بدعم من الشيخة فاطمة / الإمارات تُرمم “الجامع الأموي” حفاظاً على التراث العربي والإسلامي
إطلاق الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026تكريس لمكانتها الحضارية واعتراف بثقلها الإعلامي
خطابي: في اليوم العالمي لحرية الصحافة ضرورة ضمان بيئة اعلامية تعددية تسهم في تنوير الرأي العالم
بمناسبة يوم الإعــــلام العربي في (21 أبريل)خطابي: ترسيخ مقومات ثقافة المواطنة وتأصيل الممارسة لحرية التعبير
جيزان 03 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 20 مايو 2026 م واس
تحتفظ طرق جازان القديمة بحضورٍ راسخٍ في كتب التاريخ، بوصفها ممراتٍ رئيسة عبرت من خلالها القوافل، وسلكتها أفواج الحجيج، وشكّلت على امتدادها خطوطًا للحركة بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها.
وأسهمت هذه الطرق في تنشيط التواصل التجاري والبشري عبر الزمن، فصاغت ملامح الحياة، وحملت التجارة والمعرفة، ضمن نسيجٍ زمنيٍّ متصل يعكس عمق الدور الذي أدّته المنطقة في ربط الجغرافيا بالإنسان.
واكتسبت هذه الطرق أهميتها من الموقع الجغرافي لمنطقة جازان، الذي وضعها في نقطة التقاءٍ طبيعية بين اليمن ومكة المكرمة، لتغدو ممرًا رئيسًا لحركة القوافل والتنقّل بين الجنوب والشمال، وفي هذا الامتداد، تداخلت المسارات وتشعّبت، مشكّلةً شبكة طرقٍ مترابطة أسهمت في نشوء مراكز عمرانية وموانئ ساحلية، ارتبطت بدورها بوظائف اقتصادية وتجارية مبكرة عزّزت حضور المنطقة في حركة التبادل التجاري عبر الزمن.
وارتبطت جازان بطرق الحج القادمة من جنوب الجزيرة العربية، حيث سلكت القوافل من عُمان واليمن وبلاد القرن الأفريقي هذه المسارات في طريقها إلى مكة المكرمة، ضمن منظومةٍ متكاملة جمعت البعد الديني والحراك الاقتصادي، في مشهدٍ يعكس تلاقي الرحلة بالغاية، والطريق بوظيفته الحضارية.
ووفقًا لمصادر تاريخية توزّعت هذه الطرق بين مسارٍ ساحلي يسير بمحاذاة البحر الأحمر، وآخر تهامي يوازيه في الداخل، إضافةً إلى طريق الجادة الداخلي، في بنيةٍ متماسكة عكست فهمًا مبكرًا لطبيعة الجغرافيا ومتطلبات الحركة.
وتبدأ محطات طرق الحج في منطقة جازان، وفق الترتيب القادم من الجنوب إلى الشمال، ابتداءً من تَعْشَر، ثم الخصوف، والمبنى، ورِياح، وصولًا إلى جيزان والهجْر وعثَر، التي تُعد آخر مراحل طريق الجادة، حيث تلتقي بالطريق الساحلية، لتبدأ بعدها المسارات المتجهة شمالًا عبر بيش ثم بيْض، وفق ما أوردته المصادر التاريخية حول مراحل عبور الحجيج في المنطقة.
ويمر طريق الحج الآخر الطريق الساحلي بالأراضي الساحلية للبحر الأحمر بما فيها ساحل منطقة جازان، حيث يبدأ من عدن، ثم يصل إلى مدينة “الشرجة” في منطقة جازان، فتقف عندها القوافل للراحة والزاد، لتكمل طريقها بعد ذلك إلى “المفْجِر”، ثم إلى “القُنيدرة”، ثم مدينة “عثر”، وتلتقي بطريق الجادة الداخلي.
وتحوّلت هذه الطرق إلى شرايين حياةٍ انتظمت حولها أنشطة الإنسان، فأٌنشئت على امتدادها مرافق خدمية لخدمة القوافل والحجيج، شملت الآبار ومحطات التزوّد والاستراحات، إلى جانب منشآتٍ بسيطة أدّت دورًا حيويًا في استدامة الرحلة وتنظيمها، في مشهدٍ يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية الطريق كعنصرٍ في بناء الاقتصاد وخدمة المجتمع.
ولا تزال آثار هذه الطرق ماثلةً في جغرافيا جازان حتى اليوم، حيث تنتشر على امتدادها مواقع أثرية متنوّعة، من أطلالٍ عمرانية وبقايا فخارية إلى مواقع استيطان قديمة ارتبطت بالأودية والحرات، في دلالةٍ واضحة على ارتباط الإنسان بمصادر الماء وخطوط الحركة.
وتكشف هذه الشواهد عن وجود مراكز حضرية نشأت على ضفاف هذه الطرق، وأسهمت في تنشيط التبادل التجاري وخدمة القوافل، ضمن منظومةٍ حضاريةٍ متكاملة.
وبين هذه المسارات التي عبرتها القوافل، لا تزال جازان تحتفظ بذاكرة الطريق؛ ذاكرةٍ تُقاس بما حملته من لقاءاتٍ وأسفار، حيث كانت الطرق تصنع المعنى قبل أن تصنع الوجهة، وتكتب حضورها في الزمن بوصفها شريانًا للحياة، وجسرًا يصل بين الإنسان وأرضه، وبين الرحلة وغايتها.
// انتهى //
14:21 ت مـ
0105