خبراء زراعيون: البيئة النظيفة أساس لزراعة مستدامة وأمن غذائي في الأردن

عمان 11 أيلول (بترا)- سلوى صالح- يشارك الأردن في الجمعة الثانية من
شهر أيلول، دول العالم بـ”اليوم العالمي للتنظيف”، وهو مبادرة عالمية
انطلقت بمشاركة شعبية واسعة لتصبح اليوم أحد أكبر الحراكات البيئية في
العالم، بهدف توحيد الجهود لتنظيف الشوارع والشواطئ والأراضي الزراعية
والمسطحات المائية من النفايات والمخلفات الصلبة.

وأكد خبراء لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن إحياء “اليوم العالمي
للتنظيف” تجاوز أطر المفاهيم التقليدية لإدارة النفايات ليلامس عمق
الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية، قائلين: إن حماية التربة
والمياه من التلوث والنفايات البلاستيكية تشكل ركيزة أساسية لضمان سلامة
الإنتاج الزراعي واستدامة سبل العيش الريفية.

وشددوا على أن اليوم العالمي للتنظيف يتعدى كونه حملة مؤقتة لجمع
النفايات، ليشكل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في أنماط الاستهلاك
والإنتاج وإدارة المخلفات، وتعزيز مفاهيم الاقتصاد الدائري والاستهلاك
المسؤول، وحماية الموارد الطبيعية المحدودة من التلوث، خاصة في ظل
التحديات المتزايدة التي يفرضها التغير المناخي وارتفاع حجم النفايات
البلاستيكية عالمياً.

وفي هذا السياق، أكد ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)
في الأردن باول أوبيو، أن حماية البيئة الزراعية لم تعد خياراً بيئياً
فحسب، بل شرطا حتميا لبناء نظم غذائية قادرة على الصمود ولضمان سلامة
الإنتاج واستدامة سبل العيش الريفية، موضحا أن النظم الزراعية والغذائية
عالمياً تستهلك سنوياً نحو 12.5 مليون طن من البلاستيك في الإنتاج
الزراعي والحيواني، إلى جانب 37.3 مليون طن تُستخدم في تغليف الأغذية،
ومشيراً إلى أن سوء إدارة هذه المخلفات يؤدي إلى تراكمها في الأراضي
الزراعية والموارد المائية، مما يؤثر على صحة التربة والتنوع الحيوي
سلبيا ويمس سلامة الغذاء.

وبين أوبيو أن العالم يفقد أو يهدر ما يقارب ثلث الغذاء المنتج
للاستهلاك البشري سنوياً، والذي يستنزف إنتاجه وحده نحو 24 بالمئة من
إجمالي المياه المستخدمة في الزراعة عالمياً، علماً بأن القطاع الزراعي
يستأثر بنحو 70 بالمئة من إجمالي السحوبات العالمية من المياه العذبة،
ولا سيما وأن هذا التبدد يحدث في وقت يعاني فيه أكثر من 730 مليون شخص
من الجوع عالمياً، ويزيد على 2.8 مليار شخص ممن لا يستطيعون تحمل كلفة
نظام غذائي صحي، مع توقعات بارتفاع الطلب مع وصول سكان العالم إلى نحو
10 مليارات نسمة بحلول عام 2050.

وأضاف أن عمل الفاو في المملكة يأتي متوافقاً مع رؤية التحديث الاقتصادي
2033 والإطار البرامجي القطري للفاو (2024-2028) للتحول نحو نظم غذائية
أكثر كفاءة واستدامة عبر الاقتصاد الدائري والزراعة الذكية مناخياً،
مشيراً إلى دعم الفاو لانضمام 3 بلديات أردنية إلى ميثاق ميلانو
للسياسات الغذائية الحضرية لتبادل الخبرات الدولية في الحد من الفاقد
وإدارة النفايات.

ودعا ممثل (الفاو) في الأردن إلى تضافر جهود جميع الفاعلين في النظام
الغذائي لحماية التربة والمياه، مؤكداً أن المزارعين هم حماة الموارد
الطبيعية وخط الدفاع الأول عنها وأن تبنيهم للممارسات المستدامة يسهم في
حماية البيئة وزيادة الإنتاجية والدخل وتحسين إدارة المياه ورفع جودة
المنتجات وزيادة الوصول إلى الأسواق وتعزيز قدرتهم على التكيف مع الجفاف
وارتفاع الحرارة والتحديات المناخية المستقبلية. كما حث على تبني أنماطا
استهلاكية أكثر استدامة داخل المنازل لما لذلك من أثر مباشر على الموارد
والأمن الغذائي.

وشدد على أن الفاو تضع الشباب في قلب عملية التحول نحو نظم غذائية
مستدامة عبر دعم الابتكار وريادة الأعمال الزراعية والتقنيات الرقمية
والحلول الخضراء التي توفر فرص عمل جديدة، مع التركيز على تمكين الشباب
والنساء كشركاء أساسيين في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي 2033 وبناء
مستقبل غذائي أكثر استدامة وشمولاً وقدرة على الصمود وتوفير غذاء صحي
ومغذ للأجيال الحالية والقادمة.

