“حلق الرمانة”.. مضيق أريحا الملتهب

أريحا 20-4-2026 وفا- نديم علاوي يتوارث الفلسطينيون في أريحا، إحدى أقدم مدن العالم، روايات عن أماكن تاريخية ودينية ورمزية ضاربة في عمق التاريخ، من بينها حكاية شجرة رمان معمرة يُقدّر عمرها بنحو مئة عام. في وادٍ ضيق يعلو قمة جبل يُشرف على أريحا، نمت تلك الرمانة، حيث أقامت عائلات من المحاليس والمليحات مساكنها عام 1994، في منطقة مصنفة (أ). ويستذكر الأهالي قائلين: “كنا نتذوق ثمارها كقناديل تحت شمس الأغوار”، أما اليوم، فيؤكدون أنهم لم يتجرعوا في “حلق الرمانة” منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 سوى المرارة. جهاد المحاليس، أحد سكان المنطقة والمتحدث باسم اللجان الأهلية لمتابعة قضايا الاستعمار في الديوك والنويعمة بمحافظة أريحا، يقول لـ”وفا”: إن “نصف السكان اضطروا للرحيل بفعل اعتداءات المستعمرين، حيث تراجع عدد الأسر من نحو 30 إلى قرابة 15 أسرة”. ويشير الأهالي إلى تعرضهم لاقتحامات متكررة من المستعمرين، تشمل سرقة الممتلكات، وملاحقة الرعاة، وإتلاف مصادر الرزق، وإغلاق الطرق الترابية، ومنع الوصول إلى الأراضي، إلى جانب اعتداءات جسدية وترويع للنساء والأطفال خلال السنوات الأخيرة. ويضيف محاليس: “رغم أن المسافة الهوائية بين حلق الرمانة ومناطق الخدمات في بلدية الديوك والنويعمة المجاورة لا تتجاوز 400 متر، إلا أن إغلاق الطرق وسيطرة المستعمرين أجبرت المواطنين على سلوك طرق التفافية طويلة تمتد لعدة كيلومترات”. ويروي أن نحو 170 رأساً من الأغنام سُرقت خلال الفترة الأخيرة من أحد المواطنين من عائلة مليحات، ما دفع الأهالي إلى تقليص تربية المواشي خوفاً من السرقة، مؤكداً أن “حتى الدواجن لم تسلم”. ويتابع: “تحاصر المنطقة مستعمرات وبؤر استعمارية، أبرزها مستعمرة “ميفئوت”، التي ينطلق منها المستعمرون لتنفيذ اعتداءاتهم”. ويُعد “حلق الرمانة” أحد التجمعات الفلسطينية المستهدفة، وتمتد أراضيه من وادي المقوق شمالاً حتى وادي القلط جنوباً، بمساحة تُقدّر بنحو 16 ألف دونم، فيما لا تتجاوز المساحة السكنية 100 دونم. وحول تسمية المنطقة، يوضح محاليس أن خصوبة الأرض ووجود شجرة الرمان المعمرة في هذا المضيق كانا سبباً في إطلاق الاسم عليها. ويقطن في “حلق الرمانة” نحو 100 نسمة، بين من يعمل خارج المنطقة ومن يصرّ على البقاء رغم صعوبة الحياة، في ظل تكرار اعتداءات المستعمرين بهدف “تطفيش” الأهالي. ويتقاطع هذا الحديث مع ما أكده المشرف العام لمنظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، الذي أشار إلى أن مصطلح “التطفيش” يعكس سياسة ممنهجة تستهدف تهجير السكان. ووفق توثيقات ميدانية وشهادات مباشرة، سُجل نحو 70 اعتداءً منذ بداية العام، جميعها تندرج ضمن نمط من التهجير التدريجي والمنهجي. ويؤكد مليحات: “ما يجري في حلق الرمانة لا يختلف عما حدث في عين العوجا وعرب المليحات، إذ تُنفذ هذه الهجمات ضمن سياسة “النار البطيئة” التي تجعل الحياة اليومية لا تُطاق، تمهيداً لتهجير السكان”. ويضيف أن الاعتداءات ازدادت كثافة وتنظيماً منذ عام 2023، وتشمل محاولات السيطرة على محيط التجمع وفرض قيود على الحركة والرعي، ما يخلق بيئة طاردة للسكان. ورغم ذلك، لا تزال بعض العائلات متمسكة بأرضها، وتطالب بشق طريق مختصر بطول نحو 450 متراً يصل إلى مساكنها، بدلاً من الطريق الحالي الذي يمتد لعدة كيلومترات. هناك، ما تزال الشجرة التي منحت المكان اسمه حاضرة في الذاكرة، بينما يعيش سكان الأغوار واقعاً يزداد قسوة، في مضيق يضيق على حياتهم أكثر من أي وقت مضى. ــــــــــ ن.ع/ ف.ع