجن قد يساعده على إعادة ترتيب أوضاعه وسداد الدين.

وأكد وجود بعض الثغرات وأن الحكومة تقوم بدراستها وعرضها في الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب، قائلًا إن اللجنة مع تعديل بعض البنود التي أثارت مشاكل حقيقة عانى منها التجار.

بدوره، أشار رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الدكتور موسى شتيوي، إلى أهمية تبنّي حزمة متكاملة من الإجراءات للحد من حالات التعثر المالي ومعالجتها في مراحلها المبكرة، من خلال إنشاء منصة للإنذار المبكر والتسوية، تتيح التدخل قبل تفاقم حالات التعثر، إلى جانب توفير الدعم والاستشارات القانونية المجانية للمتعثرين، بما يساعدهم على فهم حقوقهم والتزاماتهم والوصول إلى حلول مناسبة للتسوية.

وأكد شتيوي أهمية أن يتم تنفيذ هذه الإجراءات بصورة متدرجة وعلى مراحل، بما يراعي طبيعة الحالات وأحجام الالتزامات والقدرة على السداد، ويضمن فاعلية الإجراءات واستدامتها.

كما اقترح إنشاء صندوق حكومي لإعادة جدولة ديون المتعثرين، ولا سيما صغار المدينين، بحيث يسهم الصندوق في إعادة هيكلة وجدولة الالتزامات المالية وفق شروط ميسرة، وبفائدة مدعومة ولمدد تصل إلى عشر سنوات، بما يوفر فرصة حقيقية للمتعثرين للعودة إلى الانتظام المالي، ويحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على التعثر.

–(بترا) م ك/م د/م ق