من جانبه، أكد مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين، المهندس محمود
العوران لـ(بترا)، أن التغيرات المناخية والظروف البيئية باتت تؤثر بشكل
مباشر وملموس على القطاع الزراعي، مبيناً أن مفهوم التغير المناخي لا
يقتصر على الانحباس المطري أو الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل
يشمل منظومة من العوامل المشتركة التي تنعكس على صحة التربة وجودة
المحاصيل.

وأوضح العوران أن المخلفات الصلبة والبلاستيكية خاصة في مناطق الأغوار
والمفرق تشكل خطراً على خصوبة التربة نتيجة التأثر بالارتفاع أو
الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، حيث تعمل الأغطية والمواد النفطية
كعائق داخل مسامات التربة يمنع وصول الأكسجين إليها. وأضاف أن التخلص
غير السليم من المخلفات، يلوث مياه الري بالمواد السامة، ويزيد من
انتشار الآفات والحشرات الضارة التي تؤذي المزروعات.

وشدد العوران على أن الأردن يمتلك ميزة نسبية كبرى بين دول المنطقة
تتمثل في إنتاج غذاء آمن وسليم بفضل سلامة تربته ومياهه وخلوها من
التلوث الكيماوي الناتج عن الحروب والنزاعات في المحيط الإقليمي، مؤكداً
أن الحفاظ على هذه الميزة يتطلب حماية البيئة الزراعية، وتنظيف مجاري
المياه، والسدود، وبرك الحصاد المائي لرفع كفاءتها وجودتها.

وجدد دعوته للمزارعين إلى ضرورة التعامل السليم مع العبوات والمخلفات
الزراعية والالتزام بالنظافة المستمرة للأراضي، مشيراً إلى أن البيئة
النظيفة والسليمة تنعكس إيجابياً على القطاع الزراعي من خلال زيادة
كميات الإنتاج، وتقليل تكاليف المستلزمات الزراعية، وتوفير بيئة نمو
خالية من الآفات والأمراض.

ومن الناحية العلمية والأكاديمية، أكدت الدكتورة نسرين عبيدات من كلية
الزراعة في الجامعة الأردنية لـ (بترا)، أن تنظيف التربة ومصادر المياه
عبر إزالة المخلفات الزراعية والبلاستيكية، ومنع وصول مياه الصرف غير
المعالجة والزيوت وبقايا المبيدات والأسمدة إلى البيئة الزراعية، يحافظ
على الخصائص الفيزيائية والكيميائية والحيوية للتربة، ويسهم في تحسين
تهويتها ونفاذيتها ونشاط الكائنات الحية الدقيقة النافعة، بما يدعم نمو
الجذور ويزيد كفاءة امتصاص الماء والعناصر الغذائية.

وأوضحت عبيدات أن جودة مياه الري ترتبط ارتباطاً مباشراً بصحة النبات
وإنتاجية المحصول؛ حيث يؤدي ارتفاع الملوحة أو وجود مسببات الأمراض
والملوثات الكيميائية إلى إضعاف الإنبات والنمو والتأثير سلباً في كمية
الإنتاج ونوعيته.

وأشارت إلى أن حماية التربة والمياه تنعكس إيجابياً على المزارع في صورة
إنتاج أكثر استقراراً، ومحصول أعلى جودة وقيمة تسويقية، وكفاءة أكبر في
استخدام المياه والأسمدة، مع انخفاض تكاليف المكافحة وصيانة شبكات الري،
بينما يضمن المستهلك الحصول على غذاء أكثر أماناً وجودة، مؤكدة ضرورة
إجراء التحاليل الدورية والالتزام بالمواصفات والتشريعات الوطنية
المعتمدة.

وحول التطبيقات الحقلية، دعت الدكتورة عبيدات المزارعين إلى تبني أفضل
الممارسات للحفاظ على أرض نظيفة ومنتجة، بدءاً من منع التلوث من مصدره
عبر جمع المخلفات الزراعية والبلاستيكية وعبوات المبيدات والتخلص منها
بواسطة الجهات المختصة، وتجنب حرقها أو دفنها أو إعادة استخدام العبوات
الفارغة، إضافة إلى تخزين الأسمدة والمبيدات في أماكن آمنة بعيداً عن
مصادر المياه والأغذية والأعلاف، وفحص التربة ومياه الري دورياً،
واستخدام الأسمدة وفق نتائج التحليل، وتطبيق الإدارة المتكاملة للآفات
والالتزام بالمبيدات المسجلة وفترات الأمان قبل الحصاد، وصيانة شبكات
الري وتنظيف المرشحات، ومراقبة الملوحة وتطبيق الدورة الزراعية.

وأكدت الدكتورة عبيدات على أن “نظافة البيئة الزراعية ليست حملة مؤقتة،
بل ممارسة مستمرة تحمي صحة التربة وجودة المياه، وتدعم سلامة الغذاء
واستدامة الإنتاج الزراعي للأجيال المقبلة”.

ويظل الحفاظ على سلامة ونظافة البيئة الزراعية في المملكة مساراً
استراتيجياً متكاملاً يتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية، لضمان تحويل
التحديات البيئية والمناخية إلى فرص تنموية مستدامة تحمي الموارد
الطبيعية المحدودة، وتصون المكتسبات الوطنية في تحقيق الأمن الغذائي
المستدام، وترسخ الميزة التنافسية للمنتج الزراعي الأردني محلياً
وإقليمياً.

–(بترا)
س ص/م د/أس