مسقط في 28 سبتمبر 2026 /العُمانية/ تتجسد تجربة الكاتب والشاعر العُماني عبد الله الشعيبي في كونها مرتبطة بالأرض، بالثقافة المجتمعية الإنسانية، وبالشعر، وجماليات الحياة، فهو يراها ـ كما يذكرها دائمًا ـ مرتبطة بمرئيات بصرية، باعتياد العين على الصورة والحروف، ومنذ ذلك الزمن الممتد في الطفولة، تشكلت رحلة العلاقة مع الكتابة، وبالرغم من التضادات التي تسكن روح الكتابة لديه، إلا أن النتاج نحوها لا يتوقف..في شأن الكتابة كونها مشروعًا ثقافيًّا متجدّدًا وما أبقاها لتكون قادرة على التجدد ومواكبة تحولات الإنسان والمكان عبر السنوات الماضية يقول عبد الله الشعيبي: البذرة الأولى مرتبطة بمرئيات بصرية، باعتياد العين على الصورة والحروف، ومنذ ذلك الزمن الممتد في الطفولة، تشكلت رحلة العلاقة مع الكتابة، ثم تطورت مع مادة الإنشاء المدرسية، التي كرّست علاقة ما بالصياغة واللغة والأفكار، لتأتي بعدها الممارسة الصحفية المبكرة، ثم مقالات متناثرة بسيطة نشرت بين مجلتيْ العقيدة والعُمانية، لتتبعها محاولات كتابية مختلفة نشرت في صحيفتيْ عُمان والوطن، هذه البذور كانت فاتحة نافذة نحو الكتابة، لتتطور الفكرة إلى مقالات نقدية في ملحق عُمان الثقافي عن تجربة أمل دنقل اللغوية، ورواية “سفينة الخريف الخلاسية” للراحل علي المعمري فور صدورها آنذاك، ودراسة لسانية عن تعدد اللهجات في وادي بني خالد، وغربة تفيض عن الأصدقاء للراحل العزيز زاهر الغافري، هذا التراكم أوجد مساحة شخصية قادتني إلى البحث عن كيف يمكن للكتابة فكرة وطرحا أن تكون مختلفة، ومن قادني إلى حالة الكتابة هو (لذة النص) للناقد الأمريكي رولان بارت، ونقلتُ تجربة الكتابة كتقنية إلى الصحافة اليومية والمجلات المختلفة في سلطنة عُمان وخارجها، وهذا ما فتح لي مناخات لم أكن لأتعرف إلى سياقاتها يومًا؛ لذلك يمكن أن تجد مناخ جبال وادي بني خالد ورمال بدية، وعدم استقرار طفولة نشأت بين اليتم والشتات والعزلة المُرّة، كلها تتدافع في داخلي في سياق تجربة الكتابة وامتدادها.وفي شأن ما أسهم في التنقل في التجربة بين الشعر والكتابة الإبداعية والمقال؛ مع بناء الصوت الأدبي الخاص به يقول الشعيبي: لا أدري إن كنتُ قد وجدت صوتًا خاصًا، لكن خلال فترات الكتابة لم أكن مستقرًا على رأيٍ يمنحني خيارًا قادرًا على التخصص في أمر ما، كنتُ أميل إلى التجريب وما زلتُ، التجريب حالةٌ تُراكِم التجربة والحفر في المادة الكتابية، مررتُ بالشعر الفصيح والتفعيلة والعامي، وجربتُ مقالات بأنماط مختلفة، وحاولتُ التجريب الكتابي في القصة والرواية والنقد الثقافي والمسرحي وغيرها، بمعنى أن هاجس التجريب هو ما أنا فيه، يمكنني التعامل مع كل ذلك، ولكن لكل سياق مساحته، وكلها تأخذ من بعضها، فالتجربة الإبداعية في سياق لتُراكِم الاختلاف وليس التشابه، لم أهتم كثيرًا بما سأصل إليه، ولكن جعلتُ الكتابة تأتي كيفما شاءت، ولا أتبرم من التعاطي مع أي شكل مهما كانت جِدّته، المهم هو السعي وراء ألا أكون في جنس أدبي واحد، وبرأيي أن النجاح نِسبيّ، بقدر استمرار التجريب.ولأن للنقد دورًا في اكتشاف الجماليات وتحفيز التجارب الجديدة بعيدًا عن الأحكام المسبقة هنا للشعيبي وجهة نظر خالصة ويقول: النقد بمفهومه الاستبطاني مهم وضروري، بغض النظر عن المرحلة الزمنية التي ينتمي إليها، والمدرسة التي يمثلها، وبالنسبة للمقالة النقدية التي أكتبها فهي نوع من محاولة أن أكون قارئًا مختلفًا، لا أنتمي إلى فكرة الكاتب أو إليه وجدانيًّا، وهذا يسمح للقراءة أن ترى الأشياء من زوايا لم يرها الكاتب، كالجماليات المستكنة، والتقنية الكتابية، ومجازفات اللغة وتراكيبها، والمفردات المختلفة، والمخيال بعوالمه وأنساقه، فهو ما يفتح العين القارئة الثالثة على عناوين ضمنية لتجربة المُشتَغَل عليه نقديًّا، كل ذلك من أجل تفادي تأثير الأحكام المسبقة، لأن النقد مستقل وليس تابعًا، والناقد ليس أكثر من عينين تَرَيان من زوايا غير متكررة.