لوحات فؤاد ميمي.. المكان بوصفه مخزونًا وجدانيًّا

عمّان في 3 أغسطس 2026 /العُمانية/ أنجز
التشكيلي الأردني فؤاد ميمي (1946-2026) مئات اللوحات التي أسهمت في تشكيل ملامح
الحركة الفنية العربية على مدى أكثر من خمسة عقود، وعكست تجربة إنسانية امتزجت
فيها ذاكرة اللجوء بجمال الطبيعة.

اختبر الفنان الذي توفي في عمّان في أول
أغسطس الجاري، تجربة التهجير بعد النكبة (1948)، قبل أن تستقر أسرته في الأردن،
وأصبحت تلك التجربة جزءًا أصيلًا من رؤيته الفنية، لذا حملت لوحاته على الدوام
إحساسًا بالحنين إلى المكان الأول، دون أن تقع في المباشرة أو الخطابية، بل عبّرت
عن الذاكرة من خلال التفاصيل اليومية.

بدأ اهتمام فؤاد ميمي بالفن مبكرًا، ثم قرر
أن يصقل موهبته بالدراسة الأكاديمية، فالتحق بكلية سنترال سانت مارتنز للفنون
والتصميم في لندن، وهي إحدى أبرز المؤسسات العالمية في مجال الفنون، ومنها حصل على
شهادة متقدمة في الفنون الجميلة، كما تلقى تدريبًا متخصصًا في الإنتاج والإخراج
التلفزيوني لدى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وهو ما منحه خبرة بصرية تجلت في أعماله
الفنية التي اتسمت بحس سينمائي في بناء المشهد وتوزيع الكتل والتعامل مع الضوء
والظل.

ورغم نجاح الفنان في مجالات متعددة، بقي
الرسم شغفه الأول، فاختار المدرسة الانطباعية منطلقًا لأسلوبه، لكنه لم يلتزم بها
بوصفها قالبًا جامدًا، بل منحها خصوصية مستمدة من البيئتين الأردنية والفلسطينية،
إذ تظهر في أعماله الأسواق الشعبية، والبيوت القديمة، والجبال، والأودية، والمرأة،
والخيول، والوجوه الإنسانية، وقد غمرها جميعًا ضوءٌ دافئ وألوان مشبعة بالحياة،
فلم يسعَ الفنان إلى النقل الحرْفي للمشهد، وإنما إلى التقاط روحه وإيقاعه
الداخلي.

واتسمت تجربة الفنان فؤاد ميمي بقدرته على
تحويل التفاصيل اليومية إلى موضوعات جمالية حيوية، فالزقاق القديم، ونافذة المنزل،
والشجرة الوحيدة، والوجه المعتق.. كلها تتحول في لوحاته إلى فضاءات إنسانية تحمل
دلالات تتجاوز الشكل الظاهر، كما عُرفت أعماله باستخدام طبقات لونية كثيفة تمنح
اللوحة عمقًا بصريًّا، مع اهتمام واضح بتأثيرات الضوء التي تضفي على المشهد إحساسًا
بالحركة.

وعمل الفنان لسنوات طويلة في التلفزيون منتجًا
ومخرجًا، فقد أنتج عددًا من الأفلام الوثائقية والثقافية، حاز عدد منها على جوائز
عربية ودولية، مثل جائزة التاج الذهبي في مهرجان الدار البيضاء عن الفيلم الوثائقي
“فن الخط العربي” الذي جمع بين الحس البصري والبعد الثقافي، وأكد قدرة
الفنان على الانتقال بين اللوحة والشاشة بالقدر نفسه من الإبداع.

كما عمل في مجالات أخرى مرتبطة بالفنون
البصرية، منها تصميم الأزياء والسجاد، وشارك في مشروعات ثقافية متنوعة، إلى جانب
نشاطه في تعليم الفن، وقد أكسبته هذه التجارب رؤية شاملة للفنون بوصفها منظومة
متكاملة، لا تقتصر على الرسم وحده، بل تشمل التصميم والسينما والعمارة والجماليات
اليومية على اختلافها.

وشارك فؤاد ميمي في عشرات المعارض الفردية
والجماعية منذ سبعينيات القرن الماضي، واقتنت أعماله مؤسسات فنية مرموقة، من بينها
المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، إلى جانب مجموعات خاصة في أوروبا والولايات
المتحدة وعدد من الدول العربية، وقد أسهم هذا الحضور في ترسيخ مكانته بوصفه أحد
رواد الفن التشكيلي في الأردن.

وفي أواخر عام 2025، أقام الفنان فؤاد ميمي
معرضًا استعاديًّا في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة ضم أكثر من 150 لوحة
تمثل مراحل مختلفة من تجربته الممتدة، وقدّم المعرض فرصة نادرة لتتبع تطور أسلوبه
الفني، من الأعمال المبكرة إلى أحدث إنتاجاته، كاشفًا عن ثبات رؤيته الإنسانية مع
تطور أدواته التعبيرية ومؤكدًا قدرته في الحفاظ على هويته الفنية مع الاستمرار في
التجديد.

ولأن الفنان الأردني فؤاد ميمي رسم المكان
بوصفه ذاكرة وهوية ومخزونًا وجدانيًّا، فإن الطبيعة في لوحاته تبدو أقرب إلى كائن
حي يتنفس، بينما تحضر الشخصيات الإنسانية بهدوء وتأمل، بعيدًا عن المبالغة
الدرامية لذلك تحثّ لوحاته المشاهد إلى التوقف أمامها طويلًا لاكتشاف طبقاتها
النفسية والرمزية وعمقها الحسي والبصري.

/العُمانية/ النشرة الثقافية

جعفر العقيلي