الدوحة في 24 أكتوبر /قنا/ أكد بنك قطر الوطني QNB أن التحول في الصين نحو نموذج اقتصادي قائم على الاستهلاك لا يزال أبطأ من المستهدف في الخطة الخمسية الخامسة عشرة، في ظل تأثير ضعف الطلب على السلع، وتباطؤ نمو قطاع الخدمات، وتآكل الثروة العقارية، ومحدودية الدعم الحكومي المخصص لإنفاق الأسر.
وأوضح البنك في تقريره الأسبوعي أن نموذج النمو الصيني اعتمد، لأكثر من عقدين، على الاستثمار والصادرات، مع إعطاء الأولوية للسياسة الصناعية على حساب الطلب الاستهلاكي للأسر.
وأشار إلى أن النتائج على جانب العرض كانت لافتة، إذ تنتج الصين حاليا أكثر من 70 بالمئة من السيارات الكهربائية في العالم، وتستحوذ على أكثر من 80 بالمئة من القدرة التصنيعية العالمية للألواح الشمسية، كما تقوم بتركيب أكثر من نصف الروبوتات الصناعية في العالم.
في المقابل، لفت التقرير إلى أن التقدم على صعيد الطلب المحلي كان أكثر محدودية، إذ لا يمثل استهلاك الأسر سوى نحو 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أدنى بكثير من المستويات المسجلة في الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الناشئة الكبرى.
وبين في هذا السياق أن هذه الحصة تراجعت من 47 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في أوائل العقد الأول من الألفية إلى نحو 35 بالمئة في عام 2010، ولم تتعافَ منذ ذلك الحين إلا تدريجيا.
وأوضح البنك أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، التي تمت الموافقة عليها في مارس، تستهدف تصحيح هذا الاختلال من خلال الدعوة إلى زيادة ملحوظة في حصة استهلاك الأسر من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف أن مجلس الدولة وافق، في يوليو، على أول خطة خمسية في الصين مخصصة للاستهلاك، تستهدف بلوغ مبيعات التجزئة 60 تريليون يوان بحلول عام 2030، بمعدل نمو يبلغ نحو 3.7 بالمئة سنويا، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات.
وأشار التقرير إلى أن أحدث البيانات لا تزال تعكس تحديات كبيرة أمام تحقيق التحول المنشود نحو نموذج نمو أكثر اعتمادا على الاستهلاك، إذ تراجعت مساهمة الاستهلاك النهائي في نمو الناتج المحلي الإجمالي من 52 بالمئة في عام 2025 إلى 46.7 بالمئة في الربع الأول من عام 2026.
ورأى التقرير أن التحول نحو الاستهلاك سيظل أبطأ من المخطط له، نظرا إلى أن القيود التي تحد من إنفاق الأسر ذات طبيعة هيكلية وليست دورية.
وفي هذا الإطار، استعرض بنك قطر الوطني أربعة عوامل رئيسية وراء ضعف الاستهلاك في الصين، تتمثل في ضعف الطلب على السلع بالتزامن مع تباطؤ نمو قطاع الخدمات، وتآكل الثروة العقارية وضعف الثقة، وانعدام الأمن الوظيفي والادخار التحوطي، فضلا عن محدودية الدعم الحكومي المقدم لتحفيز الاستهلاك.
وفيما يتعلق بالعامل الأول، أشار التقرير إلى أن الأسر الصينية تحصل على حصة صغيرة نسبيا من الدخل القومي، إذ لا يتجاوز الدخل المتاح للأسر نحو 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أدنى بكثير من المستويات التي تتراوح عادة بين 70 و80 بالمئة في الاقتصادات المتقدمة الكبرى.
وعزا ذلك إلى نموذج النمو الصيني القائم على الاستثمار، الذي تؤول بموجبه حصة كبيرة نسبيا من الدخل إلى قطاعي الشركات والحكومة بدلا من الأسر.
ولفت التقرير إلى أن أرقام الدخل الإجمالية تخفي تفاوتات واسعة، إذ لا يزال التفاوت في الدخل مرتفعا، فيما يقل الدخل المتاح للأسر الريفية عن نصف مستواه لدى الأسر الحضرية.
وذكر أن الأسر ذات الدخل المرتفع تدخر نسبة أكبر من دخلها، ما يجعل التوزيع غير المتكافئ للدخل عاملا إضافيا في تقليص القوة الشرائية المتاحة للأسر الأكثر ميلا إلى إنفاق أي دخل إضافي.
