مسقط في 5 أكتوبر 2026 / العُمانية/ ثمة تساؤلات حول
النقد عادة ما تتقاطع مع واقع الشعر الشعبي في سلطنة عُمان من أجل النهوض به،
وتبرز بصورة واضحة وهو يواصل حضوره كونه
أحد أهم ركائز الهوية الثقافية، ليبقى متكئًا على إرثٍ ثري وتجارب متجددة إبداعية تعكس
نبض المجتمع وتحولاته المتعددة.
ومع تفرّع مشهد الثقافة وتطور أدواته التي تؤسس للنشر
والتلقي تبرز الحاجة إلى حقيقة النقد الواعي الذي يواكب هذا الحراك الثقافي. ذلك
النقد يقرأ التجارب الشعرية بمنهجية علمية ويفتح آفاق التجديد والابتكار.
يقترب التقرير من جملة من النقاط في هذا السياق يتمثل في
كون النقد شريك صناعة القصيدة الشعبية العُمانية، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد
قراءة لها إلى شريك في تطوير التجربة الشعرية الشعبية.
في هذا السياق يقول الكاتب والشاعر العُماني محمد
الصالحي: لقد مر الأدب العُماني بشقيه، الشعري والنثري، بتحولات كبيرة؛ فقد كان
قبل السبعينات مشغولاً بالواقع الاجتماعي
المرتبط بالإنسان “محليًا” وخارجيًا، ما ألقى بظلاله على نتاج الأدب،
لذا يُلاحظ في الكتابات العُمانية في ذلك الوقت التقليل من الجانب العاطفي، وإن
وُجد فسيجده الباحث خجولاً لا يرتقي إلى مستوى القصائد العاطفية المعروفة لدى
المتتبع العربي.
أما الأدب بعد السبعينات فقد أخذ منحى آخر؛ إذ تطرق الكاتب
والشاعر العُماني إلى مجالات لم تكن مطروقة من قبل، وساعد على هذا التحول دور
الإعلام، سواء المقروء أو المسموع أو المرئي، حيث تبارت وسائل الإعلام في إظهار
الأدب بأثواب مختلفة، وسهلت للمتلقي وصول المنتج الأدبي بكل تفاصيله وصوره.
وأضاف الصالحي: لقد تأثر الأدب العُماني كغيره بهذا الزخم
الإعلامي العابر للقارات، واستطاع بشقيه أن يواكب التطور، ولا سيما في وسائله
المقروءة مثل: الملاحق الثقافية في الصحف المحلية، وكذلك برامج الثقافة والشعر في
تلفزيون سلطنة عُمان. غير أن هذا التطور رافقه نقد خجول، أو لنقل نقد غير مؤسسي؛
بمعنى أن الناقد لم يكن متخصصاً في النقد، وإنما كان يتناول المنتج الأدبي وفق
رؤيته الخاصة؛ لذا لم يكن يحوّل المنتج الأدبي إلى منتج آخر يُضفي عليه نكهة
جديدة، وإنما يقدم قراءة قد تصيب وقد يجانبها الصواب.
وأشار: المتتبع يلاحظ ذلك جلياً في اختيار لجان التحكيم،
فالغالبية منها تميل إلى الجانب التقليدي للقصيدة أو النص النثري؛ لذا تُسقط من
حساباتها أي نص يحمل بذور الخروج عن المألوف. وهنا يتجلى دور الناقد المختص؛
فالأكاديمي والمختص لا يميز بين الأشكال الأدبية من حيث التفضيل، وإنما يحلل
مضامين المنتج، ويستخرج للمتابع صوراً جديدة قد تكون مبهمة للمتلقي العادي. وبناءً
على ذلك، فإننا نأمل أن يواكب النقد الأدبي هذا الانتشار الواسع الذي يرافق المنتج
الأدبي العُماني في الوقت الحاضر.
وأكد الصالحي أن النقد علم بذاته، فلا يمكن لغير المختص
أن يسبر أغوار المنتج الأدبي، سواء أكان نثراً أم شعراً. والناقد المختص هو من
يستطيع وضع المنتج الأدبي على ميزان الإحاطة التاريخية والإنسانية والبنيوية
وغيرها من الموازين، وألا يكتفي بالقراءة السطحية للنص.
