الرياض 24 ربيع الآخر 1448 هـ الموافق 05 أكتوبر 2026 م واس
ناقشت الجلسة الثالثة من المؤتمر السنوي الدولي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، المنعقد بعنوان “اللغة والهوية الثقافية: الدلالة، والذاكرة، والانتماء” حضور اللغة العربية خارج بيئتها الأصلية، وعلاقتها بالهوية والثقافة والذاكرة التاريخية، إلى جانب بحث تفاعلها مع اللغات المحلية في عدد من المجتمعات، ودورها في المؤسسات الدولية.
وتناول الأستاذ بكلية التربية الإسلامية في جامعة بيهاتش بالبوسنة والهرسك الدكتور خير الدين محمد هوجيتش في ورقة عمل بعنوان “الألفاظ ذات الأصول العربية في اللغة البوسنية: صلة وصل بين البوسنة والهرسك والبلاد العربية”، حضور الألفاظ العربية في اللغة البوسنية.
وأوضح أن انتقال هذه الألفاظ إلى البوسنية ارتبط بعدة عوامل، من أبرزها وجود الجنود والإدارة والتجار، وتعليم أبناء المنطقة في إسطنبول، ونشاط المدارس الدينية والكتاتيب والخطب، فضلًا عن الأمثال والأغاني الشعبية والمصطلحات المرتبطة بالشعائر الدينية، إلى جانب انتقال عدد من الألفاظ العربية بصورة غير مباشرة عبر بعض اللغات الأوروبية، مشيرًا إلى صعوبة تحديد العدد الدقيق للألفاظ ذات الأصول العربية في البوسنية، ومبينًا أن العديد من الباحثين قدرها بآلاف الكلمات، فيما تشير بعض الدراسات إلى اقترابها من عشرة آلاف لفظة في البوسنية أو الصربية الكرواتية، حيث أن هذه الألفاظ تمثل جزءًا كبيرًا من المفردات ذات الأصول الشرقية في اللغة البوسنية.
واستعرض البحث أبرز التغيرات الصوتية والدلالية التي طرأت على الألفاظ العربية بعد انتقالها إلى البوسنية، مبينًا أن بعضها مر أولًا بمرحلة التكيف مع النظام الصوتي للغة التركية قبل انتقاله إلى البوسنية، ومن ذلك استبدال بعض الأصوات العربية بأصوات مقاربة في اللغتين، وحذف بعض الأصوات أو التضعيف، فضلًا عن تكوين ألفاظ جديدة من خلال الاشتقاق والتركيب.
وأكد أن دراسة هذه المفردات تسهم في فهم الوثائق والأمثال والنصوص التاريخية المرتبطة بفترة الحكم في البلقان، كما تساعد في تعزيز الذاكرة التاريخية المشتركة، وتيسير تعلم اللغة العربية لدى الناطقين بالبوسنية، داعيًا إلى إعداد معاجم ثنائية اللغة ومتخصصة في الألفاظ ذات الأصول العربية في البوسنية، واستثمار هذا المشترك في تعزيز الجسور المعرفية والحضارية بين الشعوب العربية والبوسنية.
وفي ورقة بعنوان “ما بين السطور: المضمرات الثقافية للغة العربية في المدونات التاريخية لأفريقيا جنوب الصحراء” تناول الدكتور مامادو بسير دامبلي، الحضور التاريخي للغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء، ودورها في تسجيل جوانب من الثقافة والحياة الاجتماعية والحضارية للشعوب الأفريقية.
وبيّن أن المدونات التاريخية المكتوبة بالعربية حفظت مظاهر متعددة من الثقافة الأفريقية، شملت الثقافة السلطانية، والعمران، والطب الشعبي، والحرف والمهن التقليدية، والفنون الشعبية، وغيرها من المظاهر التي وردت أحيانًا ضمن النصوص التاريخية بصورة غير مباشرة.
واستشهد الدكتور دامبلي بعدد من النصوص التاريخية التي توثق مظاهر من الثقافة السلطانية في إمبراطوريات غرب أفريقيا منها: ألقاب الملوك، وطرق تحيتهم، وأساليب إيصال نداءات السلاطين، وبعض الألعاب والممارسات، كما تناول مراحل تطور العمران في مدينة تمبكتو، بدءًا من المساكن البدائية، وصولًا إلى اكتمال البناء والتصاقه.
