لوحات الفنان سليمان منصور.. لغة بصرية تجمع بين الإنسان والأرض والذاكرة

عمّان في 31 أغسطس 2026 /العُمانية/
ظلت فلسطين حاضرة بقوة في أعمال الفنان التشكيلي سليمان منصور، الذي رحل عن عالمنا
مؤخرًا، تاركًا إرثًا فنيًّا امتد لأكثر من خمسة عقود، كرّس خلالها تجربته للبحث عن
لغة بصرية قادرة على الجمع بين الإنسان والأرض والذاكرة.

عمل الفنان الراحل منذ
بداياته الفنية بتصوير الإنسان الفلسطيني في حياته اليومية، ولا سيما الفلاحين
والنساء وأجواء الريف والمشاهد الطبيعية في البيئة المحيطة. وتكررت في أعماله
الأولى مفردات القرية، وشجرة الزيتون، وبستان البرتقال، والثوب الفلسطيني التراثي المطرز،
والمرأة الفلسطينية، لتتجاوز حضورها الوصفي إلى أبعاد رمزية تختزل علاقة البشر
بالأمكنة التي نشأوا فيها أو أُبعدوا عنها وظلت حاضرة في الذاكرة والوجدان.

وأنجز أعمالًا ذات طابع
واقعي واضح، لكنه لم يكن واقعًا فوتوغرافيًّا؛ حيث كان يعيد ترتيب عناصر المشهد
بحيث تتحول الشخصيات والأشياء إلى علامات بصرية دالّة. فالمرأة في الثوب الفلسطيني
تستحضر الأرض، فيما تغدو أشجار الزيتون والبرتقال رموزًا للتجذر والانتماء
واستمرار الصلة بالمكان. وفي الوقت نفسه، تنقل الفنان الراحل بين الواقعية
والتجريد، وظل يعيد صياغة الموضوع الفلسطيني وفق التحولات التي شهدتها تجربته
الشخصية والسياسية والفنية.

وتبقى لوحة “جَمَل
المحامل” التي أنجزها عام 1973، أشهر أعماله وأكثرها التصاقًا بصورة فلسطين
في المخيلة العربية والعالمية. حيث تبدو هذه اللوحة، للوهلة الأولى، مشهدًا سرديًا مباشرًا: رجل فلسطيني مسنّ يحمل مدينة القدس على ظهره. غير أن قوة العمل تتجاوز
المشهد الظاهري إلى الاستعارة التي أقامها الفنان بين الإنسان والمكان؛ فالقدس
ليست حمْلًا ماديًّا فحسب، فهناك حمولة رمزية لها عبر التاريخ، وكذلك الحال بالنسبة
للرجل، فهو ليس عتّالًا عاديًّا، وإنما يتحول جسده إلى حامل لذاكرة الفلسطيني
المؤثثة بالتهجير والشتات والفقد.

وفي اللوحة نفسها، جعل القدس
تبدو متوهجة ومثالية، مع حضور بارز لقبة الصخرة، في مقابل جسد الرجل المنهك، لينشئ
توترًا بصريًّا ودلاليًّا بين ثقل الواقع وقيمة ما يحمله الإنسان. ولم يتعامل الفنان
مع التفاصيل بوصفها غاية في ذاتها، فهي موجودة لتثبيت المعنى وتعميق الرمز.

وشارك سليمان منصور في
عام 1987 في تأسيس مجموعة “الرؤية الجديدة” إلى جانب الفنانين
فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني. واستخدمت المجموعة مواد مستمدة من البيئة
الفلسطينية، مثل الطين والحناء والقهوة والقش والجلد والخشب والأصباغ الطبيعية.

وبدا واضحًا أن الطين من
أكثر الخامات خصوصية في تجربة منصور، فهو يشير إلى تراب فلسطين. ووضع الفنان طبقات
من الطين داخل هياكل خشبية، ثم يشكّل السطح ويترك المادة تجفّ، فتتشقق الطبقة
الطينية مع مرور الوقت، وتغدو التشققات جزءًا من التكوين النهائي. وتجاوزت هذه
التشققات كونها مجرد نتيجة طبيعية لجفاف المادة، لتتحول إلى عنصر جمالي ودلالي
يستحضر الأرض الجافة، والآثار، ومرور الزمن، والهشاشة، والانقسام. ومن أبرز تجارب
منصور في هذا المجال سلسلة “أنا إسماعيل” التي بدأها عام 1996، واستخدم
فيها الطين لصنع أشكال بارزة داخل أطر خشبية، مستفيدًا من خصائص المادة وقدرتها
على إنتاج سطح متشقق وحضور يقترب من النحت البارز، فيما ظهرت الشخصية في هيئة
تستدعي ما يشبه شاهد الضريح.

ولم يتوقف بحث الفنان
سليمان منصور عن الخامة المحلية عند الطين؛ فقد استخدم القهوة والحناء أيضًا،
واستفاد من مواد وأصباغ طبيعية أخرى، وخلطَ الطين في بعض تجاربه الفنية بمكونات
مستمدة من البيئة المحلية، مثل السمّاق والكَمّون. وكان لهذا الاختيار بعد جمالي
وسياسي في آن واحد، إذ أسهم في تحرير العمل من المواد الفنية الجاهزة، وفي بناء
لغة تستند إلى المكان بوصفه مادة للعمل بالإضافة إلى كونه موضوعًا للرسم.

واتجه الفنان في بعض
أعماله إلى التجريد، كما في عمله “الحشد”، حيث لا يعود الأشخاص أفرادًا محددين، بل يتحولون إلى كتلة بصرية تتكون من الخطوط واللطخات والألوان.

ويكشف هذا التحول عن
قدرة الفنان الراحل سليمان منصور على تغيير أدواته البصرية تبعاً لطبيعة الموضوع؛
فإذا كانت “جَمَل المحامل” تحتاج إلى صورة يمكن قراءتها مباشرة واستيعاب
رمزيتها، فإن “الحشد” يدفع المتلقي إلى تفكيك الصورة وإعادة بنائها، بحيث
يصبح التكوين والإيقاع واللون أكثر أهمية من التفاصيل الواقعية.

وفي سنواته الأخيرة، ظل
البحث والتجريب حاضرين في تجربته الفنية. حيث تحدث الفنان عن اتجاهه إلى الرسم
المباشر على القماش من دون اسكتشات تحضيرية، وعن اقترابه من التعبيرية التجريدية،
في محاولة لمواجهة الصور القاسية التي خلّفتها الصراعات، وتحويل وقعها الإنساني
والنفسي إلى طاقة تشكيلية.

جدير بالذكر أن الفنان
الراحل سليمان منصور ظل يوسّع مفهوم اللوحة من الزيت والأكريليك إلى الطين والقش
والحناء والأصباغ الطبيعية، حتى غدت الخامة في كثير من أعماله جزءًا من المعنى، وأصبح
الفن لديه وسيلة لحفظ المكان والإنسان والذاكرة في مواجهة المحو.

/العُمانية/ النشرة
الثقافية

جعفر العقيلي، أصيلة
الحوسني