عمان 24 أيلول (بترا)-هبة العسعس- أثار خطاب جلالة الملك أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة عددا من القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والتطورات
الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما تشهده الأراضي المحتلة من
انتهاكات، إلى جانب تداعيات الأوضاع الإقليمية على الأردن وأمنه.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، أوضح خبراء لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)،
أن جلالة الملك قدم رؤية قانونية وحقوقية تستند إلى المواثيق والمعاهدات
الدولية، مسلطا الضوء على مسؤولية المجتمع الدولي وأهمية تفعيل الأدوات
المتاحة لحماية حقوق الإنسان، ووضع حد للانتهاكات والتهجير القسري
والعنف، بما يعزز الالتزام بالقيم والمبادئ الإنسانية.
وفي هذا السياق، قال المفوض العام لحقوق الإنسان في المركز الوطني لحقوق
الإنسان، جمال حامد الشمايلة، إن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن
الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لقي صدى دوليا واسعا، لما
تضمنه من رسائل واضحة ومواقف حازمة تجاه عدد من القضايا، وفي مقدمتها
القضية الفلسطينية وما تشهده الأراضي الفلسطينية من انتهاكات جسيمة
لحقوق الإنسان.
وأشار الشمايلة إلى أن جلالة الملك أوضح أن ما يجري في فلسطين ليس صراعا
دينيا، كما تحاول إسرائيل تصويره، وإنما هو صراع يتعلق بالإنسان وحقوقه
وكرامته، مؤكدا أن الممارسات التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في
الضفة الغربية لا يمكن التعامل معها باعتبارها جرائم فردية، بل تأتي في
إطار ممارسات ممنهجة تتحمل الدولة مسؤولية التصدي لها ومحاسبة مرتكبيها.
وأكد الشمايلة أن خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
في دورتها الحادية والثمانين يمثل موقفا سياسيا واستراتيجيا واضحا يضع
المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ولا سيما مسؤولياته الإنسانية
والقانونية، كما يجدد الموقف الأردني الحازم تجاه القضية الفلسطينية،
ويؤكد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس،
دفاعا عن هويتها ومكانتها وسيادة الأردن ودوره التاريخي تجاهها.
من جهته، أكد عميد كلية الحقوق بجامعة البترا، الدكتور علي الدباس، أن
رسالة جلالة الملك كانت واضحة وصريحة، حيث وضع مسألة ازدواجية المعايير
في صدارة الحديث، وهو أمر يتنافى مع المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه
القواعد القانونية، والمتمثل بالمساواة، مشيرا إلى أن هذه الازدواجية
تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بعدم التغاضي عما تقوم به إسرائيل.
وحول الدلائل القانونية والسياسية لربط جلالة الملك استمرار الاحتلال
بتراجع الثقة بمنظومة حقوق الإنسان الدولية، قال الدباس إن القانون
الدولي يؤكد استقلالية الدول ويحظر احتلال الأراضي بالقوة، كما يحظر
استخدام القوة أصلا، موضحا أن إسرائيل قامت في الأساس على مبدأ القوة،
وتواصل ذلك في الوقت الحاضر.
وأكد أنه إذا لم يستطع المجتمع الدولي وقف مثل هذه الانتهاكات، فإن ذلك
يطرح تساؤلا حول قيمة القانون الدولي، ولماذا تبقى الدول منضمة إلى
الأمم المتحدة وتطالب باستمرار بتطبيق القانون الدولي، طالما أن الشعوب
لا تستطيع الحصول على حقوقها استنادا إلى المواثيق الدولية.
وحول الفجوة بين الاعتراف العالمي بحقوق الإنسان والالتزام الفعلي
بحمايتها، أوضح الدباس أن الفجوة بين النظرية والتطبيق موجودة منذ زمن،
مبينا أن رجال القانون كانوا دائما يفسرون القانون الدولي باعتباره
“قانونا ناعما”، بمعنى أنه لا يمتلك أدوات تجبر المخالف على الالتزام
بتنفيذ القانون.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الدبلوماسية وحقوق الإنسان، قال الدباس إن
حقوق الإنسان تمثل قيما إنسانية مشتركة تجتمع فيها جميع شعوب الأرض، وأن
من يبحث عن العدالة يجب أن يكون عادلا، موضحا أن دعوة جلالة الملك إلى
الدبلوماسية تمثل إنذارا للعالم بضرورة التمسك بالقيم الأصيلة، التي
تقوم على احترام الإنسان وعدم انتهاك حقوقه، حتى وإن كان عدوا.
من جانبه، أكد الخبير في القانون العام والإداري، الدكتور حمدي
القبيلات، أن جلالة الملك استخدم خلال خطابه مصطلحات دقيقة وواضحة في
توصيف الواقع، ودعا إلى تسمية الأمور بمسمياتها، حيث أشار جلالته إلى أن
السياسات الإسرائيلية الحالية في الضفة الغربية وقطاع غزة تندرج، وفق
توصيفه، ضمن جرائم الحرب والتهجير القسري، بما يمثل انتهاكات صارخة
لحقوق الإنسان المكفولة بموجب المواثيق والمعاهدات الدولية.
وبين قبيلات أن جلالة الملك أشار إلى عدد من الأدوات التي كان يمكن
للمجتمع الدولي اللجوء إليها للتعامل مع الانتهاكات، ومنها العقوبات
وتجميد الأصول واتخاذ إجراءات أوسع لحماية حقوق الإنسان، لافتا إلى أن
عدم استخدام هذه الأدوات أسهم في تعزيز الانطباع بوجود فجوة بين
الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان وبين الالتزام الفعلي بحمايتها.
وأشار إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم محدودية أدواتها
التنفيذية المباشرة مقارنة بمجلس الأمن وغيره من المؤسسات الدولية، تؤدي
دورا مهما في كشف الحقائق وتسليط الضوء على الانتهاكات أمام المجتمع
الدولي، مؤكدا أن خطاب جلالة الملك قدم توصيفا واضحا ومباشرا للواقع،
واستند إلى أرقام ووقائع، ووضع القضية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي
من منظور قانوني وحقوقي.
وبين أن الخطاب شكل، من وجهة نظره، خطوة مهمة في إيصال القضية
الفلسطينية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى الرأي العام العالمي،
مستندا إلى ما تضمنته الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية من
التزامات، ومشيرا إلى أن المشكلة تكمن في عدم استخدام المجتمع الدولي
للأدوات المتاحة لديه للتعامل مع الانتهاكات.
وأوضح قبيلات أن حقوق الإنسان تستند إلى قيم ومبادئ إنسانية أقرتها
الشعوب، ولا يمكن حمايتها من خلال القتل أو التدمير أو العنف، مؤكدا
أهمية الحفاظ على القيم الإنسانية والمسار الدبلوماسي في مواجهة الأزمات
والنزاعات.
–(بترا)
ه ع/ع م/س أ