واعتبر التقرير أن ضعف الطلب الاستهلاكي في الصين لا يعكس مجرد إحجام عن الإنفاق، بل يرتبط أيضا بانخفاض حصة الأسر من الدخل وعدم تكافؤ توزيعه نسبيا.
أما العامل الثاني، فقد رأى بنك قطر الوطني (QNB) أن استمرار الركود العقاري لفترة طويلة أدى إلى تآكل ثروات الأسر وتراجع الثقة لديها.
وأوضح أن قطاع السكن يمثل الوعاء الرئيسي لثروات الأسر الصينية، في وقت لا تزال فيه قيمة العقارات تتراجع، إذ انخفضت أسعار المساكن الجديدة على أساس سنوي لمدة 38 شهرا متتاليا، كما تراجعت حصة العقارات من أصول الأسر من 67 بالمئة في منتصف عام 2021 إلى 52 بالمئة في مطلع عام 2026.
وبين التقرير أن تراجع الثروة يفرض ضغوطا على الإنفاق، بالتزامن مع تباطؤ الدخل المتأتي من الأصول، إذ لم يرتفع صافي الدخل العقاري سوى 1.6 بالمئة في الربع الأول، مقارنة بنمو الأجور بنسبة 4.9 بالمئة.
وأضاف أن ثقة المستهلك لم تستعد عافيتها، بعدما هبط مؤشرها من 127 نقطة في مطلع عام 2021 إلى مستوى قياسي متدن بلغ 85.5 نقطة في أواخر عام 2022، قبل أن يسجل 89.5 نقطة في أغسطس الماضي، وهو مستوى يقل كثيرا عن عتبة 100 نقطة الفاصلة بين التفاؤل والتشاؤم.
وفيما يتعلق بالعامل الثالث، أشار التقرير إلى أن انعدام الأمن الوظيفي ومحدودية الحماية الاجتماعية يعززان توجه الأسر نحو الادخار التحوطي، لافتا إلى ارتفاع البطالة في صفوف الشباب إلى 18.9 بالمئة في أغسطس، مسجلة أعلى مستوى لها خلال عام.
وأوضح أن الأسر الصينية تدخر عادة نحو ثلث دخلها، فيما أسهمت الثغرات في شبكة الأمان الاجتماعي في تعزيز هذا التوجه، وبدلا من الاقتراض لتمويل الإنفاق، تتجه الأسر إلى سداد ديونها، إذ تباطأ نمو الائتمان الممنوح لها إلى مستوى قياسي متدن بلغ 1.1 بالمئة في أواخر عام 2025، مع إقدام العائلات على السداد المبكر للقروض العقارية.
وفي المقابل، احتفظت الأسر بودائع بقيمة تناهز 167 تريليون يوان كما في نهاية عام 2025، أي ضعف قروضها البالغة 83 تريليون يوان/ بما يشير إلى أن الأسر تمتلك القدرة على الإنفاق، لكنها تفتقر إلى الرغبة في ذلك.
وفيما يخص العامل الرابع، اعتبر التقرير أن الدعم الموجه للمستهلكين لا يزال محدودا ومؤقتا إلى حد كبير، منوها إلى أن الحكومة خفضت تمويل برنامج استبدال السلع القديمة بالجديدة إلى 250 مليار يوان في عام 2026، مقارنة بـ300 مليار يوان في عام 2025، رغم أن البرنامج لم يضف، في ذروة تأثيره، سوى 0.6 نقطة مئوية إلى نمو مبيعات التجزئة.
على الجانب الآخر، أشار البنك إلى أنه من المتوقع أن يتجاوز الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة وغيرها من المجالات الرئيسية 7 تريليونات يوان في عام 2026 حيث اختارت السلطات، في يوليو، تسريع وتيرة الإنفاق المعتمد سلفا على البنية التحتية بدلا من إطلاق حزمة تحفيز كبيرة جديدة.
ولفت إلى أن الإصلاحات الرامية إلى الحد من دوافع الادخار التحوطي، بما في ذلك إصلاحات معاشات التقاعد والرعاية الصحية، لم تحظَ حتى الآن بتمويل مماثل.
وفي الختام، خلص التقرير إلى أن تحقيق أهداف الخطة الخمسية الخامسة عشرة يتطلب إصلاحات هيكلية في مجالي الدخل والحماية الاجتماعية، بدلا من الاكتفاء بتقديم إعانات مؤقتة.