وقال أيضًا: لعل من أهم أدوات الناقد هو
“التخصص” الأكاديمي والمعرفي في مجال النقد الأدبي؛ فالمتخصص قادر على
استخراج مكامن النص للقارئ العادي، وإظهار إضاءات جمالية يصعب على غيره رؤيتها أو
فهمها. فالمتلقي العادي ينظر للمنتج الأدبي وفق رؤيته وفهمه المحدودين، وهنا يكمن
دور الناقد المختص عندما يأخذ بيد القارئ ويضيء له المساحات المظلمة في النص، أو
يزيل الركام عن مفردة غابت دلالتها عن القارئ العادي، فيعيد صقلها ليعرضها له بشكل
أكثر لمعاناً وبهجة.
وأضح: يرتكز الأدب العُماني على تاريخ وموروث ضارب في عمق الزمن،
وهذا يلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق الناقد؛ فمن المهم جداً له أن يعي التطور
التاريخي للإنسان في سلطنة عُمان، والتحولات التي طرأت على مجالات النثر والقصيدة،
فضلاً عن التحول البنيوي ولا سيما في القصيدة بمجاليها الشعبي والفصيح. فهناك
تيارات حداثية تلقي اليوم بشباكها على المستقبل الأدبي، وتتصدر المشهد، وخاصة مع
تعاطي الكثير من شعراء الجيل الجديد والشاب مع “قصيدة النثر” التي أخذت
في الظهور والانتشار.
وبيّن الصالحي إنه لا يمكن اليوم كتابة انطباع عابر أو قراءة
بسيطة عن قصيدة، ثم نطلق على كاتبها صفة “الناقد”؛ فالنقد علم تحليلي
رصين يقوم على مبادئ وأسس أدبية واضحة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال دراسة هذا
التخصص، والقراءة المفرطة والعميقة لكل الأدبيات العالمية باختلاف مشاربها؛ وعندها
فقط، سيكون لدينا نقاد يجمعون بين التخصص المعرفي والشغف بالقراءة بألوانها
المختلفة.
وفي شأن النقد وصناعة الذائقة الشعرية وانعكاس ذلك على
جودة الإنتاج الشعري يقول الباحث والشاعر أحمد الجحفلي: النقد الأدبي بعمومه يسهم
إلى حد كبير في بناء الوعي الجمعي والذائقة الأدبية لأي متلقي وأي مجتمع ذلك وتلك
الذائقة الأدبية والشعرية التي تعد أبرز مستقبلات الإبداع والعصب النابض للمفاضلة
بين الغث والسمين بين كل أشكال الأدب والشعر على الساحة العُمانية والخليجية على
السواء.
وأضاف: إن تطرقنا إلى الشعر وخصصنا الشعبي أو العامي كما
أحب أن “أسميه”، فإننا حتمًا سنمر بتجارب غنية وحاضرة ومراحل ولكل مرحلة
شعراؤها الذين حملوا لواءها ونقادها الذين تبنوا دراستها بحيادية وإنصاف وجمهورها
المتفاوت في الذائقة والاختيار. وأزعم أن شعراء الأمس القريب يختلفون عن جيل اليوم
فهم المؤسسون للمسيرة الشعرية المدارس التقليدية والحداثية وهم الذين كان يحتفى
بهم عند إصدار دواوينهم وأمسياتهم الشعرية وحضورهم في المسابقات الشعرية
والملتقيات الأدبية والسجالات وحتى في الأغنية بعكس اليوم، فلم يعد ذلك التلهف
للإبداع والاستمرار موجودًا ولم يعد ذلك القبول ووجود الجمهور والنقاد متاحًا بفضل
الملهيات وقلة النتاج حتى الدعم الرسمي والدعوات للفعاليات الشعرية أو النقدية خبت
مع توجه البعض إلى كتابة القصة والرواية كونهما يحصدان الترحيب من موسسات عُمانية
وعربية أفضل من الشعر.
وأكد الجحفلي بقوله: النقاد مع قلتهم هم من يقيّمون النص،
وعلاقاتهم مع الشعراء وارتباطهم خارج الصداقات أو المجموعات الشعرية مهم أيضًا، وعليهم
واجب إجراء عمليات الجرح والتعديل المدح والثناء على النص وأن تتطلب وقتًا وجهدًا
من القراءة والتحليل والمقارنة والخروج بدراسة تفصيلية أو قراءة للنتاج أو المشهد
الإبداعي.