كما رصدت الورقة مظاهر من الطب الشعبي التقليدي، وما ارتبط به من معارف متوارثة في استخدام الأعشاب والأشجار، إضافة إلى الدور الذي أدته الطبول في المجتمعات الأفريقية بوصفها وسيلة للإعلان والاجتماع والاستنفار واستقبال الملوك، فضلًا عن حضورها في بعض الطقوس الشعبية.
وتطرقت الدراسة كذلك إلى المهن التقليدية منها: الحراثة الجماعية، وحفر الآبار، وطرق ادخار الأموال، مبينة أن هذه المظاهر الثقافية تظهر في المدونات العربية بوصفها شواهد على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للشعوب الأفريقية، وتكشف عن الدور الذي أدته العربية في حفظ جانب من الذاكرة التاريخية والثقافية لأفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ورقة بعنوان “اللغة العربية في البلقان المعاصر: التعليم والتفاعل الثقافي وإعادة إنتاج المعنى خارج المجال العربي” تناول الدكتور نصرت عوني رمضان من جمهورية مقدونيا الشمالية، تطور حضور اللغة العربية في البلقان من الارتباط بالتعليم الديني والمعرفي إلى وظائف تعليمية وثقافية وأكاديمية أوسع.
وأوضح أن حضور العربية في المنطقة ارتبط تاريخيًا بالمؤسسات الإسلامية والتعليم الشرعي، ثم امتد إلى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية وتعليم العربية للناطقين بغيرها والترجمة والعلاقات العلمية والثقافية مع العالم العربي.
وركزت الدراسة على مقدونيا الشمالية بصفتها نموذجًا للتفاعل بين العربية والبيئة البلقانية متعددة اللغات والثقافات، مستعرضة دور المؤسسات الإسلامية والمدارس والمعاهد والعلماء والمعلمين المتخرجين من الجامعات العربية في استمرار حضور اللغة العربية، وتطوير وظائفها.
وتناول الباحث تجربة مدرسة مداح في سكوبية بوصفها نموذجًا تاريخيًا لاستمرار التعليم الإسلامي واللغة العربية في البيئة المقدونية، مبينًا أن المؤسسات التعليمية لا تقتصر وظيفتها على نقل المعرفة، وإنما تسهم في إعادة تفسيرها وتكييفها مع الواقع المحلي.
كما تناول الدكتور نصرت أثر التعليم في المملكة العربية السعودية في تكوين كفاءات علمية ولغوية في المجتمعات الإسلامية في البلقان، مشيرًا إلى أن خريجي المؤسسات التعليمية السعودية يسهمون بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم في نقل المعرفة العربية، وإعادة توظيفها وفق احتياجات البيئة المحلية.
وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل العربية في البيئات غير العربية يرتبط بتوسيع مجالات استخدامها، وتعزيز المحتوى الرقمي الموجه إلى المتعلمين في البلقان، ودعم الترجمة المتبادلة، وإنشاء شبكات علمية تجمع الباحثين والمتخصصين، والانتقال من تعلم العربية إلى الإنتاج المعرفي بها.
فيما ناقشت ورقة “حضور اللغة العربية في الهوية الثقافية للمجتمع البنجري الإندونيسي: دراسة في التداخل بين الدين واللغة والثقافة”، التي قدمها الباحثان سعادة مناف وزين العابدين من الجامعة الإسلامية الحكومية أنتساري بنجرماسين في إندونيسيا، حضور اللغة العربية في المجتمع البنجري بجنوب كاليمنتان، وعلاقتها بالدين والتعليم، والحياة اليومية، والهوية الثقافية.
وأوضحت الدراسة أن العربية لا تؤدي في المجتمع البنجري وظيفة شعائرية فحسب، بل أصبحت حاملة لقيم دينية وأخلاقية وحضارية، وبرز حضورها في المعاهد الإسلامية والجامعات، وفي المفردات والتعبيرات اليومية، والأسماء والألقاب الاجتماعية والدينية، وعبارات التحية والذكر.