ووضّح: لذلك ينتج خطاب نقدي يقرب المتلقي من النص والكتاب، ويبني جسرًا يسهم في إنتاج قراءة جديدة من زاوية نظر جديدة، والخطاب النقدي الحالي لا يحتاج سوى أدوات جيدة تتناسب مع كاتب مستقل ليقول رأيًا ينتمي إليه فقط، ويسمح لبعض الضوء أن يلج إلى النصوص، كي يراها قراء جدد.وفيما يتعلق بمكانة القصيدة الشعبية في سلطنة عُمان وما تحتله من مكانة يقول عبد الله الشعيبي: القصيدة العامية أو الشعبية في سلطنة عُمان لها نمطان متوازيان، النمط المرتبط بالفنون الشعبية الأدائية، والنمط المنفصل عن تلك الفنون الأدائية، ولا يزال كل منهما بوهجه الخاص، ولكل منهما متابعون ومهتمون ومروّجون، إلا أن القصيدة المرتبطة بالنمط المستقل لها تقاطعاتها مع تجارب سابقة، ولها استقلاليتها في تجارب أخرى، لذلك نجد سياق التجارب ممتدًّا ومتعددًّا، وهو ما يتم التعويل عليه، خاصة في زمن منصات التواصل الاجتماعي التي تنقل التجارب من الداخل إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج، وهذا ما يجعل اللغة البيضاء في القصيدة العامية أكثر حضورًا، مع تجارب تستفيد من فصيح اللفظ في القصيدة، كمزاوجة بين الأبيض والفصيح، وتجارب أخرى تنتمي إلى اللفظ العامي القديم، بنمط إيقاعي ذي صور شعرية مختلفة، هذا يعني أن القصيدة العامية – داخليًّا – لها حضور مثمرٌ على مستوى الذائقة العامة، لكن العلاقة مع الجيل الجديد تبدو مرتبكة قليلًا، ولذلك يمكن استثمار وجود منصات التواصل كونها الأسرع إيصالًا وتأثيرًا وحضورًا، ومنها يمكن استثمار العديد من الأصالات المكانية والوجدانية لتعزيز عُمانية النص روحًا، مع الإمساك بخارطة طريق موضوعاتية تلامس وجدان الإنسان عمومًا، كجمع بين أصالة بحكم الجغرافيا، وتأصيل بحكم الزمن.ويشير الكاتب عبد الله الشعيبي إلى إصداره “عبور ملتبس”، وانعكاس تجربته الإنسانية على بناء النصوص ورؤيتها الفكرية، والإضافات التي ميّزت هذا العمل الأدبي ويؤكد: في (عبور ملتبس) يحضر الفرد كونه إنسانًا يحتاج إلى بوصلة طريق داخلية، بحكم تراكم تجربة المتشابه في طريقة التفكير من أجل إيجاد صيغ جديدة، لتشريح احتياجات الفرد إلى فكرة الاستقلال المنتج، لكون الاستقلال مصطلحًا حساسًا في البيئة الشرقية عمومًا، ولكون خطاب (الجميع) يعلو على صوت (الأنا)، لذلك لا أحد يسأل من أنا وأين مكاني، كوني فردًا يجهل منهج الاستقلالية. فالتجربة الفردية ذائبة، والصيغة المنفردة غائبة، والنهج التكويني بصفته إنسانًا مدفوعًا إلى كونه فردًا في مجالات ما، وضمن مجموع في مجالات أخرى، تجعل الشتات الذهني والفكري أصيلًا وليس عابرًا، لذلك يقترح الكتاب العودة إلى التنقلات الملزمة وتحليلها، وبعدها فتح باب الفهم لتكوين تنقلات جديدة ذات تأسيس مستقبلي، وهي مهمة للتجربة الانسانية الفردية، لاختبار القدرات والتمايزات، وهذا لا أراه مشروعًا ينطوي على مخاطر، بقدر ما ينطوي على فرصة منح الذات كوة ضوء في نفق التجارب الفردية، وهو ضمن مجازفات التجريب في الكتابة، تجريب على مستوى الفكرة والأسلوب والنهج، لربما يتطور في مرحلة لاحقة إلى مشروع ما، لكنه ضروري بالنسبة لي لفتح مسار يفكر بطريقة مختلفة.وعمّا يقدّمه كتاب “فم البريد” كقراءة للمكان العُماني هنا يشير إلى تعامله مع المكان كونه ذاكرة وهوية لا مجرد فضاء جغرافي ويقول: المكان العُماني منجز يحمل ذاكرات كثيرة، كل شيء في المكان هو ذاكرة، ذاكرة ظاهرة أو خفية، وجدانية أو صُوَرية، لكنها موجودة، إلا أن هذه الذاكرات تحتاج إلى سرد واستبطان، سرد الصورة واستبطان ما خلفها، والدفع بالوجداني لقراءة الخصوصية التي تقترحها بمثابة جزء أصيل من مرحلة زمنية عبرت، في ظل زحف جديد يؤصل اختلافًا له فاعلية المحو التدريجي، ما لم تتم قراءة الأشياء بتأصيل وجداني لجيل ربما لن يَرى الصورة ولم يعش التفاصيل، لذلك يصبح المكان بطلًا، والتفصيل مشروع سرد، والذاكرة صورة تعتني بما وراء المشهدية، هذا هو خليط الهوية الذي ينفتح على جغرافيا التشابه والاختلاف، كي يبقى في ذاكرة جيل جديد.