وأوضح: خدمة النص الحقيقي تأتي من خلال كشفه لغة وموضوعًا
وجمالًا وبلاغة وإن كنت لا أرى ثورة نقدية وأسماء مختصة ويظهر لي أن هناك عزوفًا
أو ركونًا أو خضوعًا للانزواء على حساب التجلي الذي ممكن أن يحدثه النقاد في النص
العامي وحتى الفصيح من خلال الرصد والغوص في أعماقهما لكشف هوية النص ومفرداته
والوصول إلى وميضه. ويبدو لي أننا كشعراء ونقاد ندندن حول السائد، والمتمثل في “الشورت”
و”الريلز” و”الترند” وفق ما يطلق عليها في عوالم “السوشل
ميديا” في الوقت الراهن على حساب تخصيص الوقت من أجل البحث والدراسة
والإبداع، بل على حساب تجديد النهضة الشعرية والنقدية والثقافية عموما.
وأكد: الحقيقة أن الأسماء المتنفذة في تقديم الدراسة
النقدية أو الخطاب التحليلي لم تعد متواجدة بقوة، كان هناك الراحل شبر الموسوي
وغيره، وهناك القائمون على الصفحات الشعرية وكانوا يقدمون أحيانًا قراءات لبعض
الدواوين أو القصائد الفائزة في مهرجانات شعرية مختلفة أو مسابقات أو حتى التي تقع
عليها أعينهم وتنشر في صفحاتهم ويرون فيها مايمكن أن يقال ويكتب حولها، وأرى أنه
يمكن للناقد التواصل مع الشاعر لتقديمه خاصة الشاعر الفارض نفسه فالشاعر عادة ما
يكتب لجمهوره، يعبّر عنهم ويلامسهم ويكتشفون فيه ذواتهم ومواقفهم خاصة العاطفية
والاجتماعية.
وبيّن قوله: أرى بعض شعراء اليوم مبدعون من خلال وجود
نصوص رائدة تظهر بين وقت وآخر إلا أن القصيدة أو النص الذي نشر في صفحة أو موقع أو
مجموعة شعرية يختفي بعد حين ويختفى معه شاعره إما أنه لم يتم استقباله بالترحاب أو
بسبب عدم وجود نقاد يقرأونه وهنا تأتي اشكالية غياب الناقد المتابع والمستقصي أحيانا،
وهنا نقول لا غنى عن الناقد، أليس هو من يجعل النص يؤدي وظيفته، أليس الناقد هو من
يلقي رؤيته على النص، للحصول على كنوزه وكشفها وتشكيلها وتلميعها حتى مع اكتشافه
للشوائب التي تعتريها، فبناء مجتمع مثقف ومتابع خاصة الجيل الجديد الذي ينكب حاليًا
على الجيد والسيء من متابعته للسوشال يحتاج حقيقة نقدية، كتابة وصوتًا في مواقع
التواصل. فنحن أمة فطرنا على أن نكون أمة شاعرة لكن وجود النص في بيئة خصبة وتلقيه
وقبوله أصبح اليوم بطيئًا لم يعد بنفس الدرجة من التلقي الذي عشناه نحن في
الثمانينات والتسبعينات وأول عشر سنوات من الألفية.
لا شك أن منهجية الناقد والذهاب إلى جدلية النص المختلف
والتحولات البنوية في النص وتثوير فكرة النص وبناء التشويق يلامس المتلقي وينهض
بالمنجز الشعري على وجه الخصوص.
كما يتحدث الكاتب إبراهيم سعيد الحجري عن استطاعة النقد أن
يواكب التحولات التي يشهدها الشعر الشعبي العُماني، ويقرأ التجارب الجديدة بروح
منفتحة تُبرز مكامن التميز والإبداع ويقول: بظني
وحسب ما لمسته خلال الأعوام المنصرمة، خاصة ما شهدته في الملتقى الأدبي 26
بالبريمي عام 2023م، ـ على سبيل المثال لا الحصر، من التجارب القوية واللافتة
والمجددة وذات الصوت الخاص والإهتمام الفني والتثقيف الذاتي الذي يعمل عليه
الشعراء الشعبيون الشباب، فيمكنني القول أن هناك تحولات عميقة يشهدها الشعر
الشعبي، لكن الشعراء المجددين لم يبرزوا بعد بحكم الشللية والتقوقع في المشهد
الثقافي العام، مع ذلك هناك أسماء مجددة تواصل حمل شعلة هذا الفن ليواكب عصره، أما
العمل النقدي المواكب فأظن أن بعض المفاهيم معنا بحاجة إلى إعادة تفكيك، ذلك أن
نظرتنا للأدب الشعبي متأثرة بتاريخ الأدب العربي التي ظلت تسقط الشعر الشعبي من
التدوين، حتى أنك بالكاد تجد نصوصًا شعبية تعود لأكثر من عدة قرون، وكان أقدم نص عُماني
شعبي هو ما كتبه الشاعر راشد الحبسي أيام دولة اليعاربة وهو ما كان الشاعر الراحل
حمد الخروصي أول من لفت الانتباه إليه، وهذه الحادثة تدلنا على ما يمكن أن يضيفه
النقد في مواكبة الشعر الشعبي، سواء من حيث التأريخ أو من حيث إلقاء الضوء على
القوة الفنية الكامنة في هذا الفن، واليوم ينظر عالميًا إلى الشعر أيًا كانت لهجته
كونه وحدة واحدة، ولا يمكن أن نسقط الشعر الشعبي من تاريخ الأدب كما بقينا نفعل،
وبالتأكيد لا يمكن أن نسقطه من مشهد الأدب العُماني المعاصر.