وتناولت الورقة دور المعاهد الإسلامية في حفظ التراث العربي الإسلامي ونقله بين الأجيال من خلال أسلوب “الكتاب الأصفر”، الذي يعتمد قراءة النصوص العربية الكلاسيكية وشرحها باللغة المحلية، إلى جانب دور الجامعة الإسلامية الحكومية أنتساري بنجرماسين في تعليم العربية، وجعلها جزءًا من المتطلبات الأكاديمية.
كما رصدت الدراسة حضور العربية في الشعائر والمناسبات الاجتماعية والدينية، ومنها ختم القرآن ومجالس التعليم الديني، ومراسم الزواج، مؤكدة أن هذه الممارسات أسهمت في تحويل العربية إلى عنصر من عناصر الهوية الجماعية.
وخلصت الدراسة إلى أن المجتمع البنجري لم يتلق العناصر العربية الإسلامية بصورة منفصلة عن خصوصيته المحلية، وإنما أعاد توظيفها ودمجها في سياقه الثقافي، بما أوجد تفاعلًا بين اللغة العربية والثقافة البنجرية، داعية إلى تعزيز البعد الثقافي والهوياتي في تعليم العربية، وتوثيق الممارسات التعليمية والتراثية المرتبطة بها.
واختتمت الجلسة بورقة قدمها أستاذ السياسات العامة الزائر سابقًا بمركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين في واشنطن وخبير السياسات العامة بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام في القاهرة الدكتور عاطف السعداوي بعنوان “من الاعتراف الرسمي إلى الفاعلية الوظيفية: اللغة العربية في المؤسسات الدولية.. دراسة في السياسة اللغوية والدبلوماسية الثقافية”، قدم خلالها مدى فاعلية السياسة اللغوية الخاصة باللغة العربية في المؤسسات الدولية، انطلاقًا من فرضية أن الاعتراف الرسمي باللغة يمثل شرطًا ضروريًا، لكنه لا يكفي لقياس فاعليتها المؤسسية.
واقترح الباحث إطارًا تحليليًا مقترحًا أطلق عليه “إطار الفاعلية المؤسسية للسياسات اللغوية” (ILPEF)، يقوم على خمسة أبعاد رئيسة هي: القانوني، والتشغيلي، والمعرفي، والرقمي، والحضاري، وطبقه على حالتي الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”.
وأظهرت الدراسة أن الاعتراف الرسمي بالعربية في المنظمتين لا يعني بالضرورة تطابق مستوى فاعليتها في مختلف المجالات، مبينة أن طبيعة الولاية المؤسسية تمثل عاملًا رئيسًا في تفسير التفاوت؛ إذ تؤدي العربية في الأمم المتحدة بدرجة كبيرة وظيفة تمكينية تخدم العمل السياسي والتنفيذي والإداري، في حين ترتبط في اليونسكو بصورة مباشرة بوظائف التعليم والثقافة والعلوم والمعرفة.
وأوصت الدراسة بالانتقال من قياس عدد الوثائق المترجمة إلى قياس جودة إتاحتها وسرعتها، وأثرها في المشاركة، وزيادة الاستثمار في إنتاج المعرفة الأصلية باللغة العربية، وتطوير الموارد اللغوية العربية اللازمة للذكاء الاصطناعي، ومعالجة اللغة الطبيعية، والترجمة الآلية، وتعزيز حضور العربية في المنصات الرقمية.
كما دعت إلى توسيع التعاون بين المنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية العربية، وتطوير المصطلحات العلمية المتخصصة وقواعد البيانات اللغوية المفتوحة، وبناء برامج تدريبية في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والرقمنة، وتطبيق إطار الفاعلية المؤسسية للسياسات اللغوية على مؤسسات دولية وإقليمية أخرى.
وتنوعت أوراق الجلسة من خلال مقارباتها في إبراز قدرة اللغة العربية على تجاوز حدودها الجغرافية، وحضورها بوصفها عنصرًا من عناصر الذاكرة والهوية والتفاعل الحضاري، إلى جانب أهمية تطوير وظائفها التعليمية والمعرفية والرقمية والمؤسسية في البيئات العربية وغير العربية.
// انتهى //
16:28 ت مـ
0186