وحول المجموعة الشعرية “تك تك تك” حيث القصيدة العامية في كونها لغة للحياة اليومية يقول الشعيبي: لا أظن أن الاشتغال على القصيدة العامية سهل، خاصة عندما تنفصل عن المناسبة، والمناسبة لا تعني تقييد حدث بمفهومه الاجتماعي أو الرسمي، بل يمتد إلى الذاتي أو الجمعي، للمناسبة مبرّرها لدى من يكتبها، وهي تجارب لها تقديرها، ولكن زاوية النظر إلى المناسبة هو ما يبين التفريق بين ما هو نظم وما هو شعر، فالصورة التي تبنيها القصيدة هي فلسفة المعنى والدلالة والنسق، والقصيدة هي حالة تمرّد على تكرار أو استعادات أو تشابهات من أي نوع، لذلك لا تدعي مجموعة (تك تك تك) أنها تخرج بالقصيدة من المناسبة، لكنها تدخلها في سياق مناسباتي ما، بحيث تنتصر لأزمنة مختلفة، من خلال صور ضمنية، لا تنتمي لجغرافيا، لكنها تنبش في لغة، وهذا ما أحاول فعله، وهو تقريب العربي من العُماني في المعنى الشعري، من خلال نصوص تشبهه في أشياء وتستقل بلغتها في أشياء أخرى، فالمجموعة تأخذ اللغة في مد وجزر، بين مفردة عُمانية وبيضاء وعربية كي تصنع صورة، وآمل أن ينجح هذا.ويقدم الشعيبي مسؤولية الأديب في الإسهام من أجل بناء المشهد الثقافي المنتمي إليه وإلهام الأصوات الجديدة من خلال واقعه وهنا يقول: الطبيعي هو أن الجهد الثقافي يصبح ذا مسؤولية ثقافية وازنة في المكان، على مستوى الأثر والنتيجة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وإذا كان الأديب لا يقصد هذا مباشرة، فهو متحقق تراكميًّا ضمن نتاج ثقافي عام، فالمسؤولية في البداية فردية، بكونه صاحب المنتج الإبداعي، على الرغم من الحاجة إلى متلقٍّ يتفاعل معه، إلا أنه ضمنيًّا هو مسؤولية، في كونها إسهامًا في بنية الثقافة المكانية عمومًا، لذلك أظن أن الصيغة الدقيقة للكاتب هو تمثل المسؤولية الذاتية قبل وأثناء وبعد. ومن خلال هذا التمثل يمكن رصد صداه لدى عموم المتلقيِين، وليس ضروريًا أن يكون الصدى فوريًا، ولكنه يمكن أن يترك أثرًا ثقافيًّا في حيز ما، وهو أثر إيجابي بامتياز، لذلك كله، هل كل من يكتب يتمثل هذه المسؤولية بمعناها الثقافي؟ ربما نعم، وربما لا، ولكن ذلك رهن بنشرها وانتشارها ومقاربتها وقراءتها وتقديمها عبر مؤسسات ثقافية وإعلامية، فالأصوات الجديدة تحتاج إلى منتج، والثقافة تحتاج إلى تراكم، وبينهما يمكن للكاتب أن تكون جهوزيته متجددة لأفكار تفاعلية ذات أفق مختلف وأصيل في نوعه وجنسه.ويقف الكاتب عبدالله الشعيبي عند الآفاق التي يتطلع إلى استكشافها في مشروعاته المقبلة، وقدرة الأدب العُماني اليوم على الوصول إلى فضاءات عربية أوسع مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية وهُويته المحلية ويقول: هناك العديد من الأفكار المرتبطة بالمستقبل على مستوى تنويع الإصدارات الكتابية، بين القصص القصيرة والرواية والمكان، وبمناسبة عبارة مشروعات مقبلة، فقد وجدتُ – عبر سنين طويلة – أن المشروعات ينبغي أن تستند إلى قدرات كاتبها، وعدم التعويل على الغير، إذ إن تقدير ماهية ونوعية أي أثر مُفْتَرَض لأي مشروع ثقافي أجده فرديًّا في المقام الأول، لكي يكون المنهج مستقلًّا في رؤيته وخياراته وخطواته ونتيجته، وهذا لا يمكن أن يعيه إلا الكاتب وحده، وبالنسبة لي ستظل مشروعات الكتابة الشخصية ممتدة بدون سقف، خارج التنميط والتبعية./العُمانية/ النّشرةُ الثّقافيّةُ/خميس الصلتي