وأضاف
الحجري: أظن يمكن للنقد تقديم الكثير للشعر الشعبي لكن شريطة أن يكون هناك توجه
عام لتعميق وترسيخ هذه التجارب الشعبية، وإعادة النظر في النتاج الشعبي ككل، وهناك
محاولات كثيرة لكنها ما تزال فردية ولا تشكل حالة ثقافية وفنية شاملة.
ويقف الحجري عند السبل الكفيلة بتشجيع التجديد
المسؤول، مع المحافظة على الهوية الثقافية والخصوصية الفنية التي تميز القصيدة
الشعبية العُمانية وهنا يقول: في تاريخ الشعر الشعبي العُماني المعاصر، يمكننا
النظر إلى ما أحدثته القصيدة الخليجية تحديدًا من تأثير في الشعر الشعبي العُماني
حتى على مستوى الأسلوب واللغة والمفردة، حيث كان الشعراء الشعبيون أول من انتبهوا
للتغيرات التي بدأت تطال اللهجة، وهو ما نلمسه اليوم حتى في حديث الناس العادي،
حيث بدأت تذوب حدود اللهجات العُمانية المحلية نحو لهجة واحدة أكثر اتساعًا، ولا
يمكننا أن ندعي اليوم أن التوجه للون الخليجي من الشعر الشعبي كان خطأ، ذلك أن
الفن الصادق هو تعبير عن مرحلته وزمنه وعصره، وكذلك كان التحول في الشعر الشعبي
دلالة على تحولات اجتماعية شاملة آنذاك وتأثيرات إعلامية عابرة للحدود، وأنتجت
نجوم المرحلة آنذاك وأشهرتهم على مستوى الخليج خاصة في الشعر الغنائي وما زال
بعضهم يرفد الساحة الفنية بفنه.
أما
الشاعر عبدالحميد الدوحاني فيتطرق إلى النقد واستشراف مستقبل الشعر الشعبي وهنا يقول أن النقد هو المفتاح الرئيسي في بناء الشاعر
والقصيدة بل وفي كل مجال ، فإن لم يكن هناك نقد فتأكد أنه لا يوجد أي تقدم، فبناء
القصيدة المتكاملة يعتمد على أساسيات كثر لابد من تواجد نسبة كبيرة منها أثناء
الكتابة، فلم تعد القافية بمصاحبة الوزن مع وجود الفكرة والموضوع هي أساس القصيدة،
بل ومن الممكن أن نجد قصائد تخلو من تلك العناصر الأربعة ولكنها تتسم بملامح
الجمال الحقيقي للنص من خلال الحوار الجمالي والصوري بين السطور، حيث أصبح النص
الشعري أشبة بالفيلا الحديثة المليئة بالجماليات التي تعطي طابعًا جذابًا لكل من
يزورها ويتفقدها من الداخل، كل هذا وذاك لا يمكن الحصول عليه والوصول إليه إلا من
خلال النقد البناء والتوجيه المصاحب لبناء القصيدة.
وبيّن
قوله: النقد هو سلم الصعود للشاعر، حيث يتم تقييم القصيدة من حيث البناء والتراكيب
وجماليات الصورة الشعرية وكمالياتها، كذلك يعكس النقد أهميته من خلال التعليم
الذاتي للمواهب القادمة من خلال متابعة مراحل النقد واستكشاف محطات الجمال في
الصورة الشعرية وتجاوز المناطق المظلمة أثناء الكتابة، فكل مجال خال من النقد لا
يجد تمهيدا للوصول إلى أي مستوى حيث يجد نفسه متكررا وخطواته تعيد نفسها للدوران
إلى الخلف.
/العُمانية/
النشرة الثقافية/
خميس